تركيا وتسليح الأكراد

العميد م. ناجي ملاعب 

1800 طن من الأسلحة والمعدات ارسلها الجيش الألماني للأكراد في العراق، خلال عام واحد.[*] وكان من بين تلك الأسلحة 20 ألف بندقية وألف صاروخ مضاد للدبابات. وتدرس ألمانيا إرسال إمدادات أسلحة أخرى إلى كردستان العراق من أجل محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وفق تصريح وزيرة الدفاع الألمانية أورزولا فون دير لاين اواخر تشرين الأول/ أكتوبر الفائت، معلنة أن تزويد مقاتلي البيشمركة بالتدريب المناسب ضروري لهزيمة تنظيم "الدولة الإسلامية" المعروف باسم "داعش".

وفي مجال التدريب، أضافت فون دير لاين: "دربنا 4700 من البيشمركة وكتيبة من اليزيديين وبعض الكاكائيين أيضا. وهذا ضروري للغاية لان المعدات الجيدة والتدريب الجيد يضمن البقاء في المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية وهذا هو هدفنا المشترك... هناك احتياج دائم، وهذا أمر واضح للغاية؛ لأن الأكراد في حالة حرب، حرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية".  

وكانت قيادة التحالف الدولي ضد داعش قد اتخذت، منذ انشائه، من اقليم كردستان العراق مقرا لعملياتها العسكرية. وشهدت أربيل استضافة معسكرات تدريب لمقاتليين جدد او تنظيمات مسلحة متحالفة سابقا مع "الدولة الاسلامية" على غرار الجيش السوري الحر او الجبهة الاسلامية في سوريا. كما أن الإكراد حظوا بدعم قوات التحالف الدولي- العربي في معاركهم ضد "داعش"،لا سيما في تحرير مدينة عين العرب "كوباني".

أما في سوريا، فقد انضمت مدينة تل أبيض الاستراتيجية، على الحدود مع تركيا، إلى أراض تحت سيطرة الإدارة الذاتية الكردية في شمال سوريا، في خطوة من شأنها أن تثير غضب تركيا، التي التزمت الصمت إلى حد الساعة.

ويسعى الأكراد وعلى رأسهم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي إلى تأسيس حكم ذاتي في شمال سوريا، على شاكلة إقليم كردستان العراق، كخطوة أولى نحو تحقيق حلم الدولة الكردية.

وقال حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، الذي تتهمه أنقرة بموالاته لحزب العمال الكردستاني، "إن مجلس الأعيان في تل أبيض المعروفة باسم "كري سبي" باللغة الكردية، وافق الأربعاء على ضم المدينة إلى الإدارة الذاتية التابعة لمقاطعة كوباني".

وكانت وحدات حماية الشعب الكردية، الذراع العسكرية للحزب قد تمكنت بالتعاون مع فصائل عربية مقاتلة نهاية حزيران/ يونيو الماضي من طرد تنظيم الدولة الإسلامية من مدينة تل أبيض العربية الكردية المختلطة  في محافظة الرقة، أبرز معاقل التنظيم في الشمال السوري.

وأثبتت وحدات حماية الشعب الكردية أنها الشريك الأكثر فعالية على الأرض حتى الآن للضربات الجوية بقيادة الولايات المتحدة ضد "داعش" حيث انتزعت السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي من التنظيم في شمال شرق سوريا هذا العام.

وكان الأكراد أعلنوا عام 2013 إقامة إدارة ذاتية في مناطقهم بعد انسحاب قوات النظام السوري تدريجيا منها مع اتساع رقعة النزاع في البلاد عام 2012. وتنقسم مناطق الإدارة الذاتية إلى ثلاث مقاطعات هي الجزيرة (شمال شرق) وكوباني (شمال) وعفرين (شمال غرب). وقال المحلل في الشؤون الكردية موتلو تشيفير أوغلو إن الأكراد والعرب ومكونات أخرى في تل أبيض توافقوا على “حكم ذاتي ديمقراطي”، مضيفا “لا يعني ذلك أنها ستكون منفصلة بل جزءا من مقاطعة كوباني".

الدعم الأميركي المباشر

مطلع الشهر الحالي، أعلنت وحدات حماية الشعب الكردية ومجموعة من الفصائل قاتلت معها، بينها مجموعات عربية وأخرى سريانية مسيحية، توحيد جهودها العسكرية في إطار قوة مشتركة باسم “قوات سوريا الديمقراطية”.

ويأتي التحالف الجديد بعد وقت قصير من إعلان واشنطن إدخال تغييرات على دعمها للمقاتلين السوريين الذين يحاربون تنظيم "داعش" لينتهي بذلك فعلياً برنامج لتدريب المقاتلين خارج سوريا والتركيز بدلاً من ذلك على تقديم السلاح للجماعات التي فحصت الولايات المتحدة أمر قادتها.

ويعتبر الأكراد العمود الفقري لهذه القوات حيث يناهز عددهم 25000 مقاتل، ورغم أن الولايات المتحدة الأميركية لم تعلن صراحة أنها تقف خلف هذا التحالف، إلا أن عدة مؤشرات تقول ذلك، من بينها قيام واشنطن، مؤخرا، بإسقاط كميات ضخمة من الأسلحة والذخيرة على مناطق تواجد الوحدات والقوى العربية المتحالفة معها.

 الأكراد حلفاء للروس!

تحظى الوحدات الكردية بثقة الغرب وأيضا روسيا في قتال تنظيم الدولة الإسلامية ويسعى الأكراد إلى استثمار الأزمة السورية، لتحقيق حلمهم ببناء الدولة الكردية، وقد استغلوا قتال تنظيم الدولة الإسلامية للتسويق لأنفسهم.

ويقول محللون إنهم نجحوا إلى حد كبير في ذلك حيث تحظى الوحدات الكردية بثقة الغرب وأيضا روسيا التي دخلت منذ 30 أيلول/ سبتمبر الماضي على خط الحرب السورية بمؤازرتها للقوات النظامية جوياً. وقد أشاد الروس خلال الأيام الأخيرة بالقوات الكردية معتبرين إياها القوة الوحيدة إلى جانب النظام القادرة على دحر داعش. وقد أبدت موسكو رغبتها في دعم الأكراد، وذكرت مصادر أن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني يعتزم فتح مكتب له في موسكو في خطوة تشي وفق الملاحظين بالكثير.

 يقول الباحث الروسي أندريه سوشينتسوف أن "موسكو شكلت، بالفعل، تحالفا دوليا يتألف، حصرا، "من مشاركين معنيين بالانتصار". وخلافا للمعارضة السورية التي تراهن عليها الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، فإن حلفاء موسكو (سوريا، العراق، والقوات الكردية) يناضلون واقعيا ضد "داعش". وقد خاضوا على مدى أربع سنوات كفاحهم ضدها دون مساعدة خارجية. أما الآن، ومع المساعدة الروسية، فقد ازدادت فرص انتصارهم بشكل ملحوظ".

الحذر التركي الدائم

هذا الاهتمام الأميركي الروسي بالوحدات يثير مخاوف أنقرة التي تخشى من أن يؤدي نجاح مخطط الأكراد في شمال سوريا الى انتقال عدوى الأمر إلى أراضيها. لا سيما بعد تمكن وحدات حماية الشعب الكردي من السيطرة، مدعومة بضربات جوية من التحالف العربي الغربي، في حزيران/ يونيو، على مدينة تل الأبيض على الحدود مع تركيا، وحررتها من قبضة داعش، ما سمح لوحدات حماية الشعب بربط مدينة كوباني بمنطقة أكبر، هي الجزيرة التي تجاور العراق.

وما يُبقي على الحذر التركي محاولة وصل منطقة "عفرين" في الشمال الغربي من سوريا، ذات الأغلبية الكردية، بمناطق تل أبيض وعين العرب وضمها الى الإدارة الذاتية التي أعلنها الأكراد في مناطقهم بعد انسحاب قوات النظام السوري تدريجيا منها مع اتساع رقعة النزاع في البلاد عام 2012. 

وقد فسّر البعض المطالبة التركية، العام الماضي، بتحديد منطقة آمنة على حدود سوريا الشمالية، بانه لم يكن فقط لدواع انسانية ( كمكان لإقامة النازحين السوريين) بل بهدف الفصل ما بين مناطق الأكراد، لكن الجواب التركي جاء ليزيل الشكوك، معتبراً ان "الحقائق في سوريا سواء الديمغرافية أو الجغرافية لا تسمح للأكراد أصلا بتحقيق ذلك".

وقد كثفت تركيا خلال الفترة الأخيرة من تصريحاتها المهاجمة للأكراد، معتبرة أن الوحدات هي تنظيم إرهابي لعلاقته بحزب العمال الكردستاني. وفي تصريح حديث له، حذر الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، جماعات كردية من محاولة السيطرة على شمال سوريا، قائلا إن أنقرة لن تسمح بذلك.

وندد أردوغان، بإدخال مدينة تل أبيض السورية ضمن نظام للإدارة الذاتية أقامه الأكراد. وقال: "كل ما يريدونه هو السيطرة على شمال سوريا بأكمله.. لن نسمح بأن يصبح شمال سوريا ضحية لمشروعهم تحت أي ظرف.

ولا يستبعد البعض أن تقدم أنقرة خلال الفترة المقبلة على استهداف المحاولات الكردية، بيد أن محللين آخرين يستبعدون ذلك، في ظل توفر الغطاء الغربي والروسي الداعم للأكراد. فهل يستدعي هذا الدعم الأوروبي والأميركي والروسي مؤخراً للأكراد إقدام أنقرة على تقديم تنازلات كثيرة ومؤلمة للطرفين حتى تتمكن من قصقصة أجنحة الأكراد، كأن توافق على السير في التسوية السياسية بسوريا.

كان يمكن التخمين والإحتمال قبل النتائج القوية التي حققها حزب العدالة والتنمية في الإنتخابات الأخيرة. ما يمكن تخمينه أن الأحداث الى مزيد من التأزم والسوداوية.

 

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate