سباق التسلّح في الحروب الحديثة الذكاء الصناعي: بين الصين، روسيا والولايات المتحدة

نموذج للروبوتات القتالية التي تجسد الذكاء الصناعي
نموذج للروبوتات القتالية التي تجسد الذكاء الصناعي

أغنس الحلو زعرور


مع التغييرات الحاصلة في أنواع الحروب في العالم من حرب مباشرة إلى حرب بالوكالة إلى الحرب الهجينة إلى الحرب اللاتماثلية، تقف الدول الكبرى على قاب قوسين من تصدّر القوة العسكرية العصرية. فهي عتبة تفصل بين بزوغ فجر التفوّق العسكري وبين التأخر لسنوات وسنوات وعدم اللحاق بقطار التقنية الذي يسير بسرعة ضوئية. نعم، إننا نقف عند الحد الفاصل بين كل ما عرفناه من حروب تقليدية وبين ما سنعرفه من حروب مستقبلية. ولا يعتبر تضخيما إذا قلنا بأن أفلام الخيال العلمي التي تتخوّف من سيطرة الآلة على الإنسان وتتّخذ قرارات مصيرية عنه، أصبحت أقرب إلينا مما نظنّ. وإذ بالولايات المتحدة والصين وروسيا تسعى إلى الوصول أولا إلى خط النهاية أولا والفوز ولكنه ليس إلا خط البداية. بداية عصر جديد في الحروب شهدنا أول معالمه في الآونة الأخيرة، إنه عصر الذكاء الاصطناعي.


الذكاء الصناعي بمعناه المعجمي هو عندما تستطيع أنظمة الكومبيتر أن تؤدي مهاما تتطلب ذكاء الإنسان، مثل الإدراك، فهم الخطاب، أخذ القرارات، والترجمة بين اللغات. ولكن كيف إذا أخذت أنظمة حاسوب صمّمها الإنسان قرارا بضرب هذا الهدف أو ذاك؟ لا لم يعد هذا محض خيال بل أصبح واقعاً بالأدلة الحسية.
فالأنظمة المسيّرة عن بعد من طائرات بدون طيار، إلى آليات غير مأهولة إلى زوارق مسيّرة كلها تقوم بمهام الإستطلاع والمراقبة وربط البيانات والمعلومات وتحليلها، حتى أن بعضها مزوّد بأسلحة وذخائر يتم إطلاقها على الأهداف. لا بل تخطّى الواقع الفعلي ذلك، فقد تم إنتاج برج للدبابة يتم التحكّم فيه عن بعد، المروحيات غير المأهولة التي تقلع عامودياً، الغوا صات المسيّرة شبيهة بالطوربيد مثل “بوسيدون” الروسي وغيرها الكثير من الأدلة الدامغة.
ولعّل إنفاق الولايات المتحدة الأميركية الهائل على الطائرات المسيّرة الذي ارتفع من 283 مليون دولار عام 2000 إلى 7.5 مليار دولار عام 2018 هو خير دليل على توجّه السوق المعاصر والحصة الكبرى التي يحصل عليها الذكاء الصناعي في عصرنا الراهن، رغم أنه لا يزال في مرحلة التطوير.

الذكاء الصناعي بالأرقام:


تم تقدير الإنفاق على الذكاء الإصطناعي عالمياً عام 2019 بحوالي 1453.81 مليون دولار، ومن المتوقّع أن يرتفع إلى 10781.27 مليون دولار عان 2025، أي بحوالي 40.25% كمعدّل نمو سنوي، بحسب ما نقل تقرير موردور إنتليجنس. وتحاول الصين الإعتماد على الذكاء الإصطناعي لتطوير قدراتها الدفاعية، ولتتصدّر العالم في هذا القطاع بحلول عام 2030.


ويعتبر الطلب المتزايد على أسلحة الدمار الشامل العامل المسرّع لنمو هذه السوق. كما وإن إرتفاع عدد إختبار الأسلحة النووية في الدول، مثل كوريا الشمالية، يساهم أيضاً في نمو هذه الأسلحة. والجدير بالذكر أن أسلحة الدمار الشامل هي أسلحة خطيرة منها راديولوجية، بيولوجية، أو كيميائية.


وأدى ظهور منظمات إرهابية حول العالم مثل تنظيم الدولة الإسلامية، إلى تركيز متزايد على إستخدام التكنولوجيا، في حقول مكافحة الإرهاب والأنشطة الدفاعية. وبعد الدراسات والأبحاث تم التأكّد أن الأنظمة المسيّرة تضاعف القوة في المعارك.


ويمكن تطوير التطبيقات التي تشمل جمع المعلومات من قواعد البيانات حول العالم، أدوات تدريب الجنود، المعلوماتية الحيوية، وخيارات الأمن التي يقدّمها الذكاء الاصطناعي عبر حواسيب ذكية. و بفضل الكفاءة التي تقدّمها التقنية، بدأ العلماء بتطبيق الذكاء الصناعي في القطاع الدفاعي للتقليص من محدودية الإنسان في هذا القطاع. وزاد استخدام الأنظمة المسيرة الجوية، البحرية والبرية، وآليات الصيانة وأنظمة القتال التي تعتمد على الذكاء الصناعي.

لماذا اللجوء إلى الأنظمة العسكرية المسيّرة؟
على الرغم من الجدل الكبير حول أخلاقيات إستخدام الأنظمة المسيرة والتي تعمل تلقائيا على ضرب الأهداف دون العودة إلى مشغّلها البشري، إلا أن هذه الأنظمة تزخر بالإيجابيات. فتستخدم الأنظمة المسيرة في نطاق عملها الفعّال، المستشعرات، والخوارزميات الدقيقة، تقنيات البحث، تحديد المواقع، التعقّب، إختيار الأهداف وضربها دون أي تدخّل بشري.


ولأنها تعمل أوتوماتيكيا بعد تحليل البيانات والمعطيات فهذا يقلّص إلى حدّ كبير الوقت في إتخاذ قرار الضرب من عدمه، وهو سمة هامة جداً في حال الدفاع الجوي لصد الهجمات الصاروخية.


كما تستطيع هذه الأنظمة الوصول إلى أماكن يصعب وصول البشر إليها، والتواصل في أماكن صعب التواصل فيها، وذلك بفضل وصلات البيانات أو Data Links المزودة على متن هذه الأنظمة. هذا وتضمن الأنظمة المسيّرة حماية الجنود في أرض المعركة وتخفيض تلكفة الحروب. المادية والبشرية.

هل تسيطر الطائرات بدون طيار على السوق؟


بسبب التنوّع الكبير في العمليات، يمكن للطائرات بدون طيار العمل في أطر مختلفة، وقد قطعت المركبات الجوية غير المأهولة (UAV) خطوات كبيرة منذ إنشائها.


وقد استطاع المهندسون تطوير قدرات الطائرات بدون طيار، لجمع المعلومات الصورية والحرارية على امتداد مساحات شاسعة، بدقة أكبر بكثير من ذي قبل. ومع تقنيات تحليل البيانات المناسبة، هذه المعلومات يتم استخدامها لأهداف متنوعة من بينها الأمن، السيطرة، الاستطلاع والمراقبة الجويين، تحليل الظروف الكيميائية، البيولوجية والنووية ووضع استراتيجية لاتخاذ الإجراءات اللازمة.


طلبت وزارة الدفاع في الولايات المتحدة الأميركية ميزانية تقارب 9.39 مليار دولار للأنظمة المسيّرة والتقنيات المرفقة لعام 2019. وهدف هذا الطرح الحصول على 3447 أنظمة مسيّرة برية، بحرية وجوية. وقد أدخل البنتاغون برامج أبحاث جديدة لملائمة الأتمتة والذكاء الإصطناعي وقد رفع تمويل برنامج مافن Project Maven، وهو برنامج ذكاء صناعي، بنسبة 81% بالدولار. وهذا الإنفاق المتزايد يشكّل عاملا لرفع النمو في سوق المنطقة.

المنافسة في مجال الذكاء الإصطناعي:


تشير الإحصاءات أنه يوجد في يومنا هذا حوالي 28 دولة في العالم بحوزتها رسميًا أنظمة مسيّرة مسلّحة. وتنمو سوق الذكاء الإصطناعي ببطئ بسبب إرتفاع الحاجة العسكرية للإستخبار، الإستطلاع والمراقبة في ميزان القوى الدفاعية/ الهجومية وحتى في أنظمة الأسلحة النووية. والشركات مثل بوينغ، جنرال داينامكس، و آي بي إم تستفيد من التقدّم في قطاع الذكاء الإصطناعي، التعلّم العميق، وعلم الروبوتات لتمكين القدرات العسكرية الجديدة التي سيكون لها التأثير الهائل على الاستراتيجيات العسكرية.

وفي تقرير لموقع غلوبال داتا، رأى الباحث أن الصين تتقدّم سريعا في تطوير الذكاء الاصطناعي العسكري التكنولوجي عبر رفع سيطرتها على منشآت البحث المحلية. في حين يتقدّم العالم نحو الحروب الهجينة، بحيث تتفاقم أهمية الفضاء والفضاء السيبراني، ترتفع وتيرة تطبيق الذكاء الاصطناعي على التكنولوجيا العسكرية على قدم وساق.
وقال الرئيس الصيني شي جينبينغ، في بوليتبورو عام 2018، أنه يجب على الصين، ” أن تضمن بأن تكون الدولة في المراكز الأمامية في البحث النظري في مجال الذكاء الصناعي المهم، تحتل مكانة عالية في التقنيات الحيوية والأساسية.”


وبدوره قال وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر في خطابه في مؤتمر لجنة الأمن القومي حول الذكاء الاصطناعي، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، ” على سبيل المثال، تُمكّن التحسينات في الذكاء الاصطناعي المركبات المسيرة بأن تكون أكثر قدرة في اقل تكلفة ممكنة. .يتحرك جيش التحرير الشعبي الصيني بقوة لإضافة هذه التحسينات على العديد من مجالات القتال. في الوقت الذي تواجه فيه الولايات المتحدة مهمة كبيرة في نقل أكثر الأنظمة العسكرية تقدمًا في العالم إلى الأنظمة الجديدة التي تعتمد على الذكاء الصناعي، وتعتقد الصين أن بإمكانها التقدم على تقنيتنا الحالية والانتقال مباشرة إلى الجيل التالي.”


وأضاف إسبر أن التقدّم في الذكاء الصناعي يمتلك القدرة على تغيير شكل الحروب للأجيال القادمة. فأي دولة تحصل على الذكاء الصناعي أولا، ستتقدّم في أرض المعارك لسنوات وسنوات عديدة.” مؤكداً على شعور الولايات المتحدة بضرورة تطوير الذكاء الاصطناعي ، قال: “علينا أن نصل إلى هناك أولاً”.

الذكاء الإصطناعي واقع وليس خيال:


تم تشغيل تقنيات الذكاء الإصطناعي في أماكن النزاعات في العالم. فمعظم أنظمة الأسلحة الحديثة يتم تشغيلها عن بعد من قبل البشر ولكن بعضها تحوّل إلى التحكّم الذاتي مثل نظام SGR-A1 (وهورشاش آلي) في كوريا الجنوبية التي تمّ تشغيلها على الحدود بين الكوريتين الشمالية والجنوبية ضمن المنطقة منزوعة السلاح. وهذا النظام تحديدا يستطيع أن يتعرّف على الأهداف المتحرّكة على بعد كيلومترات، التعرّف على الأصوات المألوفة والإشارات، ويرسل أوتوماتيكياً المعلومات إلى مقر القيادة العامة في حال حاول إنسان عبور الحدود. وتم تزويد هذا النظام برشاش عيار 5.53 كاليبر و قاذف قنابل عيار 40 مم ويطلق النار فقط على الأعداء عند تلقي الأوامر من البشر. ولكن اللافت أن هذا النظام تحديداً يمكن تحوليه إلى وضع تلقائي، ما يسمح له بالتصرف دون تدخّل الإنسان.


تتوجّه التكنولوجيا العسكرية تدريجياً نحو الروبوتات التي تعمل تلقائياً في المستقبل القريب. فهل نحن اليوم أمام أنظمة الذكاء الصناعي الخارق التي يمكن تعريفها كأي فكر يتجاوز الأداء المعرفي للبشر في جميع مجالات الاهتمام تقريبًا؟

وقامت الولايات المتحدة بإطلاق مشروع مافن، Project Maven، والهدف منه، ” تحويل الحجم الهائل من البيانات المتاحة لوزارة الدفاع إلى ذكاء ورؤى قابلة للتنفيذ “وفقًا للواء في سلاح الجو ج. جون، عبر “تحسين معالجة واستغلال ونشر المعلومات الاستخباراتية”. ويسمح هذا البرنامج الثوري بالتحليل السريع لبيانات الفيديو الكاملة المقدمة من أنظمة الطائرات بدون طيار (UAS) ، مثل MQ-9 Reaper و MQ-1C Gray Eagle ، ما يسمح للذكاء الصناعي بتحليل البيانات بدلاً من فريق من المحللين الذين يعملون بجد على محاولة “استغلال جزء صغير من بيانات مستشعر طائرة بدون طيار” مع زيادة دقة استهداف البرامج من 60٪ إلى أكثر من 80٪ في “الأسبوع الأول من نشرها فقط .


وتجدر الإشارة إلى أن تقنيات الذكاء الصناعي تسمح بالتعاون بين الأنظمة المأهولة والأنظمة غير المأهولة في العمليات القتالية. ويمكن أن يكون مثال التعاون هذا على سبيل المثال لطائرة هليكوبتر أباتشي التابعة للجيش الأميركي وطائرة MQ-1C غراي إيجل المصممة للعمل بالتزامن. يمكن أيضًا فهم هذا المفهوم على أنه فكرة “الجناح المخلص”.


ولا تزال تقنيات الذكاء الصناعي اليوم ضمن القطاع العسكري في إطار التدريب وليس التشغيل الفعلي لخوض المعارك، وتقوم الولايات المتحدة حالياً بتطوير طائرة بدون طيار مقاتلة وقاذفة قنابل من طراز X-47 Pegasus، والتي على الرغم من التجارب الناجحة العديدة التي أجرتها، تستخدم حتى اليوم كناقلة، هذا بالإضافة إلى مشروع MQ-25 Stingray للبحرية الأميركية الذي لا يزال قيد التطوير.


كما وتطوّر كل من روسيا والصين تقنيات الذكاء الإصطناعي العسكرية على قدم وساق. وقد استفادت روسيا من مشاركتها في الحرب في سوريا لاختبار أحدث أنظمتها المسيّرة البرية منها والجوية ونذكر على سبيل المثال لا الحصر منظومة URAN-9 البرية القتالية التي استخدمتها في المعارك في سوريا. كما وتطوّر دبابة أرماتا مسيّرة ضمن برنامج شتروم.


أما الصين، فمن المتوقّع أن تنفق عام 2020 في قطاع الذكاء الإصطناعي وما يتعلّق به حوالي 150.8 مليار دولار. وهي تطوّر وتصدّر انظمة مسيرة وأبرزها الطائرات المسيّرة القتالية والأنظمة البحرية والبرية المسيرة.

من الأنظمة المسيّرة إلى الأسلحة المسيّرة التلقائية:

ولعل أكبر قفزة في هذا المضمار تكمن في الأسلحة التلقائية التي تطلق القذائف والقنابل بناءً على معطيات تجمعها من مستشعرات المراقبة والإستطلاع والإستخبار. وتقسم الأسلحة التلقائية إلى 3 أنواع:

  1. الأنظمة خارج السيطرة ( out of the loop): وهي أنظمة عندما يتم تشغيلها تستطيع اختيار ضرب الأهداف دون تدخّل بشري.
  2. الأنظمة في نطاق السيطرة (on the loop): تم تصميمها لتعطي المشغّل البشري القدرة على التدخّل وإيقاف عمليات إطلاق النيران في حال حصول أي عطل.
  3. الأنظمة تحت السيطرة ( in the loop): وهي الأنظمة التي عند تشغيلها تضرب الأهداف التي يختارها المشغّل فقط.

ولكن تبقى معضلة الأسلحة التلقائية التي تعتمد على الذكاء الإصطناعي قائمة. فهل تستطيع البرامج الحاسوبية التمييز بين المدنيين والعسكريين في أرض المعركة؟ وما هي تداعيات تحويل الإنسان من مشغّل إلى مشرف على سير العمليات العسكرية؟

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate