الصواريخ الجوالة – التهديدات والتدابير المضادة (1)

صاروخ كاليبر
صاروخ كاليبر الروسي (أرشيفية)

محمد الكناني

الصاروخ الجوال هو صاروخ مُوجّه مُضاد للأهدف الأرضية عالية القيمة (مطارات – محطات رادار وانذار مبكر – مراكز قيادة وسيطرة – بطاريات دفاع جوي)، مُطلق من مُختلف المنصات، الجوية، البحرية، والبرية، ذات سرعة عالية، ويتخذ مساراً للطيران المُنخفض بشكل موازٍ لسطح الأرض، ويختلف عن الصواريخ الأخرى في مداه البعيد، ورأسه الحربي ذات الحمولة الكبيرة (تقليدي او نووي)، وهامش الخطأ البسيط، وأيضا يختلف عن الطائرات بدون طيار، في أنه لا يتطلب وجود ملاح أرضي بشري يقوم بتوجيهه، بل يطير بناءا على مسار مُحدد بشكل مُسبق، ويحوي نظاماً ملاحيا داخلياً لتوجيهه وضبط مساره حتى إصابته للهدف.

الأنواع الحديثة من الصواريخ الجوالة قادرة على الطيران بسرعات مادون صوتية او فوق صوتية، ولديها أنظمة ملاحية ذاتية عالية الدقة، ومنها مايمتلك التصميمات الشبحية لخفض نسبة التعرّض للرصد من قبل وسائل الدفاع الجوي ولتحقيق أقصى درجة من عنصر المفاجأة، وتطير في مسارات غير باليستية ( لا تتخذ مسارا قوسيا Ballistic Trajectory كالصواريخ البالستيكية ) شديدة القرب من سطح الأرض Extreme Low-Altitude Trajectory، وتُعتبر -بما تملكه من محركات نفاثة وأجنحة- مُقاربة إلى الطائرات الغير مُسيّرة بطيار.

تعتمد الصواريخ الجوالة الحديثة في الملاحة والتوجيه على نظام الملاحة بالقصور الذاتي Inertial Navigation System INS الذي يعتمد على الاحداثيات المُستلفة مُسبقا والخرائط المُخزنة في ذاكرة كمبيوتر المهام، ونظام الملاحة بالقمر الصناعي Global Positioning System GPS، ونظام مُطابقة كفاف التضاريس Terrain Contour Mapping TERCOM الذي يعمل على مطابقة التضاريس الأرضية اثناء طيرانه بما لديه من خرائط ثلاثية الأبعاد مُسجّلة لديه مسبقا من خلال رادار قياس الإرتفاعات Radar Altimeter الذي يٌساعد على زيادة الدقة بما يسمح للصاروخ للطيران على ارتفاعات اكثر انخفاضا مما يزيد من صعوبة رصده بواسطة انظمة الدفاع الجوي. أخيرا نظام التعرف على الاهداف بشكل أوتوماتيكي من خلال تصويرها ومطابقتها بما يملكه من صور مُخزّنة مُسبقا Digital Scene Matching Area Correlator DSMAC.

تاريخ تطور الصواريخ الجوالة:

كان أول استخدام للصواريخ الجوالة اثناء الحرب العالمية الثانية، ألمانياً، مُتمثلا في صواريخ أرض-أرض المُسماة ” V-1 ” نسبة إلى كلمة ” Vergeltung ” الألمانية التي تعني ” الانتقام Retribution “، وتم إطلاقها على لندن لأول مرة يوم 13 يونيو 1944، بكميات هائلة وصلت الى 9521 صاروخاً إلى ان تم القضاء على كافة مواقع الإطلاق ذات المديات التي تصل إلى العاصمة البريطانية بحلول أكتوبر 1944، ثم استمرت عمليات الحلفاء للقضاء على باقي المواقع حتى سقوط آخرها في هولندا بتاريخ 29 مارس 1945.

الصاروخ الألماني كان يبلغ مداه 250 كم، وامتلك رأسا حربيا ثقيل يزن 850 كج، ومحركاً نفاثاً نبضياً Pulsejet (أقدم وأبسط أنواع المحركات النفاثة Jet Engines)، ونظام توجيه تمثّل في طيار آلي مبني على البوصلة الدوّارة Gyrocompass. وكانت الفكرة وراء هذا الصاروخ هي نفسها التي تم اتباعها منذ ذلك الحين مع كل الصواريخ الجوالة، وهي الهجوم على أهداف بعيدة دون الحاجة لطيار او عنصر بشري للتوجيه.

كان للولايات المُتحدة السبق في تطوير الصواريخ الجوالة عام 1944 عندما قامت باستنساخ الصاروخ الألماني V-1 لتُنتج الصاروخ ” Republic-Ford JB-2 ” ويُعرف أيضا بـ” LTV-N-2 Loon “، والذي لعب دورها هاما في تطوير صواريخ أرض-أرض جوّالة أكثر تطورا كـ” MGM-1 Matador ” وMGM-13 Mace وأيضا الصاروخ SSM-N-8A Regulus التابع للبحرية الأمريكية، والذي جاء بعده بفترة زمنية الصاروخ الأشهر على الإطلاق ” توماهوك BGM-109 Tomahawk ” المُطلق من السفن والغواصات ومداه 1700 كم. كما تم تطوير عدد من الصواريخ الجوّالة المُطلقة جوا اهمها AGM-86، المُطلق حصراً من قاذفات القنابل الاستراتيجية B-52 ومداه 1200 كم في احدث نسخه وAGM-158 JASSM المُطلق من المقاتلات وقاذفات القنابل الاستراتيجية B-52 / B-2 / B-1B ومداه +370 كم للنسخة القياسية و+1000 كم للنسخة JASSM ER.

لحق الاتحاد السوفييتي بالولايات المتحدة عندما قام بتطوير وإنتاج أول صاروخ جوّال طراز 10Kh عام 1945 بمساعدة من تصميمات الصاروخ الألماني V-1 الذي تم الحصول عليه جزئيا من قبل القوات السوفييتية من مُنشأة الاختبارات النازية بقرية ” بليزنا Blizna ” في بولندا. لتعقبه بتطوير عدد من الصواريخ الجوّالة المُطلقة من المنصات الجوية والبحرية والارضية، اخرها واشهرها Kh-55M المُطلق من قاذفات القنابل الاستراتيجية ويبلغ مداه 3000 كم، وKh-101 المُطلق هو الآخر من القاذفات الاستراتيجية ويبلغ مداه 5000+ كم، وKalibr NK المُطلق من الغواصات والسفن والبالغ مداه 1500 – 2500 كم، وR-500 المُطلق من المنصات الأرضية والبالغ مداه +500 كم.

الإستخدام العملياتي للصواريخ الجوالة:

تُعد الولايات المُتّحدة الأكثر استخداما للصواريخ الجوالة بشكل عملي في الحروب، حيث اطلقت اكثر من 4000 صاروخ Tomahawk من السفن والغواصات وAGM-86 من قاذفات القنابل الاستراتيجية ضد أهداف متنوعة ومُختلفة بداية من عام 1991 وحتى عام 2018 في كل من العراق ويغوسلافيا وافغانستان وليبيا وسوريا.

تأتي روسيا في المركز الثاني بعد الولايات المتحدة في استخدامها للصواريخ الجوالة في الحروب من طرازات Kalibr NK المطلق من السفن والغواصات، وKh-55M وKh-101 المطلقة من قاذفات القنابل الاستراتيجية، ضد تنظيم داعش الإرهابي في سوريا في الفترة 2015 – 2017.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate