دلائل ومعايير نجاح التفاوض في الملف النووي الإيراني

 العميد م. ناجي ملاعب
توصّلت ايران والقوى العالمية 5+1 إلى اتفاق تاريخي حول الملف النووي الإيراني، وفق المعلومات الأولية الصادرة عن الوفد الإيراني[*] المفاوض، بعد مفاوضات دامت ما يربو على 21 شهرا وجولة نهائية استمرت اكثر من 17 يوما في فيينا، ما يعني نجاح الطريق الدبلوماسي في الغوص في مشارب الملف النووي الإيراني والوصول الى خواتيم مرضية في موضوع أثار وما زال يثير توتراً في العلاقات الدبلوماسية منذ 12عاماً.

الجميع رابح:

وخرج الجميع رابحاً من تلك العملية التفاوضية، فخرجت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشخص مديرها العام يوكيا أمانو لتعلن عن التوقيع على خارطة طريق مع إيران بهدف حل كل القضايا العالقة بشأن برنامج إيران النووي بحلول نهاية العام. وقال الرئيس الأميركي، باراك أوباما، في مؤتمر صحافي إنّ المجتمع الدولي يدعم الاتفاق، وإنّ الولايات المتحدة لن تتردد باستخدام القوة من أجل مصالحها في حال خرق بنود الاتفاق.

وستسمر المنشآت النووية في العمل بمقتضى الاتفاق، وفق ما أعلنت وكالة الانباء الايرانية.

هذا المجهود الدولي في التفاوض، والذي تنافست وسائل الإعلام على صياغة الأخبار عنه؛ لناحية عدد الجلسات وطولها، والمسافات المقطوعة في الرحلات بين فيينا وعواصم القرار العالمي، وصولاً الى الحياة اليومية لرؤساء الوفود، وأنواع الطعام المفضل لديهم، وزيارات الأطباء والمستشفيات لمن اضطر من المفاوضين، هذا المجهود الدولي لم يكن في معظمه تحت الطاولة ولم يحجب عن القوى الحليفة للمتفاوضين، حيث كان كل فريق قيد التشامر مع حلفائه ما بين الجلسات، وهو بجمعه كافة القوى العظمى لم يكن آحادي القرار، وبالتالي الجميع مشترك في القرار – شرقاً وغرباً – وكل المصالح على الطاولة وبالذات مع دولة اعُتبرت لزمن طويل ضمن "محور الشر العالمي" وهي لا تنفك تجاهر في مناسباتها الوطنية باطلاق عبارات قاسية بحق دول "الإستكبار العالمي" ( الملفت ان احياء يوم القدس العالمي الجمعة الماضي شهد ذات العبارة "الموت لأمريكا" في طهران).

هذا النجاح في التفاوض يعيدنا الى دراسة المعايير التفاوضية من جديد. فـ "الاتفاق الذي وقع في فيينا بعد مفاوضات طويلة يمهد الطرق امام مرحلة جديدة في العلاقات الدولية" كما قالت، فيدريكا موغيريني مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي. فيما اعتبر وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف ان ما حصل هو لحظة تاريخية" و"صفحة أمل جديدة لحل الازمات في العالم".

مفهوم التفاوض:

تهدف المفاوضات الي زيادة الفهم المشترك والتعاون بين الأطراف من اجل توسيع رقعة الاتفاق حتى تغطي العنصر او القضية موضع الخلاف. ومن جهة اخرى يجب أن ندرك أن كل طرف يسعى الى تعظيم منفعة ومصالحه الخاصة ولتحقيق ذلك قد يدخل في صراع مع الطرف الاخر حتى يتحول الاتفاق الى مصالحة. كذلك يجب ان يؤخذ في الاعتبار انه بغض النظر عن الوقت الذي يستغرقه اي طرف من الطرفين في اظهار صورة ملائكية عن نفسه. فان ذلك لا يقلل من كمية الصراع والتوتر والقلق النفسي والذي يفصل بين التعاون الذي يعد امراً اساسياً لنجاح عملية التفاوض. بل انه يمثل ما يمكن ان نطلق علية ديناميكية التفاوض.

ومفهوم التفاوض هو الحصول على أفضل نتيجة محتملة بين طرفين مختلفين بحيث يحصل الطرفان على أقصى حد مما يريدانه أو يتوقعان الحصول عليه. والتفاوض يهدف الى تضييق الخلاف بين اهداف طرفي التفاوض الى الدرجة التي يمكن القول بانها النتيجة المرضية بالنسبة للطرفين هي افضل من اتخاذ قرار من جانب كل طرف علي حدى او التصرف الفردي لاي من الطرفين او محاولة فرض حل من جانب احد الاطراف علي الطرف الاخر. مما يؤدي في النهاية الي حدوث صدام قد يؤدي الي نتائج لا تحمد عقباها لكل الطرفين.

أهمية هذا التفاوض:

 أنه أعاد الإعتبار الى السكة الدبلوماسية، لم يستثنِ أي من القوى العظمى في الإشترك والتدخل في كافة التفاصيل، أعطي الوقت الكافي للإحاطة بالموضوع حتى يصل الى نتائج مرضية، اعترف بحق ايران في التخصيب النووي السلمي، أبعد عن العالم – ولو مؤقتاً – شبح امتلاك سلاح نووي جديد في بلد يشكل عنصر قلق لجيرانه ولأبعد من جيرانه المباشرين، والنتيجة الأهم أنه احيا آمال الشعوب العربية للمطالبة الحثيثة بشرق أوسط خالي من السلاح النووي ما يضع العالم في مواجهة مع النووي الإسرائيلي بعد ان نجح في الحصول على التزام ايراني بوقف التخصيب العالي المستوى والذي كان مثار الشكوك الدولية.  

 

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate