“درع الفرات” والأمن القومي التركي

العميد م. ناجي ملاعب – 

نفد صبر أنقرة، ودخلت دباباتها مدينة جرابلس السورية الحدودية شمال محافظة حلب، في عملية سمّيت “درع الفرات” وذلك بهدف المحافظة على الأمن القومي التركي من خطر داعش وتفجيراتها الإرهابية من جهة والتمدد الكردي الذي تخشى أنقرة تواصله من على ضفتي حدودها السورية.

وكان الرئيس التركي أردوغان واضحاً في تحديد أهداف العملية العسكرية، بقوله “إن العملية التي بدأها الجيش التركي شمالي سوريا، تستهدف المنظمات الإرهابية، مثل داعش و”ب ي د” (قوات حماية الشعب الكردية)، فالمنظمات المستهدفة هي المنظمات الإرهابية فقط، بينما نشرت وسائل إعلام غربية بأن العملية تستهدف الأكراد، وهذا تشويه مرفوض، لأن الأحزاب الكردية المستهدفة هي الأحزاب الإرهابية، مثل المنظمات الإرهابية من داعش، فهم مستهدفون وهم ليسوا من الأكراد، وهذه الأحزاب الكردية أو داعش لم تستهدفها الدبابات التركية إلا بعد قيامها بأعمال إرهابية ضد تركيا، فالمسألة التي تعالجها الحكومة التركية هي حماية الشعب التركي، واستقرار المدن التركية في الجنوب، وعدم تعرضها لأي تهديد، علماً بأن جرابلس لا يوجد فيها إلا نسبة قليلة جداً من الأكراد أيضا”.

على مدى سنوات، بذلت الحكومة التركية جهداً مخابراتياً بتفاوض مباشر لم يعلن عنه إلا بعد انتهائه إيجاباً، توصلت بنتيجته مع سجينها عبدالله اوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني إلى تعهد بوقف القتال والتخلي عن السلاح مقابل اتفاقية تسهيلات تعهدت بها الحكومة. وقبل حوالي سنة ونصف نقض حزب العمال الكردستاني تعهداته واتفاقياته، مستفيداً من انفلات الوضع في الشمال السوري، ونسبت الحكومة التركية العمليات الإرهابية في المدن التركية، وبالأخص في جنوب شرق تركيا، إلى هذا الحزب، الذي أعلن عن تبنيها وتحمل المسؤولية عنها. وبعد تحقيقات أمنية تبين أن الأراضي السورية كانت مصدر الأسلحة والمتفجرات، مما جعل الدولة التركية تدرك المخاطر المتزايدة الآتية من الأحزاب الكردية السياسية والعسكرية السورية، وحذرت الدول الكبرى الأوروبية وأميركا وروسيا، وحتى الدول الإقليمية بأن هذا الحزب حزب إرهابي، ينبغي مكافحته مثل باقي التنظيمات الإرهابية المنتشرة في العالم، لأنه يعمل لتحقيق أهدافه بالطرق العنفية والقتل والتفجير في الطرق والمنتزهات والمطارات والحافلات المدنية وقد قتلت المئات، وأضرت بالاستقرار الأمني والاقتصادي في تركيا.

وأبدت تركيا اعتراضاً على الحضور العسكري الأميركي ليس فقط في مجالات التدريب لقوات سوريا الديمقراطية وقوامها الأساسي من الأكراد الذين تتهمهم تركيا بأنهم جزء من حزب العمال الكردستاني لكن اعتراضها لم يلقَ آذاناً صاغية. وبعد أن سيطرت تلك القوات على منبج، المدينة ذات الغالبية العربية، تحت عنوان قتال تنظيم الدولة، ولم تنسحب، مخالفة التأكيد الأميركي لوزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو بأنّ الوحدات الكردية ستنسحب من منبج بعد التحرير، لا بل منعت المجلس المحلي للمدينة الذي كان قد طُرد على يد تنظيم الدولة من العودة اليها، وقد أُعلن عن انسحابها بعد العملية وما زال الغموض يشوب هذا الإنسحاب.

نفذ صبر أنقرة، بعد سكوتها على الدور الألماني في تدريب وتسليح البيشمركة، لا بل أتاحت تركيا لتلك القوات الدخول إلى عين العرب (كوباني) من أراضيها لإستعادتها من تنظيم داعش. وبعد أن وضعت قاعدة إنجرليك في تصرف قوات التحالف الدولي في محاربة “تنظيم الدولة الإسلامية” لا سيما بعد سيل الاتهامات الغربية لتركيا بالإستفادة من وجود تنظيم داعش عبر فتح خطوط برية غير شرعية، استخدمت لتهريب مقاتلين وبضائع وحاجيات، قبل أن تبدأ تركيا بإنشاء جدار عازل على حدودها مع سوريا والعراق. وأخذ الإعلام التركي على دول الإتحاد الأوروبي التباطؤ في إدانة أعمال التفجيرات الدموية الإرهابية التي ضربت مدناً ومرافق سياحية تركية نفذتها داعش.

تقيدت الحكومة التركية بأسباب وضوابط كانت حتى بدء هذه العملية قيد الإعتبار، فبالرغم من مرور أكثر من خمس سنوات على المعارك والحروب التي تجري في سوريا، فقد احتضنت تركيا على أراضيها القوى السياسية السورية المعارضة للنظام، بمن فيهم فصائل كردية، ولم تقفل حدودها أمام موجات النزوح الكثيف نتيجة الأعمال الحربية التي لم تحترم المدنيين، وقدمت الدعم للشعب السوري داخل الأراضي السورية بحكم ما تعرض له من قتل وجرح وتدمير وتجويع وحصار وظلم. ولم تتخذ قرار دخول دباباتها إلى الأراضي السورية، إلا بعد ان صيغت أمام أعينها حول سوريا خيوط مكوكية بين روسيا واسرائيل، وبعد ان سلك التعاون العسكري بين الروس وطهران وما استحضرته الأخيرة من قوى الى الداخل السوري بأكمله طريقه المعبدة، وبعد أن استخفت الولايات المتحدة بالإعتراض التركي على دعم وتسليح وتمكين قوات سوريا الديمقراطية ذات القوام الكردي، وبعد استحكمت فيها الخشية من دور أميركي أو أجنبي في المحاولة الإنقلابية التي قمعتها بقوة رغم ضلوع ضباط كبار من الجيش والقوى المسلحة وبعض القضاء والإدارة في تلك المحاولة.

لذلك فقد اختارت تركيا بهذه الخطوة الدفاع عن أمنها القومي، كما أوضح الرئيس التركي أردوغان: “إن تركيا ستتخذ الخطوات اللازمة من أجل مستقبلها، ومن أجل أمن وسلام إخوتنا السوريين”، ويبدو أن قرار التدخل لم تنفرد به الحكومة التركية، وإنما يتم بالتفاهم مع قوات التحالف، والولايات المتحدة، والدول الأوروبية، بدليل تأمين غطاء جوي من قوى التحالف، ومع روسيا التي زارها الرئيس التركي مؤخراً.

ويبقى السؤال أين ينتهي حدود الأمن القومي التركي في الزمان والمكان، وهل كان الدعم الذي حصل عليه أكراد سوريا محفزاً لإستدراج العسكر التركي إلى المغطس السوري الذي يستقطب القوى ولا يعيدها!

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.