التحرك الروسي العسكري على الساحل السوري.. توافق دولي واقليمي

 العميد م. ناجي ملاعب
أكدت تقارير أميركية في منتصف أيلول/سبتمبر أن روسيا وضعت سبع دبابات من طراز «تي – 90» ومدفعية في مطار حميميم، ونشرت أيضاً 200 من مشاة البحرية الروسية في المطار، مع وحدات إسكان مؤقتة، ومحطة مراقبة جوية متنقلة، ومكونات لمنظومة الدفاع الجوي. كما قال مسؤولان أميركيان إن روسيا بدأت مهمات مراقبة جوية فوق الأجواء السورية ، فيما يعد أول عمليات عسكرية روسية مباشرة.

وفي تأكيد لمباشرة مهام عسكرية، أوضح العميد أحمد رحال، ابن مدينة اللاذقية المنشق عن النظام السوري، في حديث إلى "الشرق الأوسط" أن أبرز المهام الروسية الحالية في سوريا هي "تطوير القواعد البحرية في جبلة وطرطوس"، وتحدث عن وجود 6 طائرات ميغ 31 في مطار المزة و4 طائرات روسية حربية في مطار حميميم (واسمه الرسمي مطار[*] «الباسل» ويقع جنوبي اللاذقية قرب مدينة جبلة). وقال: "كما تم وضع اليد على نادي الفروسية في حماه الذي حوله الروس إلى معسكر للقوات الروسية".
وأشار رحال إلى أنّه "تم بالفعل استخدام الطيران الروسي الحديث بالعمليات الجوية العسكرية داخل سوريا"، لافتاً إلى أنّه "وفي الضربات الأخيرة التي استهدفت مدينة دوما، كان يجري اعتماد على طيران استطلاع من دون طيار يُحدد مواقع الأهداف، على أن يخرج بعدها الطيران القاذف خلال 10 دقائق لقصفها، وهي استراتيجية جديدة ونوعية حديثة من الأسلحة لم يكن النظام يستخدمها من قبل… ويجري أخيراً أيضاً استخدام صواريخ وقنابل نوعية تؤدي لدمار أوسع".

وفي أول احتكاك مع المعارضة السورية كان ملفتاً ما أعلنه "جيش الإسلام" في القطاع الشمالي عن استهدافه طائرة شحن روسية في مطار حميميم، متحدثاً في بيان على موقعه الرسمي على شبكة الإنترنت عن قصف كل من المطار والميناء الحربي في اللاذقية بصواريخ من طراز «غراد» عيار 40 بعيدة المدى. وأضاف البيان: «تم التأكد من تحقيق إصابات مباشرة في كلا الهدفين، كما أكد إصابة «طائرة شحن روسية محملة بدبابات حديثة في مطار حميميم.

وكانت موسكو استبقت خطواتها العسكرية بتنسيق مباشر مع طهران التي أوفدت اللواء قاسم سليماني المندوب العسكري لمرشد الثورة الإسلامية بعد مشاورات، تهدف إلى الاتفاق على بناء تحالف يشمل آليات تنفيذية للتعاون السياسي والاستخباراتي والعسكري الميداني في مناطق عدة من الشرق الأوسط، أطرافه دول روسيا وإيران وسوريا والعراق، أما الطرف الخامس – وفقاً لجريدة الأخبار اللبنانية –  فهو حزب الله اللبناني.

عملياً، حسم الروس موقفهم من المسائل العالقة بصورة قاطعة هذه المرة، وبادروا إلى التفاهم مع إيران، وغير بعيد من التوافق الإقليمي. ولاحقاً، باشرت موسكو خطوات عملية نوعية، بحيث عززت منظومة الاستخبارات العسكرية التقنية في المنطقة برمتها. وأرسلت أكثر من ألف ضابط وجندي روسي ليعملوا مع مئات آخرين موجودين في سوريا أصلاً، وجهّزت قواعد جوية في مناطق الساحل.

لا يخفي الروس اهتمامهم الخاص بمناطق شمال اللاذقية، حيث الانتشار الكثيف للمسلحين الشيشان، أو الآتين من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، وتمركز الجنود الروس في عدة نقاط في منطقة اللاذقية.

قبل أيام – ودائماً وفق جريدة الأخبار – جال ضباط روس على عدد من المواقع في منطقة سهل الغاب في حماه، وأجروا استطلاعاً ميدانياً برفقة ضباط من الجيش السوري ومن حزب الله. كذلك في محيط إدلب، وفي سلسلة جبال الساحل المشرفة على منطقة اللاذقية. ويتضح أن القوة الروسية تشتمل على مختلف الاختصاصات، من سلاح جو، إلى وحدات متخصصة في أعمال القنص، وضباط المدفعية، إلى جانب فرق الاستطلاع والرصد.

الموقف الأميركي من التحركات الروسية

"نحن في مرحلة مبكرة لتفسير أسباب التحركات الروسية وهناك قنوات كثيرة للاتصال معهم وسنبقي يقظين لأننا نستخدم المجال الجوي السوري في ضربات جوية أميركية ضد "داعش" وسنحاول تجنب أي صدامات أو اشتباكات محتملة".

هذا التصريح للجنرال لويد أوستن قائد القيادة المركزية الأميركية في الحرب على "داعش"، في جلسة أمام لجنة الشؤون العسكرية بمجلس الشيوخ، في إجابة حول التحركات الروسية في سوريا. مضيفاً "نشهد زيادة في بناء الإمكانات الروسية داخل سوريا ونحاول معرفة نياتهم، وهم يقولون إنهم يريدون مكافحة (داعش) لكننا لا نعرف على وجه الدقة نياتهم".

وتقود الولايات المتحدة تحالفاً يشن ضربات جوية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، بينما تزود روسيا نظام الرئيس السوري بشار الأسد بالدعم العسكري وتقوم بالحشد العسكري في سوريا ما أثار قلق واشنطن. وانقطعت الاتصالات العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي من جهة وموسكو من جهة أخرى في نيسان/ابريل 2014 احتجاجاً على تدخل روسيا في أوكرانيا.

ويبدو أن الخطوة تمت ضمن توافق أميركي روسي تم في مشاورات مباشرة بين وزيري الدفاع الأميركي والروسي الأسبوع الماضي في هذا الشأن في أول اتصال مباشر بينهما منذ تولي آشتون كارتر حقيبة الدفاع الأميركية. وتم التوافق على مواصلة هذه المباحثات لتجنب خطر أي حادث بين القوات الروسية ومقاتلات التحالف الدولي بقيادة واشنطن التي تستهدف مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية بضربات جوية في سوريا.

القلق الإسرائيلي

وكتب البروفيسور الإسرائيلي إيال زيسر، المتخصص في الشأن السوري في "إسرائيل اليوم"، أن "روسيا، وللمفارقة، في ضوء الضعف الأميركي، تتحول إلى لاعب مهم يستطيع الربط بين الأطراف، الأمر الذي كانت واشنطن فقط تستطيع عمله في السابق. وتابع زيسر "علاقة موسكو الجيدة مع القدس وطهران ودمشق، ومؤخراً مع الرياض والقاهرة، تمنحها الفرصة لأن تلعب دوراً ايجابياً كوسيط يضمن الاستقرار والهدوء. مطلوب من نتنياهو تفسير كل ذلك لبوتين". وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي توجه الى موسكو للوقوف على مدى التحركات الروسية على ساحل المتوسط وفي الأجواء السورية، وطائراته العسكرية ليست بعيدة عن تلك الأجواء، وحاول تسويق تعاون معلوماتي مع الروس طالباً في المقابل تعاوناً مماثلاً في مراقبة شحنات محتملة من الأسلحة الصاروخية الى حزب الله ومراقبة التحركات "المريبة" على حدود اسرائيل الشمالية.

الموقف السوري

وزير الخارجية السوري وليد المعلم أعلن "أن سوريا قد تطلب من روسيا إرسال قوات للقتال إلى جانب الجيش السوري إذا ما دعت الحاجة". ومنذ بداية الصراع كانت روسيا تقدم الدعم المستمر لسوريا، بحسب ما قال الوزير. وأقر المعلم أن موقف روسيا الثابت كان له تأثير متزايد على مواقف الدول الأوروبية من الأزمة السورية.

هذا الدعم الروسي أكده الرئيس فلاديمير بوتين في قمة منظمة معاهدة الأمن الجماعي يوم الثلاثاء الفائت وقال "من الجليّ أنه من دون المشاركة الفاعلة مع السلطات السورية وقواتها العسكرية، ومن دون مشاركة الجيش السوري داخل المنطقة، بالتعبير العسكري، في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية فإنه لا يمكن دحر الإرهابيين من البلاد ومن المنطقة ككل، ولن يكون ممكنا حماية الشعب السوري متعدد القوميات والطوائف من الدمار والاستعباد والبربرية".

وبشكل خاص، دعا بوتين لإيجاد جبهة مشتركة للقتال ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» الإرهابي في سوريا. جيث قال "اليوم، يبدو من الأساسي توحيد جهود الحكومة السورية، الميليشيات الكردية، المعارضة المعتدلة ودول أخرى في المنطقة في القتال ضد الخطر المحدق بالدولة السورية ضد الإرهاب". 

وقال الرئيس الروسي، في دوشنبه، العاصمة الطاجيكية، ضمن قمة منظمة معاهدة الأمن الجماعي: "يجب علينا تنحية الطموحات الجيو سياسية والتخلي عما يسمى المعايير المزدوجة وسياسة استخدام جماعات إرهابية بشكل مباشر أو غير مباشر لتحقيق أهداف خاصة، من ضمنها تغيير الحكومات والأنظمة في التي لا يرغب فيها أحد ما".

ووصف الرئيس بوتين الوضع الحالي في سوريا والعراق ومنطقة الشرق الأوسط ككل بالـ"خطيرة جدا"، منوهاً بأن ميليشيات تنظيم «الدولة الإسلامية» سيطرت على مناطق واسعة هناك وتتقدم في مناطق أخرى. وقال "يصرح الإرهابيون بشكل علني أنهم يوجهون أنظارهم إلى مكة، المدينة والقدس. إنهم يخططون لتوسيع نشاطاتهم إلى أوروبا، روسيا، آسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا.

وأعرب الرئيس عن قلقه من حقيقة أن «الدولة الإسلامية» مستمرة في تدريب وتعليم المقاتلين إيديولوجيا من دول مختلفة من العالم "من ضمنها، للأسف، دول أوروبية وروسيا، والعديد من دول الاتحاد السوفياتي السابق". مضيفا أن "الحس العام الأولي ومسؤولية الأمن المحلي والاقليمي يتطلبان جهودا موحدة للمجتمع الدولي في مواجهة هذا التهديد".

لماذا الآن!
بعد نجاح المعارضة السورية الملتفة حول جبهة النصرة في السيطرة على محافظة إدلب والتقدم الى ريف اللاذقية، لمس الأميركيون، كما الروس، أن النجاحات الجديدة قد تقود إلى استسهال دعم وصول "داعش" إلى خط حمص – دمشق، وفتح الطريق أمام "النصرة" نحو الساحل السوري. وهي خطوة ستكون نتيجتها، لو نجحت، خسارة الغرب والجهات الداعمة للمعارضة السورية أي نفوذ أو قدرة على السيطرة على التنظيمات الإسلامية المتشددة. لكنها خطوة كانت ستحتم تدخلاً إيرانياً من نوع مختلف جذرياً، وهو ما كان يترافق مع إعلان حزب الله استعداده لإرسال قوات كبيرة إلى سوريا لمنع حصول ما يهدد النظام في دمشق.

هل كانت دول حوض المتوسط والدول العربية والأوروبية لتقبل بالتواجد العسكري الإيراني على شواطئه! من هنا كان الإقدام الروسي موفقاً ومتوافقاً عليه ولكن الى متى!  

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate