انعتاق بريطانيا من الإتحاد الأوروبي يقويها عسكرياً ولن يضعف قدرات الإتحاد

العميد م. ناجي ملاعب – 

تنفيذاً لرغبة 51.9% من البريطانيين العاديين إستُفتوا في قضايا مصيرية سوف يتم خروج المملكة المتحدة من الإتحاد الأوروبي بعد أربعين عام على انضمام دولتهم إلى هذا الإتحاد. من الناحية العسكرية سيبقى الدور البريطاني في عمليات الناتو وخارجه أقوى من إلتزاماتها الأوروبية، والتأكيد الأميركي على متانة هذا الدور جاء في اتصال أشتون كارتر وزير الدفاع بزميله البريطاني بعد اعلان النتيجة، مطمئناً “سيبقى الإلتزام الأميركي نشط ومستمر في القضايا الأمنية الدولية”. فهل يرسم هذا السند الأميركي ركيزة الحلم البريطاني لسياسة جديدة من خارج الإصطفاف في مجموعة وصفها الرئيس جورج بوش الأب منذ أكثر من عقد من الزمن بالقارة العجوز؟ وهل أن بريطانيا كانت عاملاً مساعداً على بناء “الجيش الأوروبي” أم أنها كانت تغرّد منفردة؟ وهل خططت لرؤية مستقبلية ولأي دور في دنيا العولمة؟

الدور البريطاني في الإتحاد الأوروبي

الحلم بأوروبا موحدة كان هاجس رئيس الوزراء البريطاني وينستن تشرشل، في نهاية الحرب الكونية الثانية. فبعد حروب مدمرة شهدتها القارة الأوروبية، وباقي دول العالم، انعقد برئاسة تشرشل، في لاهاي بهولندا في 7 أيار/مايو 1948 مؤتمر للحركات العاملة من أجل توحيد أوروبا، حضره 800 مندوب، أوصى بإنشاء جهة تشاورية أوروبية (European Deliberative Assembly) وتأسيس مجلس أوروبي خاص (European Special Council) مهمتهما التحضير للتكامل السياسي والاقتصادي بين البلدان الأوربية. كما أوصى بإصدار إعلان لحقوق الإنسان، وبإنشاء محكمة عدل أوروبية. وتلى المؤتمر في 4 نيسان/أبريل من العام 1949 توقيع معاهدة تأسيس حلف شمال الأطلسي، الناتو بواشنطن.

في الضفة المقابلة، كان الفرنسيون سباقون في إطلاق نواة وحدة سياسية أوروبية، بدأت بلقاء مصالح اقتصادية؛ ففي 9 أيار/مايو من العام 1950 اقترح وزير خارجية فرنسا روبرت شومان (Robert Schuman) بتبني فكرة جين مونيت (Jean Monnet) توحيد مصادر الفحم والصلب الفرنسية والألمانية أو أي بلد أوروبي آخر يرغب في ذلك والذي عرف بـ”إعلان شومان”، حيث وقعت كل من بلجيكيا وفرنسا ولوكسمبورغ وإيطاليا وهولندا وألمانيا على “اعلان شومان”. وصدق  المؤتمر العام للمجلس الأوروبي في 28 آب/أغسطس على الاتفاقية، واختيرت لوكسمبورغ مقراً للمجموعة الأوروبية للفحم والصلب (EHTY). وشهدت روما بداية انطلاق المشروع في 25 آذار/مارس 1957، بمجموع الدول الست، وانضمت بريطانيا إلى هذا البناء الجديد في سنة 1972 مع ايرلندا والدانمارك.

كانت المملكة المتحدة في الأساس – الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس – تحلم بترجمة تضحياتها في الحرب الكونية إلى قيادة لم تحصل عليها لأوروبا تشرشل” فانتسبت إلى الإتحاد الناشئ، وعلى مدار 40 عاماً، كانت تضع قدماً داخل الاتحاد الأوروبي وقدما أخرى خارجه. وما جرى من استفتاء، كان مجرد سحب للقدم الأخرى إلى خارج الاتحاد، ولن يؤثر ذلك مؤسساتياً على الاتحاد، وإنما اكتسبت بريطانيا بذلك غطاء قانونياً لوضعها الفعلي القائم، وبذلك ستصبح ألمانيا وفرنسا هي التي تشكل الثقل الأكبر ومركز الاتحاد الأوروبي.

هل ساهمت بريطانيا في إطلاق الجيش الأوروبي الموحد؟

وينطبق هذا الحال على الوضع البريطاني العسكري في منظومة حلف الشمال الأطلسي؛ فقد كانت المشاركات العسكرية البريطانية من خارجه مع الحليف الأميركي الدائم أقوى من التعاون مع أوروبا الموحدة، بما يشي بأن التدخل البريطاني خارج الحدود كان تلبية للطلب الأميركي أكثر منه الأوروبي، والأمثلة كثيرة وكان آخرها المناورات المشتركة في جورجيا بمشاركة 150 جندياً بريطانياً مع 650 جندي أميركي إلى جانب 500 جندي من جورجيا، إلى إرسال القوات إلى أفغانستان والعراق ومشاركات عسكرية بريطانية في مناطق أخرى متفجرة لم يعلن عنها.

لم يكتفِ الإنكليز من عدم الإنخراط الكامل في الإتحاد الأوروبي اقتصادياً ومالياً، بل حالوا دون إنشاء “الجيش الأوروبي الموحد”، المشروع الذي استغرق ثمانية عشر شهراً من التحضير أمضتها مسؤولة السياسة الخارجية في الإتحاد الأوروبي “فيديريكا موغيريني” والذي بقي طي الكتمان حتى كشفت عنه صحيفة التايمز البريطانية الشهر الماضي. وكان السبب المعلل للتسويف تأجيل طرح الموضوع إلى ما بعد إعلان نتائج الإستفتاء على بقاء أو خروج المملكة المتحدة من الإتحاد.

هذا التسويف البريطاني لم يكن وليد الساعة، فقد اعترض البريطانيون على مشروع مماثل عام 2011، مما إبقاه تحت طابع السرية. ولم يرَ النور بعد الإعتاق البرطاني من الإتحاد.

هل انعتق الإتحاد من سياسة المماطلة والتسويف البريطاني وبدأ دراسات جدية “لإستراتيجية شاملة” في مجال الدفاع والأمن، فقد دعت موغيريني في 28 حزيران/يونيو – في اجتماع لم تحضره بريطانيا – الأوروبيين إلى زيادة “الاستثمار” و”التعاون” في مجال الدفاع والأمن، وأكد نص المشروع أن “الاتحاد الأوروبي (…) سيجهد لبناء صناعة أوروبية دفاعية متينة، هي أساسية لضمان ذاتية أوروبا في القرار والتحرك”.

لماذا انسحبت بريطانيا من الإتحاد؟

يقول الباحث التركي أردان زنتورك في صحيفة ستار إن “العالم يتحضر الآن لتقاسم الكعكة من جديد في العام 2030، ولذات السبب قررت المملكة المتحدة الانفصال على الاتحاد الأوروبي، من أجل التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية، حيث من المتوقع أن تتقارب كل من كندا وأستراليا ونيوزلندا إلى هذا التحالف، وهذه الدول هي صاحبة السعي الأكبر لتقاسم الحصص في أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ، وهناك حراك بين الحين والآخر لدول النرويج والدنمارك وهولندا. فيما تتشابك دول محور ألمانيا- فرنسا- إيطاليا- اسبانيا، والتي ستتمركز أكثر وتقوي نفسها في مركز الاتحاد الأوروبي، وليس كما يعتقد البعض بأنهم سيحلون الاتحاد الأوروبي، وسبب ذلك هو أنّ هذه الدول بحاجة بعضها البعض من أجل الوقوف في وجه مناورات التحالف الأميركي البريطاني”.

إنها قفزة إلى الأمام؛ إلى عالم 2030 على أساسها تخط الدول العظمى استراتيجياتها، ويتبوء الإنكليز سدتها، وليس صدفة أن تكون وجهتها نمو الطبقة الوسطى في المارد الهندي، والخوف من الحسابات الصينية المقبلة، وستبقى القارة الأفريقية بيدرها، والشرق الأوسط ملعبها ما لم ننتبه إلى حولنا، ونقيم الجامعة العربية القوية، ونحذو حذو المملكة العربية السعودية في خطتها الطموحة السعودية 2030.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate