وضع النووي الإيراني تحت الوصاية الدولية المحكمة: هل يبدد الهواجس العربية؟

 العميد م. ناجي ملاعب
ستمتنع إيران لمدة 15 عاما عن بناء اية مفاعلات جديدة بهدف تخصيب اليورانيوم، مع حصر التخصيب في منشآة واحدة هي[*] “نتانز”، وستخفض عدد أجهزة الطرد المركزي من 19 الفا إلى 6 آلاف لإنتاج اليورانيوم المخصب لعشر سنوات. كما سينخفض مخزون اليورانيوم الضعيف التخصيب من عشرة آلاف كيلوغرام إلى 300 كلغ مخصب بنسبة 3,67 بالمئة لمدة 15 عاما.

استطاعت الدول الست أن تنجز في هذا الاتفاق – الإطار مراقبة دائمة وحرة، دون قيد أو شرط، للمنشآت النووية الإيرانية، ومع إشهار سلاح عودة العقوبات الاقتصادية الدولية وربما استخدام القوة، في حال لم تلتزم إيران بالاتفاق الموقع.

وقال الرئيس الاميركي باراك أوباما فور التوقيع على الإطار: " تعتبر شروط الاتفاق التي تم التفاوض بشأنها سابقة لأي برنامج نووي في التاريخ. لذلك هذا الاتفاق غير مبني على مفهوم الثقة بل هو مبني على اجراءات تحقق غير مسبوقة."

في الاتفاق استطاعت إيران المحافظة على حقها في إنتاج الحد الأدنى من الطاقة النووية للأغراض السلمية، وان تنتزع وقفا تدريجيا للعقوبات الاقتصادية الدولية المرتبطة بالملف النووي على أن يتم رفع هذه العقوبات نهائيا بعد التوصل إلى اتفاق ناجز أواخر يونيو/ حزيران القادم. وما زالت هذه العبارة قيد التفسير المناسب لكل فريق، وما زال المرشد الأعلى يعتبر أن التوقيع النهائي مرتبط برفع العقوبات كافة، في حين يجهد الحزب الجمهوري الأميركي ذي الأغلبية في الكونغرس الى سحب حق رفع العقوبات من يد إدارة أوباما.

واستقبل معظم الايرانيين هذا الإتفاق – الإطار بحفاوة بالغة، ما يبين أنهم تعبوا من الأثقال التي ألقتها على كاهلهم الطبقة المتطرفة من رجال الدين والنظام الأمني الذي بنى سطوته ومكانته في السلطة، ليس على ازدهار الوضع الاقتصادي، وإنما على أساس القبضة الأمنية وتوتير علاقات إيران مع الخارج. ما يعني أنهم ينتظرون بحماس الانتعاش الاقتصادي لبلدهم بعد رفع العقوبات المفروضة. فيما برز في المقابل أن الجناح المستفيد من السياسة المتعنتة لإيران، لا يعير كثير الإعتبار الى الإنفتاح الإقتصادي المأمول باتجاه دول الغرب، الذي قد يؤدي الى نشوء طبقة وسطى بمصالح سلمية غير عدائية، وهذا مخالف لسياسة القوة والقبضة الأمنية للحرس الثوري وحماته من الملالي .

بعد أن أرهقته العقوبات الاقتصادية الدولية، وبعد أن أضعفته العزلة التي مارسها عربياً ودولياً اختار النظام الإيراني مرغماً الوصول الى اتفاق – أي اتفاق – وبالخصوص مع الولايات المتحدة الأميركية، بحيث يؤمن له اسكات وتجميد الوضع الداخلي ويتسلح به لمتابعة دوره الإقليمي في التدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار. ولكن القرار العربي الذي أنتج “عاصفة الحزم” مع ما تحمله من رسائل بشأن القدرة على استعادة زمام المبادرة، أسهم في التعجيل بعقد هذا الاتفاق، أو في دفع إيران إليه، وأثبت ان الإنتظام العربي لوقف هذه السيرة سيكون له نتائج أكبر في ظل التنيسق عالي المستوى بين أركان القوة العربية.
في المحصلة، هذا اتفاق لصالح الشعب الإيراني، ولصالح تحجيم طموحات الجناح المتشدد داخليا وخارجيا، ولصالح الاستقرار في المنطقة، ولصالح عودة ايران الى دورها الإقليمي الوازن ضمن اطر الصداقة وحسن الجوار مع محيطها العربي والإسلامي. وهذا الموقف ينشده كل العرب وعبّرت عنه الحكومة السعودية، في بيان لها بعد الإعلان عن الإتفاق- الإطار، بالقول: "ان تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة يتطلب الالتزام بمبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية واحترام سيادتها".

وفي مقابلة مع توماس فريدمان، قال الرئيس الأميركي "إن أكبر خطر يتهدد دول الخليج ليس التعرض لهجوم محتمل من إيران وإنما السخط داخل بلادهم بما فى ذلك سخط الشبان الغاضبين والعاطلين والإحساس بعدم وجود مخرج سياسي لمظالمهم".
كان ينقص دول الخليج تحريض "الشبان الغاضبين والعاطلين" لتحريك الوضع الداخلي فيها والذي هو من اصلب انواع الأمان والإستقرار مترافقاً مع النمو الإقتصادي الصناعي المتطور ومع التزام بتأمين التعليم وتكفل التعليم العالي في أرقى الجامعات العالمية وايجاد فرص العمل للمواطنين بفرضهم في نسب تصاعدية على الشركات الوطنية والأجنبية.
هؤلاء الشبان الغاضبين هم نتيجة لسياسة الغرب والإدارة الأميركية التي تبنت نظرية الإسلام السياسي ورعت وحمت ودربت جماعات الأخوان المسلمين ليكونوا ثورة مضادة لثورات الربيع العربي. وما حصل في مصر وسوريا وليبيا وتونس أكبر دليل على ذلك.

فعندما استجاب الجيش المصري لتظاهرات شباب مصر العشرين مليون وينهي حكم الأخوان استشاطت الإدارة الأميركية غضباً وقطعت المعونة العسكرية عن مصر، وعندما استدرجت المعارضة السورية السلمية الى حمل السلاح لم يأتِ هذا السلاح إلا الى وعبر الإسلام السياسي. وفي ليبيا انتقال مميز للسلطة على يد معارضة قوية أنشأت دستوراً حديثاً وأجرت انتخابات نيابية ناجحة، فتدخل داعمو الإسلام السياسي وانقلبوا على كل الإنجازات. وعندما استعادت مصر طريقها المعتدل القويم والتف حولها قادة دول الخليج "فقست" داعش، والغريب أن هذا التنظيم المعزول من كل الجهات ما زال يحارب جيوش ويحتل مناطق جديدة، رغم ما يتعرض له من الهجمات الجوية للتحالف الدولي.

دول الخليج ليست بحاجة لحماية من أحد، وبدل تأمين المساعدة التي يعرضها أوباما، ألم يكن أجدى اعتراض سفن الأسلحة الخارجة من ايران والتي ترسو في موانئ اليمن واريتريا والسودان، وفي مطارات سوريا وبغداد. أليست القرارات الأممية لتمنع تصدير السلاح من إيران وإليها!

كتب سيفي رخلفسكي في "هآرتس" الإسرائيلية: "إن فكرة أوباما أن الإسلام السياسي سوف يكبح جماح الإسلام المتطرف هي فكرة خاطئة. ولسياسة أوباما دور غير مقصود في خلق الدولة الإسلامية" وبعد أن يشير الى أن المسألة ليست في الإتفاق النووي بل في الجانب الإنساني الراغب في السلام والحرية يتساءل الكاتب " ما هو دور سياسة أوباما في عدم منع العنف من جانب حكام متطرفين وسحقهم لحقوق الإنسان؟"

لم يتبدل شيء من الهواجس العربية، بعد الإتفاق الإطار، ولكن ما ثبت حتى اليوم أن شعار "الموت لأميركا"، أو اعتبار أميركا "الشيطان الأكبر" كان شعاراً استهلاكياً.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate