قوات الحشد الشعبي ومثيلاتها مشكلة أم حل

 العميد م. ناجي ملاعب
منذ الدخول الأميركي الى العراق في العام 2003 انهارت السلطة العسكرية المركزية بقرار من الحاكم الأميركي بريمر. وعندما عظمت المقاومة ضد[*] الإحتلال أنشأت القيادة الأميركية "قوات الصحوة" واستخدمتها ضد المنتفظين على سلطتها. كما لجأت العديد من حكومات الدول العربية بعد ثورات الربيع العربي إلى تشكيل أو تبني الميليشيات المحلية لمساعدتها في الدفاع عن أنظمتها، فبرزت في العراق ميليشيات شيعية انضوت معظمها في شكل "حشد شعبي" ممول من الحكومة. ورأينا في سوريا "قوات الدفاع الوطني" من ابناء المدن والقرى الواقعة ضمن سيطرة النظام، بمساندة من قوات حزب الله اللبناني وميليشيات عراقية.

 صحيح أن هذه الميليشيات الموالية للحكومات يمكن أن تؤدّي أدواراً أمنية مهمة، فهي تتيح للأنظمة تنصّلاً مقبولاً وحصانة في وجه التنديد الدولي بانتهاكات حقوق الإنسان، لكن من مخاطرانتشارها ضعضعة احتكار الدولة لاستخدام القوة. فهي قد ترفض الانصياع إلى الأوامر، أو قد تنقلب على رعاتها المحليين أو الدوليين. وحتى لو كانت وفيّة فهي بالإجمال تتمتّع بمقدرة عسكرية ومصداقية محدودتَين وتفتقر الى المهنية وإلى التدريب المتقدم والمعدّات الضرورية لمواجهة أعداء أقوى.

وما يحصل في الأنبار العراقية،مؤخراً، مثير للجدل؛ فالولايات المتحدة تشترط أن تكون قوات الحشد الشعبي تحت إمرة وزارة الدفاع العراقية، كشرطٍ مسبقٍ للإستفادة من الدعم الجوي لقوى التحالف، ما يعني أن هذا "الجيش الرديف" لا يأتمر بأمر السلطة المركزية. يقول تقرير حديث لمركز كارنيغي لأبحاث السلام الدولي عن هذا الوضع  "أن قوات الحشد الشعبي أفضل تسلّحاً إلى حد كبير من القوات العسكرية والقبلية. لقد عرقلت الحكومة الاتحادية العراقية – لاسيما وزارة الدفاع التي تشرف على قوات الحشد الشعبي، إذ إن الولايات المتحدة تشترط أن تكون قوات الحشد تحت إمرة وزارة الدفاع العراقية، كشرطٍ مسبقٍ لمشاركة طيران التحالف في معارك الأنبار – تسليح العشائر السنّية وتمويلها، بزعم أنها تعيد بيع الأسلحة إلى الدولة الإسلامية. تجد الأسلحة التي تقدّمها الولايات المتحدة للحكومة العراقية طريقها بشكلٍ سلس إلى الميليشيات الشيعية بدلاً من توزيعها بشكل مناسب على جميع الأطراف.

لم نألف قبل اليوم في التعابير العسكرية ولا الأمنية من مثال: "قوات الحشد الشعبي"، ومن قبلها "قوات الدفاع الوطني"، ومن قبلها "قوات الصحوة"، وما بدأ تدواله مرادفاً من "قوات العشائر" وخطورة  تأطيره – كمثال حديث – على شاكلة قوات القبائل السنية "قوات الحرس الوطني". قد نفهم ان "البيشمركة" مثلت وتمثّل الأمن القومي للأكراد في العراق بتحضير وموافقة دولية تعود الى أيام حكم صدام حسين، وهي أصبحت جيش الكرد اليوم، ولكن ما لم نفهمه هو اقحام الناس في عمليات قتالية للدفاع عن أرضها، وزجها في أتون حروب قاسية. ولا تفسير لتلك الظاهرة سوى الاعتراف الواضح من الحكومات الضعيفة بالإستقالة من دورها.

ويندرج اليمن في هذا السياق، كذلك، بتحضير ودحرجة "انصار الله" من الحوثيين من أماكن استقرارهم في محافظة صعدة الى عمران فالعاصمة صنعاء وصولاً الى عدن وباقي المحافظات اليمنية، فيهاجمون الثكنات ويستولون على العتاد والسلاح وينقلبون على شرعية بناها مؤتمر الحوار الوطني بمبادرة من دول مجلس التعاون الخليجي وتحت الرعاية الدولية، فيتحملون ويحمّلون الشعب اليمني من الخسائر والضحايا والتدمير جرّاء القتال البري والهجمات الجوية ما لا يمكن تحمله.

من اين لهذا "الجيش البديل" (البدائي التدريب، الطائفي الإنتماء، القبلي الولاء) المال والسلاح والقدرات التي تعجز عن تأمينه الحكومات! ويا للصدفة كيف تبدأ المهام بالدفاع عن المقدسات، في سوريا مثلاً، لتنتهي بالدعوة الى "التواجد والقتال حيث ما يلزم" للدفاع عن نظام لم يقوَ أن يدافع عن نفسه طيلة أربع سنوات! لا بل إن الحشد الطائفي في رفد النظام والقتال الى جانبه في سوريا كما في العراق، وتحت راية تكفير الآخرين يتلقفه المناوؤن في الجهة المقابلة لتنظيم حشود اخرى وتحت الراية ذاتها، ويطوفون بأفكارهم "النيّرة" الى العواصم الكبرى طلباً للدعم لقتال أبناء جلدتهم.

نحن لسنا ذاهبون الى التقسيم فحسب، بل نحن من يصنعه بهكذا استعانة بالميليشيات والحشود والصحوات والحرس الوطني و.. واحياناً خلقها وتسليحها وتمويلها من أنظمة لإستخدامها بالدفاع عن السلطة على حساب الوطن والأمة. كل ذلك حتى لا نعترف بالحقوق المتساوية ولا نوحد قاعدة استراتيجية لجيش وطني جامع قوي حافظ للوحدة الوطنية والسلم الأهلي (وهذا ما يركز عليه قائد الجيش اللبناني دائماً).

ما وصلنا أو أوصلونا إليه من حال ليس سليماً، فدعونا لا نقرأ الواقع وفق تمنياتنا بل وفق ما هو عليه. فالإنقسام المذهبي المستحكم يقتضي منا حسن الإستفادة من هذه القوى الرديفة – بعد ان أصبحت قوى أمر واقع – وتوظيفها بما يترافق مع إصلاحات سياسية وتقاسم متوازن للسلطة، ولننظر الى تلك القوى كحل وليس كمشكلة بحيث يمكن للحشد الشعبي ومثيلاته أن يعزّز الترتيبات الاتحادية التي توفّر الحكم الذاتي المحلي، فيما تساعد على ضمان ولاء المقاتلين للدولة وتعزيز التماسك السياسي. لكن انتقال السلطة العسكرية وحده ليس بديلاً عن إقامة تسوية سياسية بين الحكومة المركزية وبين الأقليات الإثنية-الطائفية أو المناطقية كمرحلة لا بد منها على طريق اعادة بناء الجيوش التي يحق لها وحدها احتكار حق حمل السلاح والدفاع عن وطن يشعر جميع أبنائه بصدق الإنتماء.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate