حالة يأس في العراق.. فلتان أمني أم ضعف سلطة؟

 العميد م. ناجي ملاعب

رغم التقدّم المحقق على جبهات القتال في مدينة الرمادي ومحافظتها ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية، فإن استشراء فوضى السلاح وانتشار الجريمة[*] وتغوّل الميليشيات لم يبعث على التفاؤل لكثير من العراقيين بشأن تحقيق السلم وإقرار الأمن في البلد.

فالأحداث الخطيرة التي شهدتها محافظة ديالى منذ مطلع الأسبوع الماضي، وبدأت بهجوم انتحاري مزدوج على مقهى في قضاء المقدادية وقع ضحيتها العشرات من القتلى والجرحى، وانتهت بردود فعل انتقامية نفذتها ميليشيات مسلّحة ضدّ السكان السنّة بذات القضاء خلّفت عددا من القتلى في صفوفهم وأسفرت عن حرق وتدمير العديد من الدور والمتاجر والمساجد.

وتفاقمت خلال الآونة الأخيرة عمليات القتل والخطف ونهب الممتلكات والأموال، ما أفقد العراقيين الشعور بالأمان، بحيث لا يكاد يمرّ يوم دون أن تطالعنا وسائل الإعلام بالإعلان عن العثور على جثث لأناس يُقتلون بطرق مختلفة ولأسباب متعدّدة، وتلقى جثثهم على قارعة الطريق وفي مجاري الأنهار وحتى بين أكداس القمامة. وتختلف دوافع العنف بين جنائية وطائفية وحتى عشائرية، وهو ما برز مؤخرا بشكل جليّ في محافظة البصرة، وفق تقارير أمنية حديثة.

وبالإضافة الى ما تشكله تلك الأحداث من امكانية انزلاق البلد إلى صراع طائفي مدمّر، فإنها تعكس من جهة ثانية حالة الانفلات الأمني في البلد، والذي لامس درجة كبيرة من الخطورة تصل حدّ فقد الدولة العراقية السيطرة على أوضاعها الداخلية، في ظل البروز الكبير للجماعات المسلّحة غير النظامية وتفاقم ظاهرة حمل السلاح خارج الأطر الشرعية المتعارف عليها.

وفي رد فعل يفوق المألوف من أعلى المستويات، فقد حمل رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري، على الأجهزة الأمنية متسائلا عن مبرّر دفع رواتب لعناصرها مادامت عاجزة عن حفظ الأمن. مصرحاً أنّ "من يحمل السلاح خارج إطار الدولة يجب أن يحارب".."الدولة هي المسؤولة عن حفظ الأمن والجميع يجب أن يخضع لإرادتها".

ويشبّه مراقبون ما يجري في العراق خارج جبهات القتال ضدّ تنظيم داعش، وعلى امتداد خارطة البلد بما في ذلك تلك التي لم يدخلها التنظيم مثل محافظة البصرة بجنوب البلاد بـ"الحرب الموازية". ولقد دخلت البلاد في ظل "شرعنة الميليشات" تحت مسمّى الحشد الشعبي في اتون تصفية الحسابات بالعنف ضدّ "الخصوم"، وحتى ضدّ بعض الدول، ما يسبب حرجا كبيرا للدولة ويظهر اجهزتها الأمنية في مظهر العاجزة على ضبط أوضاعها. وسبق أن تجسّد الفلتان الأمني في إقدام بعض الميليشيات على اختطاف عمّال أتراك من إحدى ضواحي بغداد، وأيضا في اختطاف صيادين قطريين ما يزالون إلى اليوم رهن الخطف. أضف الى ذلك ما أعلنته بالأمس السفارة الأميركية في بغداد عن خطف أميركيين.

وتأتي تعقيدات الملف الأمني لتضيف أعباء على الدولة العراقية المرهقة بالحرب على داعش والغارقة في متاعبها الاقتصادية والمالية الناجمة عن تهاوي أسعار النفط في مقابل ارتفاع فاتورة الحرب. وتبدو الحكومة العراقية على حافة الإفلاس اليوم – طبقاً لتقرير صندوق النقد الدولي – والتي يمكن أن تفوق تبعاته أي حالة إفلاس في التاريخ بسبب شلل الاقتصاد التام، الذي جعل البلاد تعتمد بشكل تام على العوائد النفطية.

وتدفع الأوضاع الأمنية المعقّدة العراقيين إلى التشاؤم رغم تقدّم العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش والذي لا يعني للكثيرين نهاية التنظيم وإقرار الأمن بشكل تام في البلد الذي عاش موجات متلاحقة من العنف تواصلت لأكثر من عقد من الزمن بعد سنة 2003 وحصدت الآلاف من القتلى والجرحى والمعوقين ومثلهم من اليتامى والأرامل، حيث ستكون الحكومة مطالبة بنزع سلاح العشرات من الميليشيات الشيعية التي يفوق بعضها القوات النظامية قوة وتسليحا وتنظيما.

فأي حال من الضعف اورثته الحكومة العراقية السابقة التي اعتمدت ميزانية تشغيل لسبعة ملايين راتب موظف ومتقاعد!! وكيف ستعالج الحكومة المظاهرات التي تشهدها البلاد للمطالبة بخلق المزيد من الوظائف للشباب العراقي، في ظل تعثر خطوات الإصلاح.

لا يوجد نظرية عسكرية تقول بالفلتان الأمني ولكن توجد نظرية تقول بضعف السلطة، وفي حالة العراق لا ريب في ذلك.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate