القوة العربية المشتركة وتجربة “درع الجزيرة”

 العميد م. ناجي ملاعب  

من قبيل المساهمة في الجهد العربي القويم الذي يبذله قادة الأركان العرب في وضع الأسس[*] الصلبة لقيام القوة العربية المشتركة، والتي تتوالى الخطوات العملية لتحقيقها منذ أقرت في مؤتمر القمة العربي الأخير في شرم الشيخ، نطرح للنقاش من على منبر "الأمن والدفاع العربي" جدوى وفاعلية قيام قوة عربية مشتركة دائمة أو ظرفية. ونعرض لمقاربة الموضوع لعمل دفاعي مشترك في الخليج العربي بحيث ترتبط دول مجلس التعاون الخليجي بعصبة أمنية عسكرية تحت مسمى "درع الجزيرة". أين أصبحت تلك التجربة وماذا يمكن الإستفادة من مسيرتها، من دون الخوض في المراحل التاسيسية منذ ثمانينات القرن الماضي.

لقد حدّدت اتفاقية الدفاع المشترك بين دول مجلس التعاون كافة الأعمال الأمنية والدفاعية، وأتاحت للدول الأعضاء الدفاع عن الوحدة والسلامة والاستقرار لشعوب الخليج ولكّل دولة على حدة، وخاصّة خلال الأزمات.

بعد الاجتياح العراقي للكويت. قامت المملكة العربية السعودية بتكرار دعواتها لزيادة التعاون الداخلي للدول الأعضاء في درع الجزيرة كما دعمت اقتراح السلطان قابوس بزيادة أعداد قوات درع الجزيرة إلى مائة الف جندي إلا أن مع هزيمة القوات العراقية في نهاية فبراير 1991 تقلصت الأصوات الداعية إلى زيادة قوة درع الجزيرة ضمن الأعضاء كما انتهى مشروع زيادة قوات درع الجزيرة في ديسمبر 1991 بضغط سعودي.

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2006. بحث "مجلس الدفاع المشترك في دول مجلس التعاون الخليجي" اقتراح سعودي لتوسيع قدرات الدرع وإنشاء نظام مشترك للقيادة والسيطرة. وكانت قوة درع الجزيرة في عام 2006 تقدر بحوالي 7000 فرد، وفي عام 2010 تجاوزت القوة عتبة الثلاثين ألف عسكري من ضباط وجنود بينهم نحو 21 ألف مقاتل.

 وكان المجلس الأعلى لدول مجلس التعاون قد وافق في 11 كانون الأول/ ديسمبر 2013 على إنشاء القيادة العسكرية الموحدة، وكلف مجلس الدفاع المشترك باتخاذ ما يلزم من إجراءات للبدء في تفعيلها، وذلك في إطار استكمال الخطوات والجهود الهادفة إلى تعزيز أمن واستقرار دول المجلس، وبناء منظومة دفاعية مشتركة لتحقيق الأمن الجماعي.

كما دخلت قوات "درع الجزيرة" في مرحلة الجاهزية عبر تدريبات سنوية أقيمت على فترات مختلفة خلال العام الماضي والعام الحالي في كلّ من الكويت وسلطنة عمان والسعودية، وذلك وفقا لما تمتلكه تلك الدول من تطوّرات على صعيد أجنحة الدفاع والقوّة العسكريّة بقطاعاتها البريّة والبحريّة والجويّة. ومن المقرّر أن يبلغ عدد جنود قوّات “درع الجزيرة” ما يفوق ثمانية آلاف جندي، بما يعكس حرص دول المنطقة على التحسّب لأيّة مخاطر قد تهدّد أراضيها، فضلا عن رغبتها في تأسيس قوّات “ناتو” خليجية تقيها من المخاطر والتهديدات المتزايدة في المنطقة.

وسيتم تعزيز درع الجزيرة أيضا بتشكيلات رمزية من القوّات البحرية من الأسطولين السعودي والعماني، بهدف تأسيس نواة تشكيل بحري مسلّح خلال السنوات القادمة لمراقبة التحركات الإيرانية مقابل سواحل الخليج العربي. وتعمل قوّة "درع الجزيرة" على تأسيس مركزها لتشكيل وحدة الطيران العمودي الخليجي في قاعدة الملك خالد العسكرية شمال المملكة العربية السعودية، وذلك بعد عامين من تأسيس مركز التنسيق البحري المشترك في مملكة البحرين، وتندرج تلك الخطوات ضمن استراتيجية تطوير القوّة الخليجية التي تمّ إقرارها منذ أكثر من عامين"، مشيرة إلى أنّ قوات درع الجزيرة تخطّط لتأسيس مقرّ لها في الكويت، بعد أن تمّ افتتاح مقرّ متقدّم نهاية العام 2013 في المنامة. فيما جرى في العام ذاته، تأسيس مدينة عسكرية مصغّرة، على الحدود السعودية الكويتية، بمدينة حفر الباطن، للقوّة التي تتخذ من السعودية مقرّا مركزيّا لها. ويعتبر لواء “الملك فهد العشرون” السعودي، اللواء الأساس الداعم لقوّات “درع الجزيرة”. وعادة ما تُعهد قيادة هذه القوّة إلى قائد اللواء السعودي العشرين، وذلك وفق ما تمّ الاتفاق عليه منذ 1982 عند تأسيس تلك القوّات.

تتألف قوات درع الجزيرة من فرقة مشاة آلية بكامل إسنادها وهي (المشاة والمدرعات والمدفعية وعناصر الدعم القتالي) وتتألف القوة التأسيسة من لواء مشاة يقدر بحوالي 5 آلاف جندي من عناصر دول مجلس التعاون الست (السعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين وعمان). أغلب جنود القوة هم من السعودية مع أعداد أصغر من باقي الدول.

تشكل قوات درع الجزيرة قيمة استراتيجية محدودة من الناحية الأمنية، وبهذه القوة المحدودة فإن القدرة القتالية لقوات درع الجزيرة تؤهلها فقط لخوض حرب دفاعية، فهي غير قابلة للتصدى لأي عدوان واسع النطاق. وهذا ما جعل الدول الخليجية تتخوف من الاعتماد عليها في مهمة صعبة كمهمة العملية البرية في اليمن. 

وكانت تجربة التدخل في الكويت مثالاً واضحاً على ذلك؛ فقبيل الغزو العراقي للكويت في 2 آب/ أغسطس سنة 1990، كانت قوات درع الجزيرة المتواجدة في حفر الباطن تتألف من لواء سعودي ولواء مشترك من باقي قوات دول مجلس التعاون الخليجي، ولم تقم تلك القوات بأي رد عسكري على الاجتياح، ما أظهر رمزية قوات درع الجزيرة في حماية أحد أعضائها من عدوان مباشر.

وجدير بالذكر أنّ درع الجزيرة كانت قد استعدّت للتدخّل السريع في الكويت عام 2003 أثناء الحرب على العراق للقيام بدور الحماية والدفاع لصدّ أيّ عدوان محتمل. وجاء تدخّلها الثاني عام 2011 في البحرين، حين اشتدّت أحداث الشغب لمحاولة الإضرار بالسلم الاجتماعي في البحرين والمنطقة.

في منطقة متجانسة ومتكاتفة، في مجلس واحد يتطور باتجاه منظومة أمنية واقتصادية، ولديه وحدة أهداف وخصومة، وقادر على التجهيز والتحضير لقواه العسكرية الدفاعية، نرى أن انشاء قوة مشتركة لم يفلح في تحقيق الأهداف التي وضعها قادة دول مجلس التعاون منذ التأسيس. وما زال هدفا القوة غير قابلين للتنفيذ، فالبعض من داخل المجلس يرى ضرورة تجنب التدخل في الأمور الداخلية لأي بلد عضو، والجميع يرون ان صد عدوان خارجي يلزمه دائما قوى أكبر وأكثر تجانساً وتسليحاً. وعلى ضوء ذلك أنشأت دول الخليج تحالفاً ظرفياً لحسم الوضع المستجد في اليمن بعد الإنقلاب الحوثي، ومن خارج "قوات درع الجزيرة رغم وحدة الهدف الساسي لدول المجلس بالتعاون مع مصر والأردن.

هل يعني هذا ان انشاء قوة عربية مشتركة لحالة خاصة ومهمة محددة يحقق التدخل الظرفي الناجح أكثر من وجود قوة جامدة زماناً وعديداً وعتاداً وقيادة للتدخل في كافة أرجاء العالم العربي المتعدد المشاكل؟ 

 

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate