حروب محتواة

ناجي ملاعب
"لا سايكس بيكو جديد". ولا تدخل عسكري غربي، الذي توافرت ظروفه في العراق في ظل تفرد أميركي بالقرار الدولي، ولكن، في ظل تمسك كل طرف بقناعاته الواهمة[*] بالحسم على الطرف الآخر وانتصار دول – محاور لكل طرف في الأزمة السورية، هل تتجه المنطقة نحو "حروب محتواة"؟
قد تكون هذه الخلاصة التي توصلت إليها الدكتورة نهلا الشهّال بمحاضرتها في مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية، تحت عنوان فرص مؤتمر جنيف2 بعد القصير، بحضور جمع من المهتمين، باحثون وإعلاميون وسياسيون، استمعوا إليها والى الإعلامي في جريدة النهار امين قمورية والدكتور بول سالم رئيس مركز الشرق الأوسط في معهد كارنيغي للسلام الدولي. وكانت إشكالية المواضيع التي طرحها رئيس مركز عصام فارس السفير السابق عبدالله ابو حبيب تمحورت حول الأسئلة التالية:
إلى أي مدى غيّرت معركة القصير التوقعات بالنسبة لمؤتمر جنيف 2؟ وهل بات جنيف ٢ اقرب إلى الشروط الروسية مما كان عليه جنيف ١، عقب تخلّي واشنطن عن إصرارها على رحيل الأسد؟ وهل التقاطع الروسي – الأميركي كافٍ لوحده لإطلاق مسار التفاوض؟ وأين موقع كل من إيران وتركيا والسعودية وقطر من هذا الواقع؟ وهل يمكن أن تُفشِل الحسابات الإقليمية التوافق الدولي؟ وما هي مخاطر ذلك.

توافق المحاضرون على عدم وضوح التسوية التي ينشدها المراهنون على المؤتمر في المدى المنظور، وتوقع الدكتور سالم أن لا يعقد جنيف 2 قبل الخريف القادم، مشيرا الى أن المؤتمر لم يكن الموضوع الأساس في الاجتماع الأخير لوزيري خارجية الولايات المتحدة وروسيا، بل كان استشراف لموقف الروس من رؤية أميركية لتحريك ملف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية. وفي ذاك الإجتماع "سلّم" الأميركيون بدور للدبلوماسة الروسية في الملف السوري. ولكن خوض النظام السوري لمعركة القصير بعد ذلك ودخول قوى لحزب الله في تلك المعركة غيّر الموقف الأميركي وبدأ الحديث عن دعم المعارضة بالسلاح و"ثبوت" تورط النظام السوري باستخدام غاز السارين. وإزاء رد الفعل الروسي على الإعلان الأميركي توقع سالم أن نشهد مرحلة من التباعد والجمود في علاقات الدولتين سوف تعيق الحل الدبلوماسي، سيما وأن الموضوع السوري ليس في أولويات الإهتمام الأميركي، ولا تشجع نشرات الإحصاء الأخيرة التي عممت في أميركا على تبديل تلك الإهتمامات.
وبالإضافة الى المعطيات الأخرى من تفاصيل طاولة الحوار الى تشتت المعارضة والشروط المتبادلة بينها وبين النظام، أجمع المحاضرون على أننا قد نشهد "جنيف10" قبل وضوح التسوية.
ورأى سالم أن أزمة تفكك سياسي مناطقي طائفي تلوح في المشرق العربي، مجتمعات منفرطة، ، لاهوية وطنية، لامشروع وطني، دول فاشلة تخضع لنفوذ إقليمي مناطقي أو خارجي، أو ما يمكن تعريفه إيجاباً باللامركزية.

وأبدى قمورية أملاً قد يواكب التغيير في القيادة الإيرانية والإنتقال الطوعي للسلطة في قطر الى ولي العهد وانشغال الحكومة التركية بالإحتجاجات الداخلية، وخلص الى أن المعارضة في سوريا صلبة وقوية وديمقراطية، ولكن الصورة التي يتم حبكها تحت شعار القتال المذهبي غيرت نظرة العالم منها، محذراً من أنه إذا قُدّر لهذا القتال السني الشيعي أن يستعر فالمنطقة كلها في خطر لم تعرفه منذ 1400عام.
"لا حل يُسقط على الواقع حتى لو اتفق الأميركيون والروس". من هذا المبدأ انطلقت الدكتورة الشهّال في ضرورة فهم هذا المشرق وجغرافيته واجتماعياته. في لبنان مثلاً، "تسود قناعة التسوية حتى في ذروة القتال، فقد تعودنا أن نعود الى التعايش بعد تأزم ولو كان دموياً. بينما في سوريا "المدن الدول" التي أحكم عقدها الرئيس حافظ الأسد بعقد امني إقتصادي بين 1979- 1982 أخذاً بعين الإعتبار مصالح حلب والساحل السوري ومركزية الدولة في دمشق، تخلص الشهال الى خطورة إعادة اللحمة الى جغرافية سوريا، لا سيما بعد المجازر المتنقلة وحالات "الإغتصاب الجماعي للنساء" – وهي في المفهوم السوسيولوجي – لا تعايش بعدها بين مكونات المجتمع.

"لا سايكس بيكو جديد". ولاتدخل عسكري غربي، الذي توافرت ظروفه في العراق في ظل تفرد أميركي بالقرار الدولي، ولكن، في ظل تمسك كل طرف بقناعاته الواهمة بالحسم على الطرف الآخر وانتصار دول – محاور لكل طرف، فالمنطقة تتجه نحو "حروب محتواة" تقول الشهال، وتضيف أنه لا بد من تنظيم وحصر وإدارة الخسائر وتلافي الإنعكاسات؛ من أوضاع النازحين في الداخل السوري الى اللاجئين في الدول المحيطة.

ولكن في كل هذا الخراب علينا كباحثين أن نفتش عن اللاخراب لننطلق منه الى المسقبل، ونطالب الباحثين والمثقفين بعدم الخلط ما بين الإستراتيجية والتكتيك، وندعو ونناضل في سبيل الحل السياسي والحوار وقبول الآخر، حتى لا تعود المنطقة بأسرها الى أيام المماليك، ختمت الدكتورة الشهّال.

* باحث استراتيجي في مؤسسة إينجما

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate