عندما يكون الأمن ظهير الإستقرار.. ماذا بعد الخطط الأمنية

أجرت مجلة “الأمن العام” مقابلة مع رئيس تحرير موقع الأمن والدفاع العربي العميد (م) ناجي ملاعب نشرت في العدد 22 من المجلة[*] لشهر تموز/يوليو. وهذا ما جاء فيها:

كيف تنظر الى السياق العام لتنفيذ الخطط الامنية في عدد من المناطق اللبنانية[*]؟

عندما تتفاقم الحال الأمنية في منطقة ما ولم يعد بمقدور أجهزة انفاذ القانون التعامل مع الأخطار المحدقة تعمد الحكومة الى تكليف الجيش بعمليات حفظ الأمن والنظام، بموجب خطط أمنية محددة بمهلة زمنية. ولكن الأخطار التي بدأت تهدد وطننا، بعد انسحاب الجيش العربي السوري من لبنان في عام 2005، والعدوان الإسرائيلي في تموز 2006، ومنذ نشوء الأزمة السورية وتطوراتها العسكرية تطلبت من الجيش – بالإضافة الى المهام المولج بتنفيذها على الحدود الجنوبية بالتعاون مع قوات الطوارئ الدولية “اليونيفيل” – إحاطة أمنية للداخل بقوى فاعلة لرصد البؤر الإرهابية المحتملة منعاً للعبث بالأمن وحفاظاً على مسيرة السلم الأهلي.

هذا السياق العام هو المنطلق الأساس الذي رسمته الحكومة في خطط أمنية مدروسة، ينفذها الجيش وباقي القوى المسلحة، وقد أثبت جدواه بدليل بقاء لبنان في أمن واستقرار بالرغم من النيران التي تهب عليه من المحيط المشتعل. وينال في رأيي، موافقة ورضى جميع اللبنانيين.

اي غرض تحققه هذه الخطط على مستوى فرض الامن وتعزيز الاستقرار العام؟

الهدف الأول لتنفيذ خطة أمنية هو حصر الأخطار في بقعة محددة بحيث لا يتشظى أي تفاقم أمني على بقية ارجاء الوطن، ومن ثم يكمن النجاح في كيفية معالجة الأحداث والتعاطي معها. وقد اتبعت قيادة الجيش مبدأي العزم والحزم في التنفيذ. وتشكل خطة الضاحية الجنوبية ومن قبلها خطة طرابلس مثالين هامين في تعزيز الإستقرار وفرض الأمن.  

هل يفي الاتجاه العسكري والامني في تحقيق النتائج الكاملة أم ان الأمر يحتاج الى تكامل من نوع آخر؟

الأمن والإستقرار العام مسؤولية مشتركة ينخرط بها الجندي والشرطي والقاضي والمحافظ الى جانب المواطن، فالأمن حلقة من مراحل تحقيق العدالة والرفاه للمجتمع، ورجل الأمن في العملية الأمنية هو مساعد للمدعي العام في ارساء العدل وهو ينفذ تكاليف السلطة الإدارية، وينبغي اكتمال الحلقات الأخرى القضائية والإدارية في العملية الأمنية لتأمين قاعدة صلبة لإقتصاد قوي قوام الدولة الناجحة.

دائما يقال ان الامن والاستقرار في لبنان سياسي بالدرجة الاولى، كيف تترجم هذه المسألة على الصعيد العملاني؟

تياران سياسيان – بالإضافة الى العامل الإسرائيلي – مستحكمان في هذا الشرق، اليوم، ولبنان جزء منه. ويترجم الإصطفاف السياسي الداخلي بين فريقين الى عرقلة أو تردد في الموافقة السياسية على الخطط الأمنية، وهو ما يؤدي في كل مرة الى دفع الأثمان الغالية.
فالجيش لم يقصّر يوماً عن وضع القيادة السياسية للبلاد في متطلبات المرحلة، فعلى سبيل المثال:
لو اقرت خطة الجيش لتجهيز وتدريب الافواج الحدودية التي رفعت في العام 2010، لكانت تلال السلسلة الشرقية محصنة ومجهزة حياتياً ومتصلة ببعضها البعض بالطرق ووسائل التواصل والاتصال. ولو تأمن الغطاء السياسي لدخول الجيش الى عرسال للقبض على قتلة الرائد الشهيد بيار بشعلاني ورفيقه، في حينه، لما حصل ما حصل في عرسال ولما كان أسر الجنود.
ولولا التدخلات السياسية المتمادية للحؤول دون توقيف المطلوبين في طرابلس لما اضطر الجيش للإنتشار بعد كل جولة من الجولات القتالية (18 جولة) لكسر شوكتهم وإخراجهم منها ولما كانت الكلفة عالية على المدينة وجيشها الحامي لها ولأهلها.

بالممارسة الا تعتقد ان اي خطة امنية تحتاج الى تقنيات متطورة حتى تكون نتائجها حاسمة نسبيا؟

ما يواجهه بلدنا اليوم ليس إرهاباً عادياً، فبالإضافة الى توافر وسائل الإتصال والتواصل وإمكانية الحصول على الأسلحة المتطورة أو الأسلحة المحظورة (جرثومية وكيميائية) – من السوق السوداء (أو من دول بصورة علنية) أو حتى تصنيعها في أماكن القتال (كما رأينا من وسائل تفخيخ وتصنيع المتفجرات في جرود القلمون) يحتم على القوى المسلحة وكل في اختصاصه التطلع الى امتلاك التقنيات المتطورة لمواجهة ما تعدّه التنظيمات الإرهابية. وتشكل الهبة السعودية بشقّيها الأول والثاني معيناً مميزاً تعمل قيادة الجيش وقيادات الأجهزة الأمنية على اعداد وتحضير صرفها بما يتلاءم مع متطلبات التقنيات الحديثة لتنفيذ الخطط الأمنية لمكافحة الإرهاب.

اي دور تلعبه الخطط الامنية من زاوية امكانية ان تشكل ظهيرا للدولة بمؤسساتها في مواجهة الارهاب؟

عندما تنصب الجهود باتجاه الإرهاب الجاثم على الحدود ينبغي أن يدعم الإستقرار الداخلي تلك الأهداف، فملاحقة المجرمين الفارين من وجه العدالة وضبط دخول وإقامة وعمل الأجانب ومداهمة الأماكن الخطرة بحثاً عن خلايا إرهابية، كل ذلك يساهم في تحقيق أمن قومي متكامل.

ومفهوم الأمن القومي، لأهميته، كان مؤخراً موضوع ندوة عقدها مركز البحوث والدراسات الإستراتيجية في الجيش اللبناني بالتعاون مع “منتدى التأثير المدني” – المنتدى الفاعل في مفاصل الإقتصاد اللبناني – ومصرف لبنان. لقد بين هذا المفهوم مدى الترابط بين الإقتصاد والأمن. فالإستقرار والأمان المنشود تحقيقهما من خلال الخطط الأمنية في سياق المحافظة على البنية التحتية الإنتاجية لتمكين الإقتصاد من مقومات الصمود، يمثلان بالفعل ظهيراً للدولة لتحفيز مؤسساتها في مواجهة الإرهاب.

اين تكمن الصعوبة الحقيقية في مواجهة هذا الخطر الذي يعصف بالمنطقة والعالم؟

إذا كان السياسيون اللبنانيون قد تلافوا الى حد بعيد نقل الصراع الى الداخل، حتى اليوم، فإن تمكين ودعم التنظيمات الإرهابية الناشئة في العراق وسوريا وغض الطرف الدولي في المقابل، كان أقوى من التوقعات. فالإرهاب يدق الباب من الحدود اللبنانية السورية ويستريح في خلايا نائمة في الداخل ما يبقي عين الأمن ساهرة وحذرة. وقد نجحت الإجراءات الإستباقية في تفكيك معظم الخلايا وجرى سد الثغرات بين عرسال وجرودها من قبل الجيش. ولكن الصعوبة الكبرى في مواجهة هذا الخطر تكمن في تهميش الحل السياسي في سوريا لصالح الحلول العسكرية العبثية التي لن تبقي لبنان بمنأى عنها كما حاولت وثيقة بعبدا ترسيخه. 

هل مستوى التهديد الارهابي كبير على لبنان، وهل ما هو آت اشد خطورة مما مضى؟

التهديد الإرهابي كبير على المنطقة كلها وليس على لبنان فقط، فإلى جانب خطر العدو الإسرائيلي المحتل والجاثم على حدودنا الجنوبية، هناك “أجندات” تركية وإيرانية اقليميا،ً وتخلي دولي مبرمج برزت ملامحه في رسم الهدف الذي تنفذه قوات التحالف الدولي ضد داعش تحت عنوان و”قف تقدم هذا التنظيم”، وليس القضاء عليه، وهو يتمدد ويتوسع على مرأى و”مواكبة” من هذا التحالف. ولم تعد القضية ضمن مصطلحات “الربيع العربي والحرية والكرامة والنضال في سبيل الديمقراطية و..” بل أصبح الإستقطاب اليوم بإسم الدين الإسلامي وتحقيق دولة الخلافة. ويجب علينا كخبراء تقدير الموقف بمزيد من الجدية؛ فأن ينضم الى داعش ثلاثون ألف مقاتل أجنبي – منهم مثلاً قائد شرطة في أحدى مدن كازاخستان – أمر جلل، وأن تتداول التقرير الإعلامية في كافة الدول الغربية تسمية داعش ISIL“الدولة الإسلامية في المشرق LEVAND وليس في العراق والشام ISIS  يعني أن ما يجري في ليبيا وفي سيناء من اعلان الولاءات لـ “الدولة الإسلامية” ليس من قبيل الصدفة. لذلك علينا التوقع أن ما هو آت على المنطقة، ومنها لبنان، أشد خطورة.

ماذا عن خطر العدو الاسرائيلي لجهة انه دائما يستغل الصراع للدخول على الخط لتأجيج المواجهة؟

  البصمة الإسرائيلية في كل ما يجري واضحة؛ ونحن على بيّنة من وجود غرفة عمليات عسكرية للعدو الإسرائيلي في أعالي مرتفعات الجولان المحتل تشرف على سير العمليات العسكرية وتراقبها عن كثب. وكما فعلت في الجنوب اللبناني عام 1975 بخلق ما أسمته “الجدار الطيب” على الحدود بهدف استقبال ومعالجة جرحى الأحداث آنذاك وتطورت “مساعدتها الإنسانية” الى احتلال معظم الجنوب، فهي تعيد الكرّة على الحدود السورية لجهة القنيطرة. وفي رأيي أن اسرائيل هي المستفيدة الأولى من هذا الصراع، بدءاً من حل الجيش العراقي وإنهاك الجيش العربي السوري، ويجب ألا ننسى ما يحصل حالياً من استهداف ممنهج للجيش المصري.

هل  ترى ان العدو الاسرائيلي قد يلجأ الى تحريك خلاياه النائمة من موساد وعملاء في ظل الواقع الراهن؟

أثبت اكتشاف العديد من شبكات عملاء الموساد في لبنان، وكذلك الأجهزة المزروعة بأشكال مموهة من قبل العدو الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية مدى اعتماده على الرصد والمتابعة. ويشهد عالم الإستخبار اليوم تقدماً هائلاً يصل الى درجة الحصول على معظم ما يتم تداوله في وسائل التواصل الإجتماعي ومن خلاله يصار الى دراسة تلك الإتصالات لرسم السياسات ما يغني عن التدخل المباشر أو حتى عن تحيك “الخلايا النائمة” كعملاء.

وما يغيب عن جعبة اسرائيل من المعلومات الاستخباراتية التي تتعلق بأمنها وسلامتها تحصل عليه من المصادر الأميركية بموجب معاهدة التعاون الإستراتيجي بين الولايات المتحدة واسرائيل ( وضعت المعاهدة في عام 1982 أثناء اجتياح لبنان) وهذا يعني ان ما تجمعه الأجهزة الالكترونية الأميركية الجديدة يصب في عقل صاحب القرار في اسرائيل أيضاً.

من موقعكم وتاريخكم العسكري، كيف ترى السبيل لمواجهة خطري الارهاب واسرائيل على المستوى اللبناني شعبيا ورسميا؟

في مواجهة العدو الإسرائيلي لا خلاف بين القادة اللبنانيين على اعتماد استراتيجية دفاعية شاملة ومستدامة، تقوم على احترام مبدأ وحدة الجهود المدنية والعسكرية، ومبدأ الشمولية في اشراك كل مؤسسات الدولة في الجهود الدفاعية (أي السلك الديبلوماسي والمؤسسات السياسية والاقتصادية وغيرها). والخلاف الوحيد هو في وضع قيادة وإمرة هذا الجهد في يد الدولة ممثلة بقواها العسكرية التي حصرت كل دساتير العالم حق استخدامها بقواها المسلحة. 

أما في مواجهة الإرهاب، فالموضوع لم يعد على مستوى فرقاء محليين يناصرون نظاماً أو معارضة في الداخل السوري القريب. فما يجري على حدود الوطن هو حرب مصيرية يقودها الجيش بالأصالة عن لبنان لا بل بالنيابة عن كل العالم الحر. إن اجماع مجلس الوزراء بتاريخ 4 أيار الفائت على اطلاق يد الجيش في تقدير الموقف والتصرف في مواجهة الإرهاب على الحدود اللبنانية السورية أمّن الغطاء السياسي للجيش وقيادته. والغطاء الشعبي موفور وفي أعلى درجاته ولكافة مهمات الجيش للدفاع عن الوطن.

أمامنا أيام صعبة تقتضي تظافر الجهود المدنية والعسكرية، لا سيما التنسيق بين الجيش والأجهزة الأمنية حتى تبقى قواتنا المسلحة محط آمال اللبنانيين في الدفاع عن الوطن، في زمن وصل فيه الخلاف بين المجموعات السياسية الى تعطيل المؤسسات بدءاً برأس الدولة وحتى المستويات الدنيا.  

 

نشرت بالتوازي مع مجلة “الامن العام” للعدد 22 تموز / يوليو 2015 بموضوع :”تحقيق” الصفحات 20 ،21، و22

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate