الإعتراف بالنووي الإيراني يريح المنطقة اكثر من التسوية

العميد م. ناجي ملاعب
بتسوية أو من دونها، فإن التفاهم الإيراني – الأميركي ينمو سريعاً، وسط هذا المشهد، يبدو ان سياسة ترك الأطراف [*] تقلع شوكها بأيديها، التي تتبعها الإدارة الأميركية في المنطقة الإقليمية، ستبقى سائدة، ما يعني أن المنطقة مقبلة على مزيد من الفوضى والاضطراب. وأن تموضع دول المنطقة نتيجة التغيير الجذري الحاصل في العلاقات الأميركية الإيرانية وعدم رصد أية مواقف مرحّبة من الدول الإقليمية الفاعلة لا يبشر بمرحلة من الاستقرار والهدوء والثقة والتعاون بين تلك الدول.

ما اهتم له المفاوضون، من كل هواجس المنطقة هو توجيه رسائل التطمين الى اسرائيل، بحيث كلف وزير الخارجية الألماني شتاينماير باسم المفاوضين جميعاً – والتي يبدو ان ألمانيا مازالت تعاني من عقدة تاريخية تجاه اليهود – فقال " أنا متأكد من اننا سنقنع إسرائيل بعد أن تتكشف تفاصيل الاتفاق. إسرائيل تقول أن عدم عقد اتفاق أفضل من أي اتفاق. هذا رأي لا تشاطره القوى التي فاوضت هنا خلال الأيام والأسابيع والأشهر الماضية." وسيحضر وزير الدفاع الأميركي على عجل لتهدئة "قلقها" بكم هدية عسكرية "دفاعية".

وإيران التي كانت تمكنت من إنتاج الدورة الكاملة للوقود النووي في فترة سابقة – ومن المعلوم أن الانتقال من هذه النقطة إلى إنتاج السلاح النووي ليس بالأمر الصعب – كانت إيران على بعد أعوام قليلة من الوصول، كما يحلل الخبراء، إلى مبتغاها النووي ودخول نادي الكبار العالمي، لكن الإيرانيين على رغم هوَسهم ظاهرياً بالعظمة، فضَّلوا الدخول في اتفاق قد ينهي أحلامهم بالحصول على سلاح النووي.

ويجب الإعتراف بحذاقة الإنتليجنسيا الإيرانية في هذا الخيار؛ فالأسلحة النووية منذ وجودها في أكثر من دولة لم تعد أسلحة هجومية على الإطلاق، فقد أصبحت أسلحة ردع تحرض على السلام والتعقل لا الهجوم وشن الحروب.

فالدول التي امتلكت السلاح النووي ليست ولن تكون في حاجة لإستعماله، ولنا في حروب باكستان والهند المتكررة، التي لم تتحول يوماً إلى نووية، المثال على ذلك، لكن يظل هذا احتمالاً قائماً مهما كان ضئيلاً، وهذا الاحتمال الضعيف بالطبع مقلق.

والسؤال الإفتراضي ماذا لو شُرِّع لإيران تطوير قدراتها النووية العسكرية؛ وامتلاك إيران للقنبلة النووية، السيناريو الذي كان سيحدث، هو عدم حصول أي ضربات عسكرية، لأن القادر على هذه الضربات يملك أضعاف القدرات الإيرانية وبإمكانه تدمير إيران بكاملها خلال ساعة، لو خطر في بال نظامها مجرد خاطرة التلويح باستخدام السلاح النووي.

ومن المستبعد والمستحيل أن تتمكن إيران "النووية" من ابتزاز جيرانها بجرهم الى نادي السلاح النووي. من المستبعد أيضاً أن تسعى الدول الخليجية او تركيا جدياً إلى امتلاك سلاح نووي، لانعدام الحاجة إليه بوجود المظلة النووية الأميركية ولارتفاع كلفته البيئية عليها.

إيران متدرعة بالنووي أمر يجب ألا يكون مقلقاً لدول المنطقة البتة، فتبعات الدخول إلى النادي النووي وكلفة السلاح النووي ووسائل نقله وحمايته وتامينه وما يترتب من تجهيزات عسكرية ومدنية وبيئية على دولة باقتصاد ضعيف مثل إيران والحفاظ على هذا السلاح، ستسهم في جعل النظام الإيراني أقل جرأة في خوض مغامرات غير محسوبة، وستسهم أيضاً في زيادة الاستقرار في المنطقة. وستترتب بالتأكيد على امتلاك النووي مسؤوليات أكبر على النظام الإيراني، فالعالم سيأخذ إيران بجدية أكبر وستخضع لمحاسبة أكبر.

"المشكل في الاتفاق الأخير هو ببساطة، حدوث عكس هذا كله" والرأي للباحث السعودي هشام الغنام في جريدة الحياة في نيسان الماضي عند الإعلان عن قرب التوقيع على الاتفاق مع ايران: "ببساطة كان السلاح النووي سيكبِّل إيران، أما إذا وُقع الاتفاق كما هو مقرر له، فستطلق يد النظام الإيراني للعبث في المنطقة، فلا سلاح نووياً تخشى الدول الغربية أو إسرائيل استخدامه. استمرار العقوبات الدولية كان بسبب العزم الإيراني على إنتاج السلاح النووي، أما في حال حدوث اتفاق فالعقوبات سترفع واحدة تلو الأخرى، هذا سيقوي إيران ويبعث فيها الحياة على الأصعدة كافة.  فالنزاعات والصراعات بالسلاح التقليدي الدائرة في أماكن عدة في المنطقة، ويقف خلف معظمها النظام الإيراني، لا تهم الغرب كثيراً، وبالتأكيد لن تهتم لها إسرائيل المتحصنة بالنووي وغيره من أسلحة الدمار الشامل، من سيتضرر ويدفع ضريبة الاتفاق هو الدول العربية، وعلى رأسها دول الخليج العربي.

 

وفي رصد التصريحات التي صدرت عن كبار الدبلوماسيين المعنيين بهذا الملف وبالأخص المفاوضين منهم رأى شتاينماير أن المنطقة سوف تنعم بالمزيد من الأمن، قائلاً : " انه يوم تاريخي لأن المفاوضات التي استمرت اثني عشر عاما، انتهت بالتوقيع على هذا الاتفاق المسؤول والجيد الذي أرى أنه يزيد من درجة الأمن في الشرق الأوسط وجوار إيران."

أي "درجة من الامن هو حال الشرق الأوسط  وجوار ايران " الذي سوف يزداد في ظل السكوت العالمي على جرائم ومجازر ترتكبها القوى النظامية والقوى المعارضة، والذين يتحركون بدعم أوتمويل من حكومات المفاوضين إياهم الجالسين على الطاولة . لا نريد ان نظلم الألمان في اشارتنا لهذا الدعم، ونتوسم خيراً من تصريح وزير الخارجية، ولكن قد تكون المفاوضات الماراتونية الشاقة نجحت بوضع الأطر الكفيلة بوقف البرنامج العسكري للنووي الإيراني، أو أنها أخرت لعقد أو أكثر الأحلام الإيرانية!، وهذا بالتأكيد إنجاز ديبلوماسي مفرح ومفيد للإدارة الأميركية الحالية، وغير مزعج للصين التي لم تلتزم بتطبيق كامل للعقوبات الدولية على ايران بل كانت المتنفس الإقتصادي لها، ومن الواضح ان روسيا تحاول عبر التقرب من ايران ودعمها بأن تشكل وإياها تفاهمات بترولية واقتصادية في آسيا الوسطى وهي قيد البحث والتطوير.  كذلك هو إنجاز للإيرانيين ومفاوضيهم لكن هذا لم يعنِ – حتى اليوم – أخباراً سارةً لبقية دول المنطقة.

فهل كان الإعتراف بالبرنامج النووي الإيراني يريح المنطقة اكثر من التسوية!

 

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate