“مواجهة التطرف العنفي” في مقاربة لبنانية، عربية ودولية

 العميد م. ناجي ملاعب

رأى الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل ان "الإرهاب اتخذ حجما دوليا ومنظما وأصبح يتنقل من منطقة الى اخرى في العالم"، معربا عن قلقه من[*] "تنامي البعد الديني الذي بدأ هذا الارهاب يأخذه، ومن عدم وجود خطة حكيمة لمواجهته". ودعا الى "قيام هيئة دائمة للحوار بين الاديان لايجاد حد ادنى من القواسم المشتركة ووضع استراتيجية قائمة على القيم الانسانية".

كلام الجميل جاء خلال افتتاحه مؤتمر "الطرق المبتكرة لمواجهة التطرف العنفي"، الذي دعا اليه "بيت المستقبل" بالتعاون مع مؤسسة "كونراد أديناور" في العاصمة اللبنانية، في 11 كانون الأول/ديسمبر.

وركز الجميل على "ثلاث نقاط يجب أخذها بالاعتبار عند التفكير في مواجهة الإرهاب بالتزامن مع المواجهة العسكرية، هي:

أولا: مسألة الحوكمة الصالحة، فنشأة الحركات المتطرفة كانت بسبب غياب الحوكمة الصالحة في بعض الدول. وهي تقتضي الشفافية لمنع الفساد وادارة الدول بشكل حكيم يواكب العصر.

ثانيا: قضية التربية التي تعتبر اساسا في مواجهة العنف السياسي. إذ ان غياب ثقافة التسامح واحترام الاخر شكلت حاضنة للتطرف، لا سيما في ظل انتشار المدارس الدينية، فمن خلال التربية والثقافة يمكن ان نواجه بشكل مباشر التطرف الديني والعنف السياسي.

ثالثا: الانماء، إذ أن انعدام التنمية كان اساسيا في نمو ظاهرة التطرف العنفي".

ودعا الجميّل الى "قيام هيئة دائمة للحوار بين الاديان في ظل ردود الفعل الخجولة للمؤسسات الدينية حيال التطرف الديني". وقال: "منذ بضع سنوات، طرح الأزهر مبادرة في هذا الشأن ولكن لم يتلقفها أحد، علينا التعاون من اجل انشاء هذه الهيئة لايجاد حد ادنى من القواسم المشتركة ووضع استراتيجية قائمة على القيم الانسانية".

وعلى اهمية المواضيع المطروحة والكلمات التي أصابت في معالجتها، جاءت النقاشات والمداولات لتغني الحدث وتقيم فهماً وتفهماً مشتركاً بين طروحات الباحثين الغربيين المشاركين والرؤى التي عرضها زملاؤهم اللبنانيين والعرب.

فالمعالجة الإجتماعية التي طرق سبلها الدكتور حسن منيمنة اعادت التفسيرات المختلفة بشأن ظاهرة العنف الى مجموعتين من العوامل، العوامل البنيوية والعوامل الثقافية:

التتفسير الأكثر شيوعاً للعوامل البنيوية ويتيح المجال أمام الحل الأسرع هو الموضوع الإقتصادي؛ إحباط، كبت، فقر ينتج عنه العنف. ففي مصر مثلاً، كان شعار الربيع العربي: عيش – حرية – عدالة اجتماعية، فالعيش تصدّر المطالب ما يؤكد على أهمية الموضوع الإقتصادي. ويليه التفسير السياسي؛ فالمنظومة العالمية القائمة على توازنات سياسية تتجاهل أطر هامة، كالقضية العربية المركزية – قضية فلسطين – خلقت وما تزال شعوراً بالظلم لدى الشعوب العربية. والعامل الثالث يتمثل في التفسير الإجتماعي وهو يلقى بعض التجاوب لدى الباحثين، فالفصل بين الجنسين مثلاً يودي الى الكوابت وهو أحد السبل الى العنف.

ويشكل "النمط الآسيوي" المبني على مجتمعات قائمة على السلطة والقوة، التفسير الأسرع في العامل الثقافي يليه الحديث عن الإسلام؛ أي أن الإسلام بطبيعته ديانة سلطوية، وهذا الحديث يلقى رواجاً في الغرب منذ تسارع وتيرة تداعيات أحداث 11 أيلول/ سبتمبر وعلى متن تداعياته قفزت الى الواجهة في معظم الدول الغربية الأحزاب ذات النزعة المتطرفة التي لم تكن مقبولة سابقاً.

ويضيف منيمنة – الباحث السياسي المشرقي في جامعات الولايات المتحدة – الى المجموعتين عوامل المجموعة الحضارية؛ ويعيدنا الى انجازات الفكر التنويري الذي انسحب على اوروبا نتيجة الثورة الفرنسية ومن بعدها الثورة الأميركية. ويفسر بان "العدوى" انتقلت الى الشرق مع نابليون وشهدنا ظاهرة "العاميات" وكان أبرزها في لبنان، هذه القيم التي برزت في الغرب قبل مئتي عام وقدمت إلينا، وكان القرن التاسع عشر قرن استيعابها، كان قبولٌ لإنتقالها الى الشرق بعد سقوط السلطنة العثمانية ، وحاولنا في بداية القرن العشرين استيعاب فكرة "الدولة"، لكن الدولة أصبحت أبوية غير قابلة للمساءلة، وانحصر العنف في ممارسة السلطة كحق من حقوق الدولة، فلا أحد من المنظومة العالمية يتكلم عن عنف الصواريخ والبراميل المتفجرة مثلاً. ويضيف بأننا "في المنطقة أمام فشل حضاري في استيعاب الدولة وقد فتح انحلال النظم الباب أمام استعمال هذا العنف".

ويتابع الدكتور منيمنة أن إسلام اليوم ليس كإسلام منذ خمسين سنة، فاسلام عبدالله العلايلي ذو المنهج التقدمي يقابله اليوم منهج آخر عززه سقوط الدولة. ويوافقه في هذه الرؤية الباحث الأردني الدكتور عرب الزنتاوي – مؤسس ومدير "مركز القدس للبحوث السياسية"  – ويعزو أسباب الإخفاق الى احداث ثلاثة حصلت خلال السنوات الثلاثين الماضية:

ثورة النفط وانتشار السلفية في الخليج العربي، الثورة الإيرانية، والحلف الدولي الذي ظهرأثناء الحرب الباردة في محاربة افغانستان (نجيب الله) الشيوعية، ويخلص الى أن كل الدول اسهمت في تفاقم أوضاع الفرقة المذهبية، كل بما يخدم مصلحته. والأردن اليوم، الذي تعتمد عليه الإرادة الأممية في عملية فرز المنظمات المقاتلة ضد النظام في الجارة سوريا بين معارضة معتدلة ومعارضة متشددة (تكفيرية)، يحتوي على حوالى 7400 مسجد يخدمها 2400 إمام يتبعون الى السلطة الدينية الرسمية والعدد الباقي متروك على الطبيعة ولا تخضع للرقابة الخطب والتوجيهات والأدعية التي تعتمدها. وبذلك "يكون 90 % من مجتمعاتنا سلفيون دون ان يعلموا". إنها السياسة المتداخلة مع العامل الديني ويجري استغلالها بشكل منسق ومنظم.

واختتم المؤتمر دون الإجابة على تساؤل سام منسى، مدير بيت المستقبل، من أن موقف العرب المسلمين من الإرهاب موضوع اشكالية ما زالت غير محسومة، فدائماً هناك "ولكن". ولكن المؤتمر سجل محاولة للفهم والإبتكار لدى الخبراء الذين ما زالوا بدون أجوبة على ما يجري "ما بعرف". وأسهم كذلك في قيام مساحة حوارية هادئة خارج هذا الضجيج الكبير من حولنا في مهب الإرهاب وتداعياته ما يؤكد على دعوة منسى للمؤتمرين "بأن نفكر بشكل هادئ لمحاولة تجاوز الشائع من الصواب والخطأ".  

عن المؤتمر:

تخلل المؤتمر أربع جلسات وهي:

الجلسة الأولى بعنوان "الوقاية من التطرف العنفي" وأدارها جون بيل، وتحدث فيها المحلل السياسي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حسن منيمنة ومنسقة إدارة الأزمات والنزاعات في مؤسسة "كونراد أديناور" كريستينا ايخهورست ومنسق الحوار بين الإسلام والأديان في "كونراد أديناور" توماس فولك.

الجلسة الثانية بعنوان "فهم التطور من منظور نفسي" أدارها حسن منيمنة، وتحدث فيها مدير برنامج الشرق الأوسط ومنطقة المتوسط في مركز توليدو في مدريد جون بل ومؤسس مقاربة Human Givens للعلاج الفيزيائي والتفكير السليم بالصحة العاطفية والمشاكل التربوية والاجتماعية ايفان تيرال وعضو مؤسسة حقوق الإنسان والحق الإنساني جان بيار قطريب.

الجلسة الثالثة بعنوان "التعامل مع المتطرفين اساليب قابلة للتطبيق"، أدارتها حنين غدار وتحدث فيها الوكيل السابق لجهاز أمن الدولة في مصر الجنرال فؤاد علام ومدير عام الإدارة السابق في وزارة الدفاع اللبنانية وعضو المجلس العسكري سابقا الجنرال عبد الرحمن شحيتلي والرئيس سابق لقسم علم النفس التطبيقي في جامعة University College Cork ماكس تايلور.

الجلسة الرابعة بعنوان "الإرهاب من منظور العالم العربي" وأدارها منسى، وشارك فيها مؤسس ومدير "مركز القدس للبحوث السياسية" الكاتب والمحلل السياسي في صحيفة "الدستور" اليومية في الأردن عريب الزنتاوي ونائب مستشار الأمن الوطني في العراق قبل العام 2003 صفاء حسين والصحافي والباحث في مجموعة من الصحف والمجلات العربية مثل السفير" و"الهدف" الفلسطينية و"الوسط" البحرينية و"العرب اليوم" الاردنية عبيدلي عبيدلي.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate