هل من سبيل لوقف التقدم العسكري لتنظيم داعش؟

العميد م. ناجي ملاعب
بينما قدرت مصادر أمنية أفغانية في آذار الماضي عدد المقاتلين الأجانب على أراضيها بحوالي 6500 مقاتل أجنبي، معظمهم يأتون من باكستان وأوزبكستان[*] المجاورتين. ذكر تقرير لمجلس الأمن الدولي، في أواخر ايار الماضي أن نحو 30 ألف مقاتل أجنبي مجندون حاليا في صفوف "تنظيم الدولة"، وقد جاءوا من 100 دولة حول العالم، من بينها دول كانت بمنأى عن نشاط الجماعات الإرهابية، مثل تشيلي وفنلندا وجزر الماليدف. ويعد هذا التقرير الأول من نوعه للأمم المتحدة، الذي يتطرق إلى قضية "المقاتلين الأجانب"، ويشمل دولا مثل أفغانستان وسوريا والعراق، بالإضافة إلى دول شمال إفريقيا مثل ليبيا.

توصلت "داعش" الى احتلال اراض واسعة في الرقة وعلى حوض الفرات وفي بادية الشام والانبار وسهل نينوى ووصلت الى وسط البادية متمركزة في مدينة تدمر باعتمادها تكتيكا قتالياً في عملياتها العسكرية، قوامه:

– الاعتماد على طابور خامس في المدن الكبرى، يمهد لهجوم قواتها بإثارة أجواء الفوضى. وهذا ما ساهم به النازحون في الرقة وشاركوا داعش في احتلالها خلال ساعات معدودة. وفي الموصل ايضا عندما رتبت "داعش" امر انهيار الجيش والشرطة وفرار عناصرهما قبل دخولها السريع الى المدينة.

– المفاجأة في اختيار الاهداف والهجوم عليها، فلم يكن متوقعاً اختيار داعش لمدينة تدمر في أيار الماضي هدفاً وهو الذي يبعد عن أقرب نقطة لها مئتي كيلومتر.

– السرعة في التحرك نحو الاهداف المحددة وتفادي المعارك في المناطق الجبلية او الوعرة التي تتطلب وقتا وجهدا لعبور موانعها الطبيعية، وتبقى تدمر مثالاً.

– العمليات الخاطفة باستخدام قوات كبيرة العدد ضد اهداف محدودة الامكانات وخصوصا القرى والبلدات الصغيرة. فلم يستغرق احتلال 185 قرية في ريف عين العرب أكثر من اسبوع.

– تنفيذ العمليات الانتحارية بشاحنات وسيارات وصهاريج محروقات وآليات عسكرية مفخخة بأطنان المتمفجرات، لتدمير المداخل والتحصينات كما حصل في مقر قيادة الفرقة 17 للجيش السوري في الرقة وفي مطار الطبقة العسكري، وكذلك في حربها مع المعارضة السورية من جيش حر ونصرة وآخرين.

– يؤمن التفجير القوي مفعول العصف والصدم والرعب ما يفتح الطريق أمام تقدم قوات "داعش" مباشرة وتحت تأثير الهول والمفاجأة اللذين يصيبان الوحدات المدافعة لتحتل الهدف.
– اعتماد اسلوب الهجوم الخاطف وارتكاب المجازر وتصويرها وتعميمها على مواقع التواصل الاجتماعي وتشجيع بثها في شاشات الفضائيات، وخصوصا قطع الرؤوس والاعدامات الجماعية والذبح وصولاً الى ابتكار وسائل من التوحش تثير الرهبة وتجعل من اسم "داعش" وحده رعبا حقيقيا يدفع القرى والمدن المعرضة لخطرها الى الفرار السريع. وما حصل مع عشائر الشعيطات في دير الزور وعشائر أبو نمر في العراق من مجازر يعطي المثال على تعمّد الأسلوب الهمجي الذي لم يتوقف، واستمر في اعتماد قلعة تدمر التاريخية مسرحاً لإعدام جنود الجيش السوري الخمس والعشرين على يد الأولاد الأحداث من التنظيم وتصوير هذا الفعل الشنيع وتعميمه.

– تحويل الأنظار عن العمليات الدفاعية عندما يتعرضون لهجوم بالقيام بفتح جبهة جديدة ومهاجمة قرى معزولة ومحاولة تحقيق نصر، ولو ضعيف، وتغطي بذلك انسحابها عند تعرضها للهزيمة.

– الكفاءة في ادارة مراكز قيادة وسيطرة متطورة تستطيع من خلالها ادارة العمليات الحربية بسهولة وليونة فهي تقاتل في كافة الجبهات بصورة تبدو فيها متحكمة بمجرى العمليات، وقد اثبت جهاز القيادة والسيطرة لـ"داعش" فاعليته في مسرح عمليات يمتد من عين العرب غربا الى اربيل وخانقين شرقا ومن سهل نينوى شمالا الى جرف الصخر جنوب بغداد جنوبا.

ولكن، رغم كل هذه المناورات على جبهات متعددة في وقت واحد وبكفاءة عالية، تكمن في هذا التكتيك الذي يعتمده تنظيم داعش نقطة ضعف هامة لم يستغلها اعداؤه بعد. فهو بسبب هذا الإنتشار لا يستطيع القيام بحرب استنزاف او حرب تقليدية، بل يلجأ الى الهجوم من اجل تحقيق اهدافه. وربما أن قدراته الإستقصائية التحليلية توصلت الى واقع تشتُّت ما يفترض أن يكونوا اعداءه من جيش سوري منهك أو حتى جيش عراقي مستقيل من دوره. فهذا التنظيم داعش لم يُختبر في صد هجوم جدي وحقيقي من أية قوة، فهو انسحب من حقل الشاعر شرق حمص بسرعة ولمرتين لانه شعر بجدية المهاجمين وتصميمهم. وهو تفاجأ في عين العرب من ارادة القتال عند وحدات حماية الشعب الكردي، بينما لم يلمس أية خطورة في الهجمات المتكررة على تكريت والفلوجة. وعوضا عن القتال الدفاعي فقد لجأ الى الهجوم على الرمادي كافضل وسيلة للدفاع.

تقوم قوات التحالف الدولي تحت القيادة الأميركية بطلعاتها الجوية وتعترف القيادة ان هذا لا يكفي لتنفيذ المهمات التي أنشئت من أجلها، ونعترف للرئيس أوباما بأنه مستعد لنصرة حلفاء لا للقتال مكانهم في الشرق الأوسط، فهل الأمور قاتمة الى درجة قد تدوم سنوات كما تبشرنا مراكز البحوث والتحليلات الدولية؟
الحالة ليست ميؤوسة مثلما يراها المحللون، لا بل ليس من الصعب وضع حد لتمدد هذا التنظيم الذي "مُكّن" وأصبح يمتلك قوام وقدرات جيش نظامي، ويعرف أن اعداءه ليسوا أكثر من ميليشيا. فعندما تعود الحال الى الوضع العسكري الصحيح وتوحد البندقية في العراق في الجيش العراقي وفي الجيش العراقي فقط، وفي سوريا (بعد الوصول الى حل سياسي يعيد الجيش الى وضعه القويم ويوقف نزفه) يتوقف لا بل تبدأ شوكة هذا التنظيم بالإنحسار والضمور. وقد تعطينا تجربة الجيش السوري في هجومه الحديث لإستعادة تدمر برهاناً على ما نعتقد.
 

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate