الأبرز

الأمن الأوروبي ما بعد مؤتمر ميونيخ (1)‏

مؤتمر ميونيخ
المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل (إلى اليمين) ونائب الرئيس الأميركي مايك بينس (إلى اليسار) يغادران بعد مكالمة مصورة خلال مؤتمر ميونيخ الأمني الخامس والخمسين (MSC) في ميونيخ، جنوب ألمانيا، في 16 شباط/فبراير 2019 (AFP)

العميد م. ناجي ملاعب

النظام العالمي يتفكك، ويتساءل الأوروبيون قلقين: من سيقوم بتجميع الأجزاء المتناثرة؟ وهذا السؤال ركز عليه مؤتمر ميونيخ الدولي للأمن هذا العام. والجواب على هذا السؤال غير مشجع ولا يدعو للتفاؤل.   

يُعتبر مؤتمر ميونيخ الدولي للأمن أهم وأكبر لقاء من نوعه على مستوى العالم. وذلك بمشاركة نحو 40 رئيس حكومة ودولة و100 وزير، بينهم أيضا المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل ونائب الرئيس الأمريكي مايك بينس ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، والرئس المصري عبدالفتاح السيسي وهو الرئيس العربي الوحيد المشارك.

“مؤتمر ميونيخ للأمن الدولي مكان يتم فيه اختبار أفكار وعقد تحالفات وترتيب استعدادات للتقدم في عملية السلام أو البداية فيها”، يقول فولفغانغ إيشنغر، رئيس المؤتمر. فاستعراض السياسات العامة في القاعات الكبرى هو بنفس الأهمية التي تكتسيها اللقاءات السرية للوفود في الغرف المغلقة.

اليوم، لم تعد الخلافات بين الولايات المتحدة الأمريكية وبعض حلفائها في الاتحاد الأوروبي خافية على أحد، وهذا ما أكدت عليه التصريحات التي أدلى بها مايك بنس نائب الرئيس الأمريكي، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، خلال المؤتمر الذي انعقدت فعالياته في الجنوب الألماني، منتصف فبراير/شباط من العام الحالي. وجاء تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بالمناسبة، بأن “هناك من يتحدى مصالحنا واقتصادنا وقوتنا، وفي مواجهة هذه الأخطار الرهيبة فإننا نعلم أن الضعف هو أضمن طريق للنزاع وان القوة التي لا مثيل لها هي أضمن الوسائل للدفاع الحقيقي المتين عن أنفسنا”.

فهل أن “تحدي المصالح والإقتصاد والقوة الأميركية” مصدره أوروبا فقط، أم أن الإدارة الأمركية الجديدة متخوفة من “أخطار رهيبة” تتجاوز الحليف الأوروبي، وما هي السيناروهات المحتملة أمام أوروبا لمعالجة التحديات؟.

إلى متى سيبقى “الحليف الأوروبي” خارج أي موقع لصياغة سياسة خارجيّة، أمنيّة، أو دفاعيّة

تنظر الباحثة البارزة غير المقيمة في مركز “كارنيغي” -أوروبا جودي ديمبسي الى أنّ القادة الأوروبيين لا يؤدّون لأنفسهم خدمة عندما يهاجمون ترامب وتضيف أنّه حتى ولو هُزم الأخير، فالتغيير في البيت الأبيض لن يطلق تغييراً جذريّاً في ديناميّات ما يحصل في أوروبا أو خارجها. “هذا لأنّ أوروبّا، متجسّدة في الاتّحاد الأوروبي، تفتقر إلى الأدوات الاستراتيجيّة، العقليّة، والقيادة لإعادة تشكيل العلاقات مع الولايات المتّحدة خصوصاً والغرب عموماً”. وتتابع: “بعد أكثر من سبعين عاماً من الدعم الأميركيّ الثابت لأوروبّا، لا يزال الاتّحاد الأوروبّي كتكتّل خارج أي موقع لصياغة سياسة خارجيّة، أمنيّة، أو دفاعيّة”، مشيرة إلى أنّه يصعب أن يُحدِث الاتّحاد “فرقاً” في نقاط التوتّر المختلفة حول العالم.

ويعتبر رئيس مؤتمر ميونيخ الدبلوماسي الألماني السابق وراعي المؤتمر أن غياب سياسة دفاعية أوروبية موحدة وتحدي البركسيت يضع الإتحاد الأوروبي أمام تحدٍ جديد يتمثل في احتواء خسارته للجيش البريطاني أقوى جيش أوروبي و”هو ما يلقي على عاتق ألمانيا وفرنسا مسؤولية ثقيلة لكنها تاريخية وهي توحيد صفوف العالم الحر قبل فوات الأوان”.

وقد جاء الموقف الأخير المتمثل بخروج الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى ليشكل أكبر خطر يهدد أمن أوروبا، كما يحذر تقرير مؤتمر ميونيخ للأمن. وللتذكير فقد شهد هذا المكان في العام 2009 وعلى هامش المؤتمر، انطلاق المفاوضات بشأن اتفاقية مراقبة التسلح النووي “ستارت الجديدة”. وبعدها بسنتين وقعت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، هيلاري كلينتون ونظيرها الروسي سيرغي لافروف وثائق المصادقة على الاتفاقية في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن السنوي.

الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي.. والروس بينهما

تظهر الشعارات التي يرفعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانحياز الشامل نحو مصالح الولايات المتحدة “أمريكا أولا”، من دون النظر لمصالح أصدقائه في أوروبا، ما يجعل من الأوروبيين خائفين على مستقبلهم، فيدفعهم ذلك الى خلق علاقات متوازنة مع روسيا، وخصوصا ألمانيا وما تعوِّل عليه من الغز الروسي لإقتصادها القوي.

فقد دافعت رئيسة وزراء ألمانيا أنجيلا ميركل عن مصالح بلادها – الاقتصاد الاكبر في الاتحاد الأوروبي – في الحصول على الغاز الروسي عن طريق مشروع (نورد ستريم2) الحديث، والذي ينقل الغاز الروسي لألمانيا عن طريق بحر البلطيق، وخلصت في كلمتها أمام المؤتمر، الى أن مصالح أوروبا لا تقتضي بالضرورة قطع العلاقات مع روسيا.

الرد الأمركي لم يتأخر، فقد شكر نائب الرئيس الأميركي مايكل بنس علناً كل الشركاء الأوروبيين الذين اتخذوا موقفا معارضا بشكل واضح لمشروع خط أنابيب الغاز “نورد ستريم 2″، ودعا دولاً أخرى للوقوف ضده وقال “لا يمكننا ضمان الدفاع عن الغرب (الاتحاد الأوروبي) إذا اعتمد شركاؤنا في حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الشرق(روسيا)”.

إلا أن ميركل استدركت الرد بموقف تاريخي آخر قائلة ً “إذا كنا إبان فترة الحرب الباردة قد استوردنا غازاً روسياً بكميات كبيرة، فلا أدري لماذا صار في هذه الأزمنة الأمر أسوأ كثيراً لدرجة أننا لا نقول إن روسيا ستظل شريكا”.

وستنظر روسيا من جانبها إلى الجهود الأميركية الرامية إلى إقامة حوار أوثق مع الجمهوريات السوفيتية السابقة في آسيا الوسطى، وفي القوقاز ومنطقة بحر البلطيق بوصفه تهديدا لها. ويبرز في هذا المجال الإهتمام الأميركي بأوكرانيا، التي سوف تصبح دولة بالغة الأهمية في المنطقة من وجهة نظر الولايات المتحدة. حيث من المحتمل أن يستخدم الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو أوكرانيا كجدار دفاعي وسيزيدان من مساعدهما المالي والعسكري لكييف.

في الجزء الثاني من المقالة: هل يودي الضغط الأميركي على أوروبا إلى القفز الى الحضن الروسي – تركيا نموذجاً

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.