تجربة القوات الجوية اللبنانية في مكافحة الإرهاب

شيرين مشنتف

يعتبر لبنان بلداً صغيراً في منطقة الشرق الأوسط، وكانت قواته الجوية في عام 1970، من أقوى القوات الجوية في المنطقة. ولكن، وبعد الحرب الأهلية، توقّف 90% من أسراب الطائرات عن العمل، خاصة الطائرات ذات الأجنحة الثابتة، بسبب النقص في قطع الغيار، كما دُمّرت بعض المروحيات. وفي عام 1994، تسلّمت القوات الجوية اللبنانية 24 مروحية هيوي (Huey) من الولايات المتحدة الأميركية بموجب المبيعات العسكرية الأجنبية (FMS)، الأمر الذي يعدّ الخطوة الأولى للبدء في إعادة بناء القوات الجوية من جديد.

مهمات مكافحة الإرهاب

تعود المهمة الأولى للقوات الجوية اللبنانية في مكافحة الإرهاب إلى عام 2000، عندما قامت مجموعة من الإرهابيين بعملية دهم دورية للقوات الخاصة في شمال لبنان، ما أدى إلى استشهاد ثلاثة عسكريين ومجموعة من الضباط. من هنا، كانت مهمة القوات الجوية الأولى القيام بعملية هجوم جوي إلى تلك المنطقة الجبلية، وتم استخدام ست مروحيات Huey؛ وأتممنا العملية بنجاح، حيث تم القبض على 37 من الإرهابيين وقتل 13 منهم. يُشار إلى أنه جرى استخدام المروحيات أيضاً لعمليات الإخلاء الطبي ومهمات الاستطلاع.

أما بالنسبة للمهمة الثانية، فكانت خلال عام 2007، في منطقة نهر البارد، التي كانت تحوي مخيّماً للفلسطنيين في الشمال اللبناني ينتشر على مداخله حواجز عدّة للجيش اللبناني لحماية المدنيين. وقامت مجموعة من الإرهابيين بالهجوم على حواجز الجيش مما أدّى إلى استشهاد ضابط و12 جندي. وفي هذا الإطار، قرر المجلس الأعلى للدفاع الرد على الهجمات، وقمنا بالإغارات المرتدة اللازمة، في حين دخل الإرهابيون إلى المخيم، واستخدموا المدنيين كدروع لحمايتهم. إن المخيّم مكتظ بالسكان، شوارعه ضيّقة ومبانيه عالية، حيث قام القنّاصة باستخدام تلك المباني لمهاجمة جنودنا، الأمر الذي أدى إلى استشهاد العديد منهم في الشهر الأول من العملية. وخلال تلك الفترة، أعطى المجلس الأعلى للدفاع الأوامر بإخلاء المخيّم كي لا يبقى داخله إلا الإرهابيين، وكان عددهم 180 شخصاً مجهّزين بطريقة جيّدة. في حينها، كانت مروحية Huey الخيار الأنسب للقضاء على الإرهابيين، وبالفعل تم استخدامها لتدمير جميع المباني وخاصة الملاجئ التي كانوا يستعملونها.

لقد أثبتت المروحية قدراتها على أرض المعركة، حيث تم استخدامها كطائرة هجومية من خلال تزويدها بقنابل 250 كلغ (خاصة بطائرات Hunter)، وقنابل 400 كلغ (خاصة بطائرات الميراج).

مروحيات هيوي للجيش اللبناني

وفي أوائل شهر آب/أغسطس، بدأنا بعمليات المداهمة، من خلال استخدام مروحية Huey التي تم تزويدها بقنابل 250 كلغ على جانبيها (اليمين واليسار) وقنابل 400 كلغ تحت بدن الطائرة. ولكن، لم يخلُ هذا الأمر من بعض الأخطاء البسيطة، التي عمدنا على تصحيحها خلال القيام بمهمّتنا. وفي غضون 12 يوماً، نفذنا حوالى 52 عملية مداهمة جوية، استخدامت فيها 48 قنبلة من طراز Mark 82 بالإضافة إلى حوالى 32 قنبلة وزنها 400 كلغ. وفي الوقت نفسه، استلمنا مروحيات “غازيل” (Gazelle) من دولة الإمارات العربية المتحدة، وقد تم استخدامها في عملية نهر البارد أيضاً. انتهت المعركة بعد 104 أيام مسببة الدمار الشامل للمنطقة.

في ما يخصّ العملية الثالثة، فقد جرت في الثاني من آب/أغسطس عام 2014 على الحدود بالقرب من سوريا. لقد تمكّنت مجموعة من عناصر تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” ومن جبهة النصرة من التسلل من الجرود سوريا إلى شرق منطقة عرسال، وقامت بهجوم على ثلاث حواجز للجيش اللبناني واحتجزت 24 عنصراً من الجيش وقوى الأمن. ولحق ذلك عملية اشتباك واسعة بين الطرفين، لذلك قمنا باستخدام طائرة سيسنا كارافان لمهام الاستخبار والمراقبة والاستطلاع (ISR) المزوّدة بكاميرا من نوع MX-15، والتي حصلنا عليها من الولايات المتحدة الأميركية، بالإضاقة إلى طائرة سكان إيغل (Scan Eagle) من دون طيار لمراقبة المنطقة بالكامل ومعرفة ما يحدث خاصة في أقصى شرق لبنان، كما استخدمنا عدداً كبيراً من صواريخ هيلفاير (Hellfire) لتدمير الأهداف الصعبة والدقيقة. يُشار إلى أن طائرة سكان إيغل غير المأهولة حلّقت في الجانب الشرقي على مدار 16 ساعة.

وقامت مروحية غازيل حينها بأول عملية هجوم قتالية قريبة (CCA Mission)، حيث تعرّضت لـ12 عملية إطلاق بالرصاص، الأمر الذي منع الطائرة من استكمال مهمّتها، فحلّق بها الطيار لتحطّ في قاعدتها بعض أن نقل مساعده إلى أقرب مستشفى للعلاج من الإصابة. من هنا، قرّرنا تغيير أساليب عملنا التكتيكية وقررنا زيادة قدراتنا القتالية. وفي الوقت نفسه، استلمنا مروحيات بوما أس م 330 (Puma SM330) من دولة الإمارات العربية المتحدة وقررنا تجهيزها بالأسلحة المناسبة. فاستخدمنا إذاً مدافع من عيار 30 ملم (الخاصة بطائرات Hunter) بالإضافة إلى حواضن الصواريخ التي يمكن أن تحمل ما يصل إلى 18 صاروخاً من عيار 68 ملم.

لقد بدأنا عندها بالتدريبات اللازمة، والتي استغرقت 10 إلى 11 يوماً فقط، وقمنا بإرسال مروحيات البوما لتنفيذ مهماتنا في الليل والنهار حيث لم نواجه أي مشاكل خلال العمليات التي أجريت خلال النهار؛ غير أن جسم مروحية بوما يعتبر كبيراً جداً، الأمر الذي دفعنا إلى إرسال مروحية أخرى لحمايتها من خلال التحليق على مستوى منخفض بهدف صرف انتباه عناصر تنظيم داعش. ولكن في الوقت نفسه، لقد عمدنا التفكير في حلول للمهمات الليلية، فقررنا تجهيز طائرة السيسنا كارافان بكاميرا وبجهاز إضاءة عامل بالليزر، وقمنا بعمل جيد خلال مهمتنا التي تكللت بالنجاح.

ومن العمليات الأخرى التي قمنا بها على الحدود الشرقية، نذكر العملية التي حصلت في تلة الحمرا. لقد تعرّضت إحدى دورياتنا لهجوم من قبل عناصر تنظيم داعش عند الساعة الخامسة فجراً، نتج عنه استشهاد ستة جنود، فقمنا بعملية هجوم جوي من الخلف، مستخدمين كل مروحيات البوما خلال النهار، والتي أطلقت مدافع من عيار 68 ملم و30 ملم، بالإضافة إلى طائرة السيسنا لتدمير الهدف الرئيس للتنظيم الإرهابي.

إن عملية تحويل الطائرات من تلك الخاصة بالمهام العامة إلى الحربية منها، أمر سهل جداً، ونحن قمنا بذلك من خلال تحويل مروحية هيوي إلى قاذفة ومروحية البوما إلى طائرة هجومية. وأكبر درس تعلّمناه هو: إن كنتم تؤمنون بما تفعلونه وتتمتعون بالإرادة اللازمة، يمكنكم جعل المستحيل مستطاعاً وما لا يمكن فعله قابلاً للتنفيذ.

المساعدة العسكرية السعودية في المصير المجهول.. وأميركا المزوّد الرئيس للمعدات العسكرية للجيش اللبناني

بعد أوقفت المملكة العربية السعودية في شباط/فبراير الماضي برنامج تسليح للجيش اللبناني بثلاثة مليارات دولار، رداً على ما اعتبرته مواقف “مناهضة” لها، تجدد الولايات المتحدة الأميركية من جهتها، التزامها بتزويد الجيش بأسلحة عالية الجودة ومعدات وتدريب حتى تتمكن الدولة اللبنانية من ممارسة سلطتها السيادية على الحدود وفي جميع أنحاء البلاد؛ فقد أعاد قائد القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) الجنرال لويد ج. أوستن الثالث في كانون الثاني/يناير الماضي، التأكيد على ثقة الولايات المتحدة بقدرات الجيش اللبناني مشيراً إلى أنه كما “يواصل الجيش اللبناني حماية الشعب اللبناني، هكذا ستواصل الولايات المتحدة دعم الجيش في دوره كقوة الدفاع عن لبنان”.

وفي هذا الإطار، قالت السفيرة الأميركية المرشحة إلى لبنان في 11 آذار/مارس الجاري “نقوم بدعم الجيش اللبناني بالمعدات والتدريب الذي يحتاجه لمحاربة داعش وغيره من المتطرفين. إن مساعداتنا الأمنية إلى الجيش اللبناني، التي فاقت 150 مليون دولار خلال السنة المالية 2015، قد أدت إلى فرق حقيقي على أرض الواقع. فقد حوَّل الجيش اللبناني التيار ضد داعش على طول الحدود الوعرة مع سوريا، بحيث لم يعد الشمال الشرقي للبنان في خطر داهم من قِبَل الجماعات المتطرفة، والطائرات الحربية اللبنانية باتت الآن تستخدم صواريخ هيلفاير التي زوّدت بها الولايات المتحدة الجيش اللبناني لتحديد مكان الإرهابيين والقضاء عليهم”.

وفي الإطار نفسه، يقول العماد قهوجي: “سنحصل على طائرات مراقبة متقدمة مزودة بأحدث تكنولوجيا، إضافة إلى 6 طائرات سوبر توكانو حديثة تحمل صواريخ ذكية. وستواصل الولايات المتحدة تدريب القوات الخاصة كما تدريب الألوية. الحرب هي بالدرجة الأولى اليوم تكنولوجيا، ومن يعرف أكثر وأسرع ومن يسبق يربح”.

وتتطلع القوات الجوية اللبنانية إلى استلام طائرات سوبر توكانو (Super Tucano) الأميركية الهجومية الستّة، وسط وعود أميركية جدّية بتسليمها في نهاية العام الجاري 2016، في حين يواظب الجيش على تسلّم دفعات متواصلة من الذخائر والأعتدة العسكرية والأمنية كان آخرها تسليم فوج الحدود البرية الأول في شباط/فباير الماضي معدات أمن وحماية في إطار التعاون العسكري – المدني CIMIC القائم بين البلدين.

قائد القوات الجوية اللبنانية العميد الركن طيار غسان شاهين

القدرات التي ستوفرها طائرات سوبر توكانو للجيش اللبناني

من شأن طائرات A-29 Super Tucano أن تزيد من قدرات القوات الجوية اللبنانية خاصة وأنها من المنصات الأبرز التي تمتلك الخصائص والقدرات التي تؤهلها للقيام بمهام الدعم الجوي القريب والمناورة العالية عند خوض الحروب بهدف حفظ الأمن ومكافحة التمرد والإرهاب. ولقد أثبتت الحروب اللاتماثلية ضرورة اقتناء مثل هذا النوع من الطائرات لمواجهة الإرهابيين، حيث تعمل على تشغيلها أو تمتلكها 11 دولة لصالح قواتها الجوية في أنحاء العالم، بما في ذلك القوات الأميركية التي بدأت تتزود بها لتستخدم بشكل أساسي في العمليات في أفغانستان والعراق كونها تملك نفس الفعالية لمقاتلات أف-16 في الحرب على تنظيمي القاعدة وداعش ولكن بربع الكلفة المالية.

هذا وسيوفر ذلك النوع من الطائرات للقوات الجوية اللبنانية القدرة على إدارة الكوارث ودعم الأجهزة الأمنية المدنية من خلال تنفيذها لمهام البحث والإنقاذ وعمليات الاستطلاع والتصوير الجوي لمناطق الكوارث، أما بالنسبة لمهام التدريب فهي ستؤمن للقوات الجوية التدريب على الطيران الأساسي. من هنا، تجمع الطائرة التي يوجد منها نسختين، الأولى ذات مقعد واحد والثانية ذات مقعدين، بين مهام التدريب وعمليات الاستخبار والمراقبة والاستطلاع (ISR) والقدرة على التحمل العالية في منصة واحدة تقوم بأداء كل تلك المهام حالياً في جميع أنحاء العالم.

وفي مقابلة خاصة للأمن والدفاع العربي، قال اللواء المتقاعد في الجيش الأميركي جيف شلوسير، نائب الرئيس الاستراتيجي لقسم البرامج الدولية لدى شركة SNC، إن الطائرة “تتميز بقدرتها على توفير الدعم الجوي القريب (CAS) وخاصة في المدن، كما تتمتع بنظام التحكم الجوي الأمامي (FAC) المحمول جواً وتقوم بعمليات المواكبة” مضيفاً أنها “تتمتع بقدرتها على الاعتراض على سرعات منخفضة وحماية البنية التحتية الحرجة والقيام بعمليات أمن الحدود والموانىْ وعمليات مكافحة التمرد والإرهاب”.

طائرة سوبر توكانو

الجيش اللبناني يبدأ عملياته الاستباقية في محاربة الإرهاب

هذا ويعتمد الجيش اللبناني بشكل كبير على الأسلحة الأميركية في حروبه مع الإرهابيين، والتي كان آخرها العملية نوعيّة والخاطفة التي قامت بها وحدة من قوات النخبة في الجيش اللبناني في آذار/مارس الجاري خلف خطوط المجموعات الإرهابية في منطقة جرود رأس بعلبك، الواقعة على الحدود اللبانية السورية، باستخدام مدافع M109 الأميركية، راجمات الصواريخ والطائرات الخاصة بالجيش.

ونفّذت الوحدة إغارة ضدّ مجموعة إرهابية كبيرة تنتمي إلى تنظيم “داعش”، متمركزة على مسافة 3 كلم من مراكز الجيش الأمامية وعلى ممرّ حيويّ مقابل لهذه المراكز. واشتبكت تلك الوحدة مع المجموعة واقتحمت تحصيناتها، موقعةً في صفوف الإرهابيين 5 قتلى وعشرات الجرحى بالإضافة إلى تدمير منشآت المركز المعادي والآليات الموجودة والمجهز بعضها برشاشات ثقيلة، فيما لاذ من تبقّى منهم بالفرار. وقد حاول الإرهابيون استقدام تعزيزات إلى المنطقة، فتصدّت لهم طائرات الجيش ومدفعيته الثقيلة موقعةً في صفوفهم المزيد من الخسائر بالأشخاص والعتاد.

2 Comments on تجربة القوات الجوية اللبنانية في مكافحة الإرهاب

  1. شكرا على هذا الشرح الوافر، رجال الجيش اللبناني يستحقون افضل عتاد فقد حان الوقت لتقدير تضحياتهم

  2. شكرا على الشرح وتمنياتي القلبيه ان تتم الصفقات القادمه من غير تأخير وكما هو مذكور

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate