ضبط قيود الأسلحة الخفيفة يساهم في تطبيق مطلب بيروت عاصمة منزوعة السلاح

العميد (م) ناجي ملاعب
يبدو أن المطالبة بجعل العاصمة اللبنانية بيروت مدينة منزوعة السلاح أصبح موضوعاً متداولاً وباضطراد في وسائل الإعلام اللبنانية[*]، وزاد من أهمية تلك المطالبة تبنيها من كتلة نواب بيروت ومن التيارات والأحزاب السياسية المكونة لها، ومن جمعيات مدنية فاعلة سواء في العاصمة أو في الوطن. وما يدعم هذا المطلب عدم ظهور آراء مخالفة لدى الخصوم السياسيين للفريق الذي تبنى هذا الطرح.

ولا تقتصر المطالبة بسحب السلاح الخفيف من المنازل على نواب وفعاليات وسكان العاصمة فقط؛ لا سيما بعد خضات متتابعة أوصلت إلى نزاعات مسلحة لم تسلم منها المدن والقرى والأحياء السكنية على مساحة الوطن، فقد شملت المطالبة معظم الأرجاء ومنها عاصمة الشمال طرابلس.

وحتى لا يضيع الجهد الذي يبذله السادة النواب، سأعرض في هذه المقاربة للنواحي التقنية والتطبيقية لإمكانية تحقيق هذا المطلب، في ظل قانون الأسلحة والذخائر الذي مضى على صدوره أكثر من خمسين عاما 12/6/1959، مقترحاً في النهاية تمكين السلطة العسكرية من تنظيم اقتناء السلاح الفردي بوضع الضوابط الإجرائية التطبيقية لقانون عصري حديث، على السادة النواب الإسراع في التشريع له.

ويجب عدم إنكار أن المشكلة موجودة، والأسلحة الصغيرة والخفيفة منتشرة في معظم المنازل؛ ومن نتائجه، هروب فرص العمل وضعف الخدمات الصحية والاجتماعية والتعليمية. وعلى نطاق واسع، يمكن أن تغلق الشركات الوطنية والدولية، أو يتم تخفيض التجارة وينخفض الاستشمار الاجنبي ويبتعد السواح عن البلاد.

ولا بدّ من توضيح مفهوم مصطلح الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة، وقد حددتها منظمة IANSA (International Action Network on Small Arms) بالتالي: هي الأسلحة التي يمكن حملها من قبل شخص واحد أو شخصين، ومن بينها المسدسات اليدوية والبندقيات الهجومية، وقاذفات القنابل اليدوية، والأسلحة المضادة للدبابات أو الطائرات وقنابل الهاون الخفيفة. وتعتبر الأسلحة الخفيفة والذخائر والقنابل اليدوية والألغام الارضية والمتفجرات جزءاً من هذا التصنيف.

نقل عن ميخائيل كلاشنيكوف، مخترع الإي كي 47، متحدثاً عام 2002: " كنت احبذ لو أنني اخترعت آلة يمكن للناس استخدامها وتساعد المزارعين في عملهم- مثل آلة قص الأعشاب".تجدر الإشارة إلى أن هناك ما يتراوح بين 50 و 70 مليون قطعة سلاح منتشرة في العالم من هذا النوع، يتم تصنيعها في 14 دولة على الأقل، وليست كلها مرخصة من الدولة الصانعة. يبلغ متوسط سعر هذا السلاح 400 دولار أميركي، مع أنه يتم بيعه في بعض الدول الأفريقية بسعر لا يتعدى 12$.

ويشير تقرير IANSA إلى أن من بين 875 مليون قطعة سلاح المتوفرة على هذا الكوكب عام 2010، 74% منها تمتلكها جهات غير حكومية أو مدنية. وهذا يعني أن الأسلحة الموجودة في أيدي القطاع الخاص تفوق بنسبة 3 إلى واحد الترسانات المملوكة من جانب الحكومة.

واستنتجت المنظمة أنه لا يمكن وقف حركة نقل الأسلحة أو مراقبة تلك الحركة؛ إذ لا توجد معايير دولية متفق عليها بين الحكومات عند إعطاء أذونات التصدير أو النقل، ولا يوجد دليل دولي لتنظيم ملكية السلاح بين المواطنين، كما لا توجد معاهدات ملزمة قانوناً للسيطرة على نشاطات سماسرة الأسلحة، أو مطالب قانونية بالحفاظ على سجل يصل ما بين الأسلحة ومكانها، أو تتبع الأسلحة المستخدمة في الجرائم.

ويمثل العراق نموذجاً لمأساة انتشار السلاح الفردي. فقد أدى العنف المسلح في هذا البلد إلى تشريد 4 ملايين شخص؛ فرّ منهم مليونان ليصبحوا لاجئين خارج البلاد، وهجّر مليونان داخل البلاد.

وكان في العراق، قبل الغزو عام 2003، ما يقدّر بنحو 15 مليون قطعة سلاح صغير وخفيف يقتنيها 25 مليون عراقي. وعندما حلت إدارة الاحتلال الجيش العراقي الذي قدّر عديده بنحو 400 ألف، عاد معظم منتسبيه إلى بيوتهم أو اختفوا مع أسلحتهم. وتشكلت الميليشيات التي أحصاها "تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2009" لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، لتصل إلى خمس وثلاثين منظمة؛ بينما تقول تقديرات أخرى في التقرير ذاته إن عددها أربع وسبعين.

وأسهم سلب مخازن السلاح العسكرية ومراكز الشرطة ما بين 2003 و 2005، في زيادة الأسلحة الصغيرة الموجودة في أيدي العصابات الإجرامية والميليشيات، بالإضافة إلى الأسلحة التي تسلمتها جماعات مسلحة من إيران.

أما في لبنان، فلا يختلف اثنان على صعوبة ضبط الحدود البرية مع سوريا، نظراً لتعرجاتها ووعورتها. فقد شهدت تلك الحدود تدفقاً للسلاح الفردي والخفيف على مدى عقود، بدءاً من دعم سوريا للفريق الذي قاد ثورة عام 1958، إلى تقاطر الفدائيين الفلسطينيين من سوريا وعبرها إلى المخيمات الفلسطينية والى الجنوب اللبناني، لا سيما في أعقاب أيلول الأسود في الأردن، مستفيدين من اتفاق القاهرة الذي أبرمته الدولة اللبنانية مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1968، وظل صالحاً حتى عام1982. وقد وفرت مخيمات اللاجئين الفلسطينيين رافداً هاماً لمعظم السلاح الخفيف في السوق اللبناني.

ويشكل وجود بقعتي عمل عسكريتين حدوديتين لتنظيمات فلسطينية مدعومة من السوريين في منطقتي قوسايا وينطا من البقاع، عاملاً إضافياً في إمكانية استقدام الأسلحة إلى الداخل اللبناني دون رقابة.

وفي ظل عدم الاتفاق حتى تاريخه على نزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، ومنها البؤرتين المذكورتين، وعلى بدء خطوات ترسيم الحدود البرية، وفق مقررات لجنة الحوار الوطني التي توافق عليها اللبنانيون، فإن تدفق السلاح الى الداخل سيبقى دون معالجة.

إن تطبيق مقررات الحوار الوطني، من هذه الناحية، يضع حداً ليس فقط على تهريب السلاح إلى لبنان بل منه إلى سوريا، وهذا ما تعاني منه السلطة في سوريا حالياً مُقدمة على زرع الألغام في الممرات وأماكن التسلل الحدودية، في سبيل وضع حد للتهريب، وقد أوقع هذا التدبير ضحايا عدة منهم أبرياء هاربين من الأعمال الأمنية والعسكرية الجارية قرب الحدود، لا سيما في الشمال اللبناني.

ولسنا هنا لنشير إلى الشواطىء البحرية كمصدر للتهريب، وهي كانت رافداً قوياً للأسلحة أثناء سيطرة الميليشات على الحوض الخامس من مرفأ بيروت، ومرفأي طرابلس وجونية، إضافة إلى المرافئ الصغيرة في الأوزاعي والصرفند. فهي مضبوطة حالياً رغم طول مسافتها، بواسطة الدوريات المشتركة للبحرية اللبنانية وقوات اليونيفل.

وإذا كان من الصعب مراقبة ووقف تدفق السلاح الفردي عبر الحدود، فهل فوضى السلاح في الداخل مبررة؟ وهل جرى تطبيق قانون الأسلحة والذخائر رغم قدمه؟

هل سأل السادة النواب القائمون بهذه الحملة المطلبية الحقة كيف يتم الترخيص لحمل السلاح حالياً، وفي عهود الحكومات السابقة؟ هل سمعوا بترخيص نوع السلاح "مختلف" رقمه "مختلف"؟

الجواب واضح، ولا يخفى على أحد أن جميع النواب يحظون بهكذا تصاريح؛ فالمواطن العادي- والمقصود هنا من لا يلجأ للواسطة- لايمكنه الحصول على ترخيص نقل سلاح؛ وهذه التراخيص يعطيها وزير الدفاع كوسيلة للاستقطاب السياسي للجهة التي تتولى الوزارة، مع حفظ الكوتة كاملة لبقية المتنفذين من موالين وأخصام سياسيين. ولا أناقش هنا الأسباب أو الطرق المتبعة ولا المستفيدين.

ولكن ماذا يقول القانون في إعطاء إجازة اقتناء ونقل أسلحة؟ فلنقرأ في المادة 37 من قانون الأسلحة والذخائر: "يحظر على التاجر أو صاحب المصنع أن يبيع أو يعطي أحداً معدات أو أسلحة أو ذخائر من الفئات الأربع الأولى، قبل أن يتأكد من أن صاحب العلاقة يحمل إجازة قانونية تخوله ذلك. ولهذه الغاية يعطى الطالب إجازة مؤقتة يذكر فيها أنه مأذون له بالحصول على أعتدة أو أسلحة وذخائر، وعدد كل منها ويبرزها إلى صاحب المصنع أو المتجر الذي يدون في الحقل الأبيض المتروك فيها لهذه الغاية نوع السلاح المعد للبيع، ورقمه ونموذجه مع أنواع الذخائر العائدة له، ثم يوقعها ويختمها بختم المحل التجاري. لا يسلّم السلاح والذخائر إلى صاحب العلاقة قبل الحصول على الإجازة النهائية."

هل هذه هي الآلية المتبعة؟ لو كانت كذلك لما اضطر النواب لإطلاق هذه الحملة.

ونورد هنا على سبيل العلم أن قوى الأمن الداخلي اعتمدت منذ فترة تعليمات تلزم القائم بالتحقيق عند ضبط أي قطعة سلاح أثناء العمليات الأمنية، أو أثناء تفتيش منازل أو إقامة الحواجز، التأكد من مصلحة الأسلحة والذخائر في المديرية العامة من عائدية السلاح المضبوط، عما إذا كان من قيود تلك القوى.

وتمكنت قوى الأمن بفضل هذا الإجراء من استعادة العدد الكبير من الأسلحة التي نهبت من ثكناتها ومراكزها أثناء مرحلة الفلتان الأمني في فترات سابقة. والمفارقة هنا أن بعض المضبوطات كانت أسلحة أميرية ومرخصة. ولا نستغرب ذلك طالما أن الترخيص أعطي وما زال يعطى خلافاً للآلية التي نص عليها القانون.

يستنتج مما تقدم أن التراخيص بنقل السلاح تمثل تشريعاً للسلاح غير الشرعي. وأن التغاضي عن تطبيق القانون سمة مشتركة مارسها معظم من تعاقبوا على منصب وزير دفاع؛ حتى أن بعضهم وزع التراخيص "على بياض" موقعة وممهورة زمن الوجود السوري، "على مراكز القوى".

وبالتالي لم نقع على أية مطالبة أو سؤال أو استجواب تقدم به نائب أو تكتل نيابي للوزير المختص أو للحكومة حول قانونية التراخيص.

ونأمل من ممثلي الشعب وضع السكة على نصابها عبر محاسبة من يتغاضى عن تطبيق القانون، وعدم الاكتفاء بطرح الموضوع عبر وسائل الإعلام، والتقدم باقتراح مشروع تعديل القانون الحالي، إذا ارتأوا ضرورة للتعديل، آخذين بعين الإعتبار المعايير والقوانين الدولية الحديثة المعمول بها في الأنظمة الديمقراطية.

من البديهي أن نقف إلى جانب هذا المطلب الحضاري، مقترحين أن تتم الدعوة إلى عقد مؤتمر تخصصي للخبراء القانونيين والعسكريين، تتمثل فيه السلطات القضائية والأمنية والإدارية ويشارك فيه منظمات دولية ومحلية لطرح هذا الموضوع ودرسه وتمحيصه، تكون التوصيات في ختامه أساساً لمقترح قانون جديد للأسلحة والذخائر، أو لتعديل القانون الحالي.

وإلى أن يتم الأخذ بهذا المقترح نأمل أن تتضافر الجهود الرسمية والشعبية في سبيل وضع آلية واضحة تمكن المواطن، بعد عرض الأسباب الموجبة، من حصوله بالطرق القانونية ومن المصدر الشرعي، على الترخيص من السلطة المختصة؛ بحيث تتم ضبط قيود الأسلحة وتسهل مراقبة استعمالها من قبل السلطة الأمنية، فضبط قيود الأسلحة الخفيفة يسهم أمنياً وإدارياً وقضائياً في الحد من انتشار الجريمة، ويمنع قيام مناطق جرمية يصعب الولوج إليها، ويعطي الأمان لمن يستحق قانوناً حيازة ونقل السلاح الفردي.

 

*باحث استراتيجي في مؤسسة إينجما

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate