ما لم يعاد النظر بسياسة العولمة الإقتصادية ستبقى سواحل أوروبا ملاذاً لمهجري بلدان الجنوب

العميد م. ناجي ملاعب
أصبح البحر الأبيض المتوسط في السنوات الأخيرة الطريق الأكثر خطورة بين الطرق البحرية الرئيسية التي يستخدمها اللاجئون والمهاجرون في العالم.[*] والطرق الأخرى هي طريق جزر البهاماس والبحر الكاريبي والبحر الأحمر وخليج عدن وخليج البنغال.
في أسوا كارثة شهدها المتوسط الشهر الماضي قتل حوالي 800 شخص غرقاً، من بينهم أطفالا تتراوح أعمارهم بين عشرة أعوام و12 عاما، ومعظمهم جاء من سوريا والصومال وإريتريا، وتوقعت المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة في 23/4/2015 أن نصف مليون مهاجر قد يحاولون في العام الجاري عبور البحر المتوسط، ما يهدد بمقتل الآلاف إن لم يتم التحرك لوقف منظمي هذا الاتجار بالبشر. وأحصت المنظمة عبور أكثر من 170 ألف لاجئ المتوسط باتجاه أوروبا في عام 2014، قُتل منهم 3000. ومنذ مطلع العام الحالي قتل حوالي 1750 مهاجرًا.

وكانت إيطاليا – موطئ القدم الأولى للمهاجرين – أوقفت العام الماضي مهمة إنقاذ بحرية أنقذت أرواح أكثر من مئة ألف مهاجر، لأن الدول الأخرى في الاتحاد الأوروبي رفضت تمويلها. وحلت مكان المهمة بعثة أصغر ركزت على أعمال الدورية على حدود دول الاتحاد بعد أن اعتبرت بعض الدول إن إنقاذ المهاجرين يشجع المزيد على القيام بالرحلة.

وتشير الإحصائيات إلى أن معدل الذين يقطعون البحر يوميا 293 شخصا، ومعدل من يلقى حتفه منهم 14. وتُضخّم وزارة الداخلية الإيطالية، التقديرات بتوقّع وصول خمسة آلاف مهاجر أسبوعيا إلى سواحلها من موانئ شمال إفريقيا خلال الشهور الخمسة المقبلة، وتتوقع تزايد العدد في الربيع والصيف بسبب تحسن الأحوال الجوية، لا سيما إذا ازداد الوضع سوءا بسبب تنامي الفوضى وغياب القانون في ليبيا التي ينطلق منها معظم المهاجرين.

ونشرت صحيفة الفايننشال تايمز تقريرا تتحدث فيه عن الخطة المرتقبة لدول الاتحاد الأوروبي لمعالجة أزمة قوارب المهاجرين. وتقول الصحيفة إن دول الاتحاد تركت جانبا سياسة "القوة الناعمة"، وأرسلت سفنها الحربية لملاحقة القراصنة الصوماليين في البحر ولتدمير قواربهم، حتى في الأراضي الصومالية، ولكنها اليوم تقف مترددة أمام أزمة المهاجرين التي راح ضحيتها مئات الأشخاص، لأنها غير متأكدة من فعالية العملية العسكرية ضد شبكات التهريب في ليبي، كما أن التدخل العسكري يتطلب تفويضا من السلطات الليبية أو من الأمم المتحدة، وهو أمر ليس بالهين الحصول عليه.

ونشرت صحيفة الإندبندنت تقريرا تقول فيه إن المحققين الإيطاليين سجلوا مكالمات بين مهربين من إثيوبيا وأريتريا يعتقد أنهم مسؤولون عن إرسال عشرات الآلاف من المهاجرين إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط. وذكرت الصحيفة أن شخصا من إثيوبيا، يُدعى إرمياس غيرماي، مسؤول عن هلاك آلاف المهاجرين خلال الأعوام القليلة الماضية. ويعيش غيرماي في العاصمة الليبية طرابلس، وهو مطلوب لدى الشرطة الإيطالية لصلته بغرق 336 مهاجرا قرب جزيرة لامبيدوسا في عام 2013. وذكرت مهربا آخر من اريتريا، يُدعى ميريد ميضاني ويبلغ من العمر 34 عاما ويشتهر بلقب "الجنرال". ويُعتقد أن ميضاني جمع نحو 100 مليون يورو خلال العامين الماضيين. وجاء في التقرير أن ميضاني، يُعتقد أنه يحظى بحماية مسؤولين ليبيين.

وتحذر ديلي تلغراف، من جهتها، من الإنصات إلى المنظمات الداعية إلى فتح الباب أمام جميع المهاجرين نحو أوروبا لأسباب إنسانية. وترى الصحيفة أن هذا التصرف على ما فيه من روح تضامنية يشجع المزيد من المهاجرين على القيام بهذه الرحلة. وتدعو الصحيفة قادة دول الاتحاد الأوروبي إلى "تدمير البواخر المحتجزة ومحاصرة الموانئ التي ينطلقون منها".

خطة القادة الاوروبيين في قمتهم الأخيرة لمعالجة الموضوع تضمنت اجراءات تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء ضد شبكات المهربين من خلال قنوات الشرطة الأوروبية "الإنتربول". وزيادة ميزانية عملية "تريتون" البحرية، بمقدار ثلاثة أضعاف، وذلك بتخصيص وسائل لإجراء "عمليات في البحر المتوسط"، بما فيها سفن حربية ومدنية ومروحيات وغيرها من المعدات.

وأشار رئيس الحكومة البريطانية الى المساهمة بتقديم ثلاث سفن وعددا من المروحيات، موضحاً أن المهاجرين الذين سيتم إنقاذهم بواسطة السفن والمروحيات البريطانية "سيتم نقلهم إلى أقرب بلد آمن، والأرجح أنه إيطاليا، وأنهم لن يتمكنوا من طلب اللجوء في المملكة المتحدة فورا".

من جانبه، أعلن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند أن بلاده ستطرح على مجلس الأمن الدولي مشروع قرار بقضي بتدمير السفن التابعة لمهربي المهاجرين غير الشرعيين.
ويبدو أن اجتماع قادة أوروبا ليناقشوا وضع الفارين إليها من قارة تلتهمها الصراعات لم ينظر الى الجانب الإنساني، فجُلَّ ما توصلوا إليه استضافة "خمسة آلاف شخص على الاقل" من الذين سبق وان حصلوا على صفة لاجئ في الدول المضيفة خارج الاتحاد الاوروبي. وهذا البرنامج مخصص بالدرجة الاولى للاجئين السوريين بهدف ثنيهم عن محاولة عبور المتوسط، "ستتحمل" فرنسا بين 500 الى 700 لاجئ سوري منهم، وفق اعلان الرئيس الفرنسي.

لم تعالج هذه الظاهرة في تدفق أهل الجنوب الى سواحل بلدان الشمال، ويبدو أنها في تصاعد مستمر، رغم الإسهامات الإتحاد الأوروبي في البرامج الإنمائية والإجتماعية والتربوية لبلدان القارة السمراء ولمعظم دول العالم الثالث، فقوارب الموت وجثث الطافين، لم تمنع توافد المزيد من القوارب والفارين من تكرار المحاولة، ببساطة لأن دافع الحياة أقوى، ولأن الأمل في نصف حياة أفضل من موت محقق. هذه هي المرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية التي يتشرد فيها أكثر من 50 مليون لاجئ في العالم دفعة واحدة، والحل الجذري يبدأ باعادة البحث في سياسة العولمة الإقتصادية التي تلقي بوحشيتها على العلم كله.
 

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate