تحليل: ما هي خيارات تركيا بعد الخروج من برنامج أف-35؟

مقاتلة أف-35
مقاتلة "أف-35بي لايتنينغ 2" تقترب من سفينة الهجوم البرمائية ‏USS Wasp‏ في 18 نيسان/أبريل ‏‏2018، في أعقاب هجوم استكشافي كجزء من تمرين الشهادة (‏CERTEX‏) في بحر الفلبين (‏MC1‎‏ ‏Daniel Barker/Navy‏)‏

محمد الكناني – بوابة الدفاع المصرية

بعد إعلان البيت الأبيض والبنتاغون في 17 تموز/يوليو الجاري، استبعاد تركيا من برنامج مقاتلة الجيل الخامس الشبحية F-35 Lightning II، بعد استلامها لمنظومة الدفاع الجوي الروسي بعيد المدى S-400 Triumph، أعلن مدير شركة “روستيك” للصناعات الدفاعية والتقنية، والمملوكة للحكومة الروسية، استعداد بلاده تزويد تركيا -إن شاءت- بمقاتلات ” Su-35 Super Flanker ” كبديل للـF-35 الأميركية.

فما هي الخيارات المتاحة أمام تركيا، وهل تصلح الفلانكر الروسية كبديل للبرق الأميركية؟

– أولا الـF-35 هي مقاتلة جيل خامس شبحية، متعددة مهام 5th Generation Multirole Fighter تم تصميمها خصيصا لتكون بديلا مستقبليا على المدى الطويل لمقاتلات ” الصقر المقاتل F-16 Fighting Falcon ” ( مستمرة في الخدمة بعد التطوير حتى 2040 – 2050 )، ” الدبور F/A-18 Hornet ” ( مستمرة في الخدمة حتى العقد القادم )، وطائرة الدعم والإسناد والهجوم الأرضي ” الصاعقة A-10 Thunderbolt II ” ( ستبقى في الخدمة حتى 2030 ).

مقاتلات F-35 صُممت خصيصاً لتنفيذ المهام الهجومية لاختراق شبكات الانذار المبكر وفتح الثغرات / إخماد الدفاعات الجوية للعدو وتحييد الأنظمة الحديثة منها وخاصة S-300 / S-400، وتقديم الدعم الإلكتروني للمنصات والقوات الصديقة من خلال مستشعراتها الثورية التي تجعل منها منصة استطلاع إلكتروني تعمل في عمق العدو / على جبهات القتال الرئيسية، قادرة على نقل كل ماترصده آنياً من إحداثيات وصور وفيديو، مع قدرة توجيه الذخائر الذكية والصواريخ الجوالة المُطلقة من المنصات الصديقة ( سفن – غواصات – مقاتلات – درونز ) بفضل ما تملكه من تقنيات معالجة وصهر البيانات الفائقة ووصلات البيانات الثورية عالية الحصانة، للعمل بمفهوم حروب المستقبل القائمة على الشبكات Network-Centric Warfare، بخلاف القدرة المستقبلية التي ستحصل عليها لتنفيذ مهام الحرب السيبرانية Cyber Warfare لمهاجمة واختراق شبكات المعلومات والقيادة والسيطرة والاتصالات وحقنها بالمعلومات والإحداثيات الخاطئة، إلى جانب قدرات الإعاقة والشوشرة الإلكترونية بأنماطها المختلفة.

بالتالي، فإن F-35 تميل أكثر للأدوار الهجومية والاستطلاعية الدقيقة / الخطرة، مع قدرات اشتباك جوي ربما لا تكون الأفضل بسبب امكانات المناورة المحدودة وقدرات الدفع التي لا تسمح لها بالوصول لسرعات فوق صوتية كبيرة، ولكن، وبفضل صواريخ الاشتباك الحرارية قصيرة المدى مع الخوذة الثورية للطيار، والتي تسمح له برؤية كل ماهو محيط بالمقاتلة وتوجيه كافة اسلحتها بمجرد النظر في مختلف الاتجاهات من خلال المستشعرات الكهروبصرية / الحرارية المُوزعة على جميع أنحاء بدنها، فإنها يمكن أن تكون قاتلاً صامتا في الكمائن الجوية، وخاصة إذا ما أضفنا لها قدرات التخفي بفضل بصمتها الرادارية الشبحية البالغة 0.0015 متر² من الأمام.

– ثانيا الـSu-35 هي مقاتلة جيل رابع متقدم Generation 4++ Fighter لديها تعددية للمهام بكل تأكيد، ولكنها مصممة بشكل رئيسي كمقاتلة تفوق جوي Air Superiority Fighter ( كالـF-15C Eagle ) قادرة على فرض السيطرة الجوية فوق سماء المعركة لتحييد كافة الطيران المعادي وتوفير الغطاء الكامل للقوات الأرضية وللمقاتلات الصديقة متعددة المهام أثناء تنفيذها للمهام الهجومية. كما يدخل في صميم مهامها أعمال مرافقة وحماية الأهداف الجوية عالية القيمة High Value Air Asset HVAA Escort كطائرات الإنذار المبكر والتحكم المحمول جوا AWACS وطاترات الاستطلاع الإلكتروني / الحرب الإلكترونية وطائرات النقل الاستراتيجي وطائرات التزود بالوقود جوا Tanker، وهي جميعها أهداف رئيسية للطيران الاعتراضي ووسائل الدفاع الجوي للعدو.

الـSu-35 أيضا تُصنف كمقاتلة ضاربة Strike Fighter ( كالـF-15E strike Eagle ) بفضل مداها العملياتي الكبير، مع القدرة على حمل الاسلحة الثقيلة وبعيدة المدى كالصواريخ الجوالة المضادة للسفن والأهداف الأرضية، وقدرة حمل حواضن الحرب الإلكترونية الثقيلة المُخصصة للتشويش على رادارات الدفاع الجوي، لتعمل كمنصة حرب إلكترونية لمرافقة وتغطية المقاتلات متعددة المسؤولة عن تنفيذ الهجوم Escort Jamming Platform ( كالـEA-18E Growler ).

وفيما يتعلق بالقتال الجوي، فإن Su-35 تتميز بالحمولة الكبيرة والمتنوعة من صواريخ جو-جو للاشتباك بعيد، متوسط وقصير المدى، مع الفدرة الفائقة على المناورة بفضل تصميمها الإيروديناميكي الفريد، وقدرات الدفع الهائلة من محركيها المزوّدين أيضا بفوّهات الدفع المُوجّه Thrust Vectoring Control TVC Nozzles. وتُعد البصمة الرادارية والحرارية الكبيرة أهم عيوب المقاتلة كونها غير شبحية، مما لا يسمح لها بتنفيذ المهام الهجومية والاستطلاعية الخطرة، إلى جانب التكلفة التشغيلية الهائلة، ومضافاً لما سبق فإن تقنيات صهر البيانات والربط وتبادل المعلومات لديها ليست بنفس التطور والقوة لدى المقاتلات الأمريكية وخاصة F-35.

لا توجد أية نسخ أخرى من Su-35 للعمل على متن حاملات الطائرات او سفن الهجوم البرمائي الحاملة للمروحيات.

لذا، فإن Su-35 لا يمكن أن تكون بديلا لـF-35، نظراً لاختلاف المهام والاختصاصات، وكذلك الأجيال فيما بينهما.

* الخيارات التركية :

سلاح الطيران التركي كان يُخطط لامتلاك 100 مقاتلة طراز F-35A، كما أنه خلال العقد القادم، سيكون في حاجة لعدد اخر من المقاتلات كبديل للنسخ القديمة من F-16 التي ستخرج من الخدمة.

تمتلك تركيا عددا من الخيارات لامتلاك مقاتلة جديدة لتعزيز أسطول F-16 العامل لديها والذي يُمثل العمود الفقري لقواتها الجوية :

1- الاتجاه لمقاتلة غربية أخرى سواء أوروبية كالـRafale الفرنسية او الـEurofighter Typhoon الأوروبية او الـJAS 39 Gripen NG السويدية -هذا سيسهم في دعم وتعزيز العلاقات بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي- او أمريكية في حال تحسّن العلاقات بما يسمح بالحصول على F-16 Block 70 الأحدث من نوعها، او F/A-18E Advanced Super Hornet وهي جميعها مقاتلات متعددة مهام، وهناك بالطبع خيار F-15X/EX أحدث النسخ من F-15E Strike Eagle إذا كانت ترغب أنقره في مقاتلة سيادة جوية ضاربة.

2- العمل على استكمال تطوير المشروع المحلي TAI TF-X، ولكن ستكون هناك مجموعة من العراقيل وعلى رأسها، أن الشركات التركية مازالت لا تملك الخبرات في مجال تصميمات المقاتلات من الأجيال الحديثة، وخاصة أن خبراتها السابقة اكتسبتها من تجميع مقاتلات F-16 بترخيص أمريكي، ولم تكتسب الخبرة الكافية من تصنيع بعض المكونات الخاصة بـF-35 ( تشارك الشركات التركية في تصنيع 6 – 7% من مكونات F-35 )، وخاصة بعد استبعادها من برنامج المقاتلة الأمريكية. وتصميم TF-X لم يكن ليتم في الأصل دون المعاونة التقنية المكثقة من شركة BAE Systems البريطانية، بخلاف المعاونة التقنية المستهدفة لتدبير المحرك والمقدمة من EuroJet Turbo GmbH وهو كونسورتيوم اوروبي ( Rolls-Royce البريطانية – MTU Aero Engines الألمانية – Avio الإيطالية – ITP الإسبانية )، ناهيك عن الأنظمة الإلكترونية المعقدة كالرادار واجهزة الملاحة وكمبيوتر المهام والتي لا يمكن للشركات التركية منفردة ان تنتجها دون معاونة تقنية خارجية من شركة Raytheon الأمريكية او Thales الفرنسية على سبيل المثال وليس الحصر. هذا دون الإشارة للأوضاع الاقتصادية الآخذة في التدهور بسبب السياسات الرعناء التي ينتهجها أردوغان.

3- التعاقد مع روسيا على المقاتلة Su-35 أو حتى مقاتلة الجيل الخامس Su-57 والتي تُعد تطويرا لعائلة الفلانكرز كونها مقاتلة سيادة جوية ضاربة من الجيل الخامس ذات بصمة رادارية مُخفضة تبلغ تقريبا 0.1 – 0.5 متر². ولكن هذا الخيار يعني مزيداً من التحول التركي السياسي ناحية روسيا، والذي سيتسبب في مزيد من الصدع مع الولايات المتحدة وحلف الناتو، بل ربما خروج تركيا بشكل كامل من الحلف. فالمقاتلة الروسية لا يمكن دمجها ضمن شبكة الدفاع الجوي والصاروخي والقيادة والسيطرة لحلف الناتو ولا يمكنها مشاركة البيانات والمعلومات مع المنصات الغربية ( فقط الاتصالات الصوتية ) التي تعتمد عليها تركيا في سلاحها الجوي وكافة قواتها المسلحة.

أيضا، فإن شراء المقاتلات الروسية سيتسبب في فقدان الشركات التركية لكافة الميزات والخبرات والتقنيات المكتسبة من التعاون مع الشركات الغربية، بل وسيطيح بها من سوق صناعات الطيران العالمي، بسبب العقوبات والقيود التي ستفرض عليها، ولن تكون قادرة على تسويق منتجاتها للخارج وستقتصر على الاحتياجات المحلية فقط. كما أن هذا الخيار وما يتبعه من عقوبات، سيتبب في مزيد من الخسائر والاستنزاف للاقتصاد التركي المتضرر فعليا.

4- الخيار الأخير، هو إلغاء عقد S-400 بكل بساطة وإعادة المنظومة لروسيا، والعودة سريعا مرة أخرى لبرنامج المقاتلة F-35 وإنقاذ الشركات الوطنية والاقتصاد التركي من المزيد من الأضرار والتداعيات، ولكن، وفي ظل السياسات الحالية لأردوغان والمتسمة بالعناد والغرور والرعونة الغير مسبوقة، فإنه خيار غير مُرجح.

يجب على أردوغان التفكير ملياً في خياراته المحدودة، وإذا كان راغباً في إنقاذ بلاده من تداعيات قراراته الغير مسؤولة، فعليه أن يسلك المسار السابق لخطوة التعاقد على الـS-400 واستعادة العلاقات القوية / الصحية مع الولايات المتحدة وحلف الناتو، وتجنيب الاقتصاد التركي والصناعة الوطنية خسائر فادحة.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.