الثوابت السياديَّة الأمنيَّة لمنظومة الأمن القومي

 العميد م. ناجي ملاعب*
قد يبدو مفهوم "الأمن القومي في لبنان" مُلتبِساً في المضمون بالإستناد إلى سياقٍ تاريخي وجُغرافي في العالم العربيّ يربُطه[*] بالأمن العسكري حَصْراً، فالأمن العسكريّ تُعنى به القيادة العسكرية عملانياً ومن خلال استراتيجية وطنية متكاملة، "والأمن القومي" أبعد من أن يختصر بالبعد الأمني أو العسكري.

والأمن الوطني كمهام منوط تنفيذها بالقوى العسكرية ليس أمن الفرد أو المجتمع فقط، بل هو مجموعة من الخطط ترسمها أجهزة تنفيذ القانون وتتبناها الحكومة وتحدّد الأهداف الواجب تحقيقها بدقة ضمن مقترحات حلول شاملة، بعد أن يتم التعرّف إلى التهديدات الأمنية وبناء أولوياتها وتداعياتها المحتملة.

تبنى منظومة الأمن القومي على ثوابت أمنية اساسية، نعدد منها:

أولاً: إدراك التهديدات سواء الخارجية منها أو الداخلية.

ثانيًا: رسم إستراتيجية قريبة وبعيدة المدى لتنمية قوى الدولة والحاجة إلى استدامة روافد القوة فيها.

ثالثًا: توفير القدرة والمقومات على مواجهة التهديدات الخارجية والداخلية ببناء القوة المسلحة وقوة الشرطة القادرة على التصدي ومواجهة التهديدات.

رابعًا: إعداد سيناريوهات واتخاذ إجراءات لمواجهة التهديدات الدائمة والطرئة والمحتملة

 

اما الإشكاليَّات الأمنيَّة الدَّاخليَّة والخارجيَّة الواجب أن تُعالجها منظومة الأمن القومي. فهي:

– التهديدات الداخلية:

يأتي في خانة التهديد الأول: جهوزية وحضور القوة العسكرية؛ فإن كل ما يؤثر على قدرات القوة العسكرية ويضعفها، أو يعوق تأديتها لمهامها، كأن تقصر إمكانات الدولة المالية عن الوفاء بمطالب القوات المسلحة من الأسلحة والعتاد الحديث، أو قصور في خطط التعبئة، أو الهروب من تبني الخطط التي تقدمها الأجهزة المولجة برسم الإستراتيجيات، وعدم القدرة على الحشد والتعبئة في الزمان والمكان بالسرعة اللازمة يشكل تهديداً غير محمود العواقب. 

والوجه الثاني: وجود مصادر تهديد داخل القوات المسلحة نفسها، ناتجة عن تدخل السياسيين في شؤون القوات المسلحة، مهما كان هذا التدخل، والذي يجري بمعايير استنسابية تتلطى بحقوق الطوائف لتنفذ غايات ومآرب شخصية وحتى دون تحقيق أية منفعة للطائفة. كما وبنفس المسؤولية يشكل تدخّل القوات المسلحة في العمل السياسي التهديد الأخطر. 

ثالثاً: انعكاس الإنقسام السياسي على تماسك الوحدة الوطنية وإضعاف الإنتماء الوطني لصالح انتماءات أخرى داخل الوطن او خارجه، ما قد يتسبب بحدوث تمرد جزء من القوات المسلحة او عصيانها او انفصال جزء عن الكل، لتصبح هي المصدر الرئيسي للتهديد، إضافة إلى ضعفها نتيجة الصراع الداخلي، مما يجعلها غير قادرة على أداء مهامها الطبيعية. 

– التهديدات الخارجية:

في العلاقات بين الدول، يُعتبر السلم هو الوضع الطبيعي والحرب هو الإستثناء. إن تهديد أمن وحرية الدولة، بالقوة المسلحة، سواء باحتلالها، أو بالاستيلاء على الأهداف والمناطق الحيوية فيها، يشكل قيداً على القرار السياسي للدولة وتهديداً له. عموماً، يمكن وصف الحرب على أنها الإستعمال المنظم والهادف للقوة المسلحة من قبل دولة أو مجموعة دول، لتحقيق وضع سياسي أفضل… فالحرب في معناها الخاص هي خيار سياسي قائم بحد ذاته في التعاطي الدولي، ويعتبر في المصاف الأول للتهديدات الخارجية. لذلك إن مأسسة ثوابت الأمن القومي، في تشريعات يشترك في وضعها الأمنيون والعسكريون يسهل على المسؤولين عن تقديم المشورة الإستراتيجية للقيادة الوطنية، أن يدركوا الإنعكاسات السياسية للأعمال العسكرية في أثناء الحرب والسلم.

ويندرج في تلك الأخطار الاعتماد على تسليح القوات المسلحة من مصادر خارجية أجنبية، ما يخضع القرار الوطني باستعمال السلاح الى تحكم القوى الخارجية في نسبة كبيرة منه. إلاّ أن إنشاء الصناعة العسكرية الوطنية ليس بهذه السهولة. فقدرات الدول النامية، تقف عاجزة أمام توظيف رؤوس الأموال اللازمة لإقامة صناعة حربية، تتعدى الأنواع التي يسهل الحصول عليها بالاستيراد، وهو ما يعني أن يشمل الطموح، إقامة صناعات ثقيلة ودقيقة، وتبرز الحاجة الى التقنية المتقدمة وهي الوجه الثاني للصناعات الحربية العصرية. وهذا لا يعني أن نقف مكتوفي الأيدي فالمحاولة في توظيف القدرات الوطنية في الصناعات الأمنية والعسكرية أثمرت في دول تماثل أوضاعنا. وأثبت معرض الأمن في الشرق الأوسط الذي عقدناه الشهر الفائت في بيال بيروت عن انطلاقة جيدة لصناعات أمنية وانظمة من تصميم طلاب واعدين من احدى عشر جامعة في لبنان نالت اعجاب وتقدير الشركات الأجنبية.  

ويأتي الإنتماء الى الأحلاف العسكرية في المقام القوي للتهديدات الخارجية؛ فالدول الأقل قوة، تستعيض عادة، عن ضعف قوتها المسلحة، بالتعاون مع دول أخرى، لإنشاء حلف من مجموعة دول، تتفوق فيه القوات المُجّمعة من الدول الأعضاء، على قوة خصم كل منهم. ويفترض أن التحالف مع دول صديقة، أو دول ذات مصلحة، لا يمثل قيداً على سياسة الدولة، إلاّ بالتزامها بالتعاون مع حلفائها لإزالة الأخطار التي تهددهم، مقابل إزالتهم لأخطارها.

ويختلف التحالف مع الدول الكبرى والعظمى، الإقليمية أو الدولية، عن التحالف مع الدول المتقاربة في القوة. فتضطر الدول الصغرى، عادة، إلى منح الدول الكبرى تسهيلات عسكرية في أراضيها، لتستخدم الأخيرة أجواء الأولى، ومياهها، وقواعدها البحرية والجوية، وهو ما يعد تنازلاً جزئياً عن أهدافها الأمنية.

وقد ينتج عن ذلك التنازل أخطار تهدد الأمن الوطني، بما فيه وجود قواعد عسكرية أجنبية على أراضي الدولة، لا تخضع لرقابتها. والأكثر خطورة في هذا الجانب، وجود تنظيم شبه عسكري في الدولة، غير خاضع لإمرتها.

أخيراً؛ في ظل نظام العولمة الذي يتحكم بالإقتصاد وطرق التجارة والموارد الأولية والتسلح والبنك الدولي و… الخ، لم يعد هناك من سيادة وطنية كاملة، وينبغي على المسؤولين عن تقديم المشورة الإستراتيجية للقيادة الوطنية أن يتدارسوا ويعالجوا قرار أهمية بقاء لبنان في منأى عن سياسات الأحلاف أو الدخول فيها لا سيما ونحن مدعوون للحضور والمشاركة اليوم في دراسة مشروع القوة العربية المشتركة الذي يجري العمل على إقراره قريباً في جامعة الدول العربية.

*كلمة العميد ناجي ملاعب في ندوة بموضوع "الأمن القومي في لبنان: في سبيل مُقاربة مُتكاملة" عقدت بتاريخ 16/10/2015 في بيت المستقبل بالتعاون مع ملتقى التأثير المدني

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate