الحرس الوطني في العراق.. حل أم مشكلة؟

أنجزت الحكومة العراقية مشروع قانون انشاء الحرس الوطني وأحالته لمجلس النواب للتصويت عليه، وهدفت من تلك الخطوة ضم متطوعي الحشد الشعبي ومسلحي العشائر وعناصر الصحوات- كما علّلت مشروعها – لتأخذ على عاتقها مهمة حفظ الأمن بالمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعات المسلحة بالتنسيق مع الحكومات المحلية، وتحت إشراف قيادات العمليات فيها. ويعطي القانون "الدور الأكبر للحكومات المحلية في الإشراف الإداري وتنفذ العمليات بالتنسيق والإشراف المباشر من القادة العسكريين".
هل تحفظ هذه الخطوة وحدة العراق عبر توحيد كافة الجهود الشعبية العسكرية أم تساهم في شرذمة قطاع الأمن ووضعه في خدمة المناطق والقبائل والطوائف والإثنيات؟
فور الإعلان عنها، ترافقت الخطوة بسيل من الشكوك؛ فقد أوضح بعض المشرعين أن البلد مقبل على تشكيل الحرس الوطني مع تأسيس هيئة للحشد الشعبي مما سيولد تضارباً بين التشكيلين تضيع من خلاله معالم الدولة العسكرية، إضافة إلى تكوين مؤسستين عسكريتين في ظل الأزمة المالية الحالية.
وحتى فكرة الدمج بين الجهازين اعترضت عليها أوساط سياسية وعشائرية في محافظة الأنبار لاعتقادها أن هذا التوجه يمنح مليشيات ذات صبغة طائفية حرية ممارسة نشاطاتها بالعديد من المدن العراقية.
ونظر مراقبون الى تلك المبادرة بأنها تكريس للطائفية وبداية لوجود جيوش متعددة في المحافظات العراقية قد تتصادم في أي وقت تختلف فيه المصالح، فيما يؤكد آخرون أن هذه القوات ستعمل في إطار القانون.
تم تشكيل الحشد الشعبي في يوليو/حزيران 2014 ، بهدف استنفار الطاقات لدعم الجيش العراقي المنهار أمام تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، واكب الخطوة نداء المرجعية الشيعية لإعلان «الجهاد الكفائي» في 13 من الشهر نفسه، تحت ستار الواجب والفرض المقدس، فاستجابت حكومة نوري المالكي السابقة لتأسيس إطار رسمي تحت اسم «مديرية الحشد الشعبي»، لتسجيل وتدريب وتسليح حاملي السلاح من القوة الجديدة، ودعوة الجنود الفارين للرجوع إلى الخدمة دفاعا عن بغداد ومحيطها. على أن تعمل هيئة الحشد الشعبي ضمن إطار الحكومة والتشكيلات العسكرية، وستكون لها مديريات خاصة مصغرة مثل الاستخبارات والأمن، وستعمل على حفظ أمن البلد وتحرير باقي أراضيه من تنظيم الدولة الإسلامية.
وأكدت اللجنة العسكرية المشرفة على تجهيز المتطوعين، أن عددهم وصل إلى مليون ونصف المليون متطوع، تم تزويدهم بالسلاح، ووفرت لهم الحكومة التدريب بمشاركة إيرانية مباشرة ما سهّل اندماج عشرات الميليشيات العراقية الطائفية في فلك منظومة عسكرية يُعاد تكوينها، بفلسفة وعقيدة عسكرية جديدة. فهذه الميليشيات تتمتع بما يتمتع به الجيش النظامي العراقي من حقوق تجاه الدولة، وتدفع الدولة رواتبهم وتمنحهم الزي العسكري الرسمي، وتزوّدهم بالآليات والمعدات العسكرية.
وتوسعت قاعدة ونفوذ الحشد الشعبي في أرجاء البلاد، وهو لم يعد من لون طائفي واحد؛ فهناك حشد شعبي في محافظة صلاح الدين، شمال بغداد، بقضاء الضلوعية، وفي الأنبار غربي العراق بقضائي حديثة وعامرية الفلوجة، كما أن هناك مقاتلين في الحشد الشعبي من المسيحيين والإيزيديين.
لكن هذا التمدد للحشد لم يفِ بالمطلوب لدى العشائر السنية في المحافظات المحتلة من داعش. فقد قطعت المباحثات المباشرة بين زعماء العشائر والأميركيين أشواطاً بهدف تسليح وتدريب مئة ألف من تلك العشائر لتكوين جيش تحرير يعتمد عليه في استعادة الأرض المسلوبة.
وأمام الحكومة العراقية استحقاقات داهمة، غير الحشد الشعبي وقوات العشائر، تتمثل في حماية الأقليات الإثنية، من أيزيديين ومسيحيين، التي جهد تنظيم الدولة الى محوها أو تهجيرها، وهؤلاء يتنادون الى الحصول على سبل الحماية أولاً، من ثم، الإنخراط في العمل المسلح لتحرير أرضهم. وقد بدأ الاكراد بتوفير المعسكرات والسلاح للتدريب فقط للأعداد الكبيرة من الشباب المسيحي التي استجابت للدعوة الى العمل العسكري، ويشير تقرير صحفي الى أن عدد من تسجلوا بلغ نحو 3000 متطوع، يتولى المغتربون العراقيون المسيحيون تمويلهم. ويصر المسؤولون عن هذه القوات على أنهم بانتظار دعم الحكومة المركزية في بغداد، يمكنهم الانتشار على الارض اسوة بكل القوى العسكرية الاخرى. فقوات البشمركة التي تعمل ضمن أجندة خاصة ليست بالنسبة الى الأقليتين البديل الصحيح الإنتماء، فالدولة هي المسؤولة، وإذا لم تقدم على استيعاب وتنظيم اندفاعة هؤلاء في سبيل التحرير فقد بدأ التجهيز والتدريب الذاتي الذي لن يصمد طويلاً ليطلب الدعم والسند من "الآخرين".
في المقابل، يوجد في العراق اليوم الكثير من المفاصل الأمنية المجمدة وغير الفعالة، ومن الممكن أن يتم إلحاق الحشد الشعبي بالأجهزة الأمنية لا أن تنضوي في جهاز جديد موازي، وألا تكون هناك عشوائية في مؤسسات الدولة.
ان إباحة وتشريع تسليح فئة من فئات المجتمع العراقي تحت اية ذريعة لا يمكن ان يكون حلاً؛ فبدلا من السيطرة على السلاح وحصره بيد الدولة يتم توزيعه للمواجهة، كان يمكن ان تقوم الحكومة بخطوات تنفيذية ردعية تساهم في السيطرة على كامل أو قسم من غابة الأسلحة المنتشرة بدفع تعويضات لمن يقوم بتسليم السلاح، ولا تستثني الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والذخائر والكواتم المستعملة في عمليات القتل الغادر والاغتيالات، وبفتح باب التطوع في الجيش بحيث يتم تنسيب من يرغب – افرادياً وليس جماعياً – في السلك العسكري، وبإحياء قانون الخدمة الإلزامية أمام فداحة الوضع الحالي للبلاد.
فالخدمة الإلزامية واجب وطني، يتساوى فيه جميع العراقيين من الشمال الى الجنوب دون تميز بقومية أو ديانة او طائفة او إثنية، وهي تنمّي لدى الشباب المدارك الوطنية ، وتصنع منهم رجالاً قادرين على تحمل الصعاب والمشاق، وتتيح التعرّف على المدن العراقية التي قد يخدمون فيها وتعلّم لهجتها ولغتها والإطلاع على تقاليد أهلها. ولنا في التجربة السورية خير مثال، فرغم الأهوال التي تمر بها المنطقة والبلدان الشقيقان بالذات ما زالت الخدمة الإلزامية المطبقة في الجيش السوري قوام رفد هذا الجيش بعنصر الشباب من خبرات وقدرات، من كافة المناطق والطوائف.
في الخلاصة، نرى أن إعادة إحياء قانون الخدمة الالزامية التي تحمي الشباب من الانخراط بالعصابات والمنظمات الارهابية والميليشيات وتشركهم في الذود عن الوطن والولاء له بعيداً عن كل المسميات الأخرى، وهذا يمهّد لتمسكهم بمؤسساتهم العسكرية والأمنية العريقة في عراق موحد الأرض والشعب والمؤسسات.
العميد م. ناجي ملاعب

 

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate