عسكرة بحر الصين الجنوبي بين أضخم القوى البحرية العالمية هل تقرع طبول الحرب؟

مناورات عسكرية بين الصين وروسيا
مناورات عسكرية بين الصين وروسيا

أغنس الحلو زعرور

تتوالى فصول دخول سفن حربية إلى بحر الصين الجنوبي واستفزازات لممرات وجزر تطالب الصين بفرض سيطرتها عليها، وتعتبر الدول الأوروبية والأميركية  عبور السفن الحربية هو جزء من حرية الملاحة. وإذ يسيطر على المشهد تعزيز القوات البحرية بأحدث التقنيات بين هذه الدول فها الصين تبني حاملات الطائرات وتزيد إنفاقها العسكري على القطع البحرية، والولايات المتحدة الأميركية تطوّر تقنيات مسيرة بينها الغواصات المسيّرة والصواريخ الذكية. ولكن هل تقرّب المناورات العسكرية التي تجريها هذه الدول في المحيط الهادئ قرع طبول الحرب؟

يسعى جيش التحرير الشعبي الصيني، لفرض هيمنته على منطقة آسيا- المحيط الهادئ، بما يدعّم القوة الصينية بوجه تايوان والتواجد العالمي في بحر الصين الجنوبي.

وتعمل الحكومة الصينية على تعزيز قدراتها العسكرية في كافة المجالات، بشكل يعتمد على تقنيات متطوّرة وأكثر فعالية لجعلها تتصدّر العالم في ال30 سنة المقبلة. ومع رفع الموازنة العسكرية بشكل هائل، وتحوّل الصين من مستهلك إلى مصدّر للأنظمة العسكرية المنتجة محلياً، تقف الصين في أول المراتب ضمن قائمة تصنيف جيوش العالم وخاصة في مجال الذكاء الإصطناعي والصواريخ الباليستية مضادة للسفن.

ويحذّر الخبراء من تحديث الصين لقواتها العسكرية، خاصة وأنها قد تزيد من التوترات في منطقة آسيا- المحيط الهادئ مع تايوان وخاصة في بحر الصين الجنوبي.

وتعتبر إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الصين هي ندّ قوي، رغم أن جيش الصين الشعبي أمامه مسافات لتحدي الولايات المتحدة الأميركية، بحسب ما يقول الخبراء.

لماذا تحدّث الصين قواتها العسكرية؟

بدأ تحديث جيش الصين الشعبي خلال الحرب الأهلية (1972-1949) بين قوات الحزب الشيوعي الصيني، وقوات الكومينتانغ القومية. وقد اعتمد الجيش على غرار حرب العصابات على التعبئة الجماعية للمواطنين الصينيين، وحافظ جيش التحرير الشعبي الصيني إلى حد كبير على هذا الهيكل التنظيمي في العقود التالية لحماية حدوده. ولكن نقطة التحوّل بدأت في التسعينيات، عندما شهد الحزب الشيوعي الصيني مظاهرتين للقوة العسكرية الأميركية في نصف الكرة الأرضية الغربي: حرب الخليج وأزمة مضيق تايوان. لقد أدرك القادة الصينيون، الذين أدهشهم تطور القوات الأميركية ، أنها تفتقر إلى التكنولوجيا لشن حرب حديثة ومنع القوى الأجنبية من التدخل في المنطقة.

وقد أطلق المسؤولون جهودًا للحاق بالجيوش من خلال زيادة الإنفاق الدفاعي، والاستثمار في أسلحة جديدة لتعزيز منع من الوصول إلى المناطق (A2/AD)، ووضع برامج لتعزيز صناعة الدفاع الصينية.

كما شهدت الصين تحوّلا آخر في عام 2012، عندما وصل الرئيس شي جين بينغ إلى السلطة. لقد دافع شي، عن ما يسميه الحلم الصيني، وهو رؤية لاستعادة مكانة الصين كقوة عظمى، عبر دفع الإصلاحات العسكرية أكثر من سابقيه. يقود شي اللجنة العسكرية المركزية ، وهي أعلى هيئة لصنع القرار في جيش التحرير الشعبي، وقد التزم بإنتاج “قوة بمستوى عالمي”  يمكنها السيطرة على حروب آسيا والمحيط الهادئ و حروب “القتال والفوز” بحلول عام 2049.

كيف تحوّلت القوات البحرية الصينية إلى قوة رائدة عالمياً؟

ركّزت الصين على إجراء تغييرات جذرية، في سبيل تحويل جيش التحرير الشعبي الصيني من قوة إقليمية إلى إلى قوة بحرية رئيسية.

وقامت الصين بتوسيع قدرات قواتها البحرية  بنسبة مثيرة للإعجاب لتصبح أكبر قوة بحرية في العالم من حيث أعداد السفن. ففي عام 2016، أدخلت ثمانية عشر سفينة إلى الخدمة الفعلية، في حين أدخلت البحرية الأميركية خمس سفن. هذا وتحسنت أيضًا جودة السفن في جيش التحرير الشعبي الصيني: فقد وجدت منظمة الأبحاث الأميركية Rand Corporation، أن أكثر من 70% من الأسطول البحري الصيني في 2017 يمكن اعتباره حديثاً، مقارنة مع أكثر من 50% في 2010.

ويعتبر الخبراء أن القوات البحرية، التي تضم ما يقارب 250 ألف عضو نشط في الخدمة، أصبحت القوة المهيمنة في البحار القريبة من الصين وتجري المزيد من العمليات على مسافات أكبر. وتشمل أولويات التحديث الخاصة بالقوات البحرية الصينية، إدخال المزيد من الغواصات النووية وحاملات الطائرات إلى الخدمة. وتمتلك الصين حالياً، حاملتان للطائرات مقارنة بأحد عشر حاملة أميركية. ومن المتوقع أن تدخل الحاملة الثالثة، التي يتم بناؤها محليا ، إلى الخدمة بحلول عام 2022.

الإنفاق العسكري الصيني:

بلغ الإنفاق العسكري الصيني لعام 2019 حوالي 177 مليار دولار، إلا أن المحللين يقدّرون الإنفاق بأكثر مما أوردت الصين في التقارير. والجدير بالذكر، أن الإنفاق العسكري الصيني إرتفع سبع مرات من 31 مليار دولار عام 1998 إلى 239 مليار دولار عام 2018، بحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري)، ما حوّل الصين إلى ثاني أكبر دولة في الإنفاق العسكري عالمياً بعد الولايات المتحدة.

ما هو وضع قطاع الدفاع الصيني؟

إنتقلت الصين من إستيراد الأسلحة من الخارج وخاصة الأسلحة الروسية إلى تصنيع الأسلحة محلياً وليس أقلّها إنتاج مقاتلات الشبح وآخرها مقاتلة جي-31 الشبح. في الواقع تقدّر الصين بأنّها ثالث أكبر مصدّر للأسلحة في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، بحسب ما نقل معهد سيبري في تقريره الصادر في 2020. بحيث أن معظم صادراتها تذهب إلى البلدان النامية مثل باكستان.

جذبت مياه بحر الصين الجنوبي إهتمام القوى الكبرى في العالم، الصين والولايات المتحدة الأميركية، ولكن في الوقت الذي تحاول فيه واشنطن إحباط بكين في سعيها للهيمنة، أي قوة حربية ستسيطر على المنطقة؟

يضم بحر الصين الجنوبي ممرات النقل والموانئ التجارية، ويحاول الرئيس شي جين بينغ فرض ترسيم الحدود مثير للجدل حول ما تعتبره الصين أراضيها. يفرض ترسيم الحدود مطالبة على جميع المجموعات الجزرية في المنطقة و 90 في المائة من بحر الصين الجنوبي ككل، ولكن هذا يعتبر غير قانوني بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.

وهذا ما أثار غضب دول أصغر في المنطقة مثل فيتنام والفلبين، وكلاهما يعاني من عسكرة الصين لجزر سبراتلي – وهي أرخبيل رئيسي في المنطقة يدعي كلا البلدين سيادته عليهما.

وفي حين تهدف الصين إلى السيطرة الكاملة على المنطقة، أرسلت الولايات المتحدة سفنا حربية عبر المياه المتنازع عليها كإعلان للتحدي، كما تساعد الدول الأخرى على تحدي بكين.

ومع قيام السفن الصينية والأميركية بتحركات معادية بشكل متزايد، يخشى الكثيرون من أن يؤدي التصعيد العرضي في النزاع إلى حدوث ذلك بسرعة.

لمن الغلبة العسكرية في بحر الصين الجنوبي؟

أورد موقع غلوبال فاير باور المتخصص بالشأن العسكري، أن الولايات المتحدة الأميركية لا تتفوّق على الصين في كل القطاعات.

وفي التفاصيل، يبلغ مجموع الأصول البحرية، بعد الاستثمارات العسكرية الصينية الضخمة في السنوات الأخيرة التي رفعت عدد القطع البحرية في البلاد إلى 714 قطعة بحرية. وهذا يشكّل حوالي ضعف عدد القطع البحرية الأميركية الذي يبلغ 415 قطعة.

وتعتبر حاملات الطائرات الحجر الأساس في أي أسطول بحري، وفي هذا المجال القتالي ، وبهذا المضمار تتفوّق الولايات المتحدة على معظم الدول بامتلاكها 24 قطعة بحرية ، بينما تمتلك الصين واحدة فقط.

المحيط الهادئ بين أميركا والصين.. أيهما يسيطر عسكرياً؟

لطالما عرفت الولايات المتحدة بسيطرتها عسكريا على المحيط الهادئ، لكن يبدو أن هذه المعادلة قد تتغير قريبا. فقد حذر تقرير لمركز دراسات أسترالي، من أن الولايات المتحدة لم تعد تهيمن عسكريا على المحيط الهادئ، وقد تعاني في الدفاع عن حلفائها في مواجهة الصين.

وجاء في تقرير لمركز الدراسات حول الولايات المتحدة في جامعة سيدني، نشر في آب/ أغسطس 2019، أن الجيش الأميركي “قوة في طور الضمور”، و”منهك بشكل خطير”، و”غير جاهز” للمواجهة مع الصين.

وإذا صح ما ورد في التقرير، فإن ما خلص إليه يحمل تداعيات خطيرة بالنسبة لحلفاء الولايات المتحدة مثل أستراليا وتايوان واليابان، التي تعتمد على الضمانات الأمنية الأميركية. وقد تفاقمت في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب المخاوف من تخلي الولايات المتحدة عن الدفاع عن حلفائها، في مواجهة أي عدوان صيني.

لكن التقرير الأخير خلص إلى أن واشنطن ستعاني في الدفاع عن حلفائها حتى إن أرادت ذلك. وقد جاء في التقرير الذي اتهم معدوه الولايات المتحدة بـ”الإفلاس الاستراتيجي”، أن الحروب في الشرق الأوسط على مدى عقود، والانحياز وضعف الاستثمار، يعرض حلفاء واشنطن في المحيط الهادئ للخطر.

كما حذر التقرير من أن “الصين، وعلى العكس من ذلك، تزداد قدرة على تحدي النظام الإقليمي بالقوة نتيجة استثمارها الكبير في المنظومات العسكرية المتطورة”. وفي عهد الرئيس الصيني شي جينبينغ، ارتفعت الميزانية العسكرية الرسمية للصين بنحو 75 بالمئة إلى 178 مليار دولار، علما أنه يسود اعتقاد بأن الرقم الحقيقي أكبر بكثير.

وقد استثمرت الصين في الصواريخ البالستية بالغة الدقة، وأنظمة مكافحة التدخل التي من شأنها إعاقة الوصول السريع للجيش الأميركي إلى المناطق المتنازع عليها. وبحسب التقرير، فإن “تقريبا كافة قواعد الولايات المتحدة والحلفاء والمطارات والمرافئ والمنشآت العسكرية الواقعة غربي المحيط الهادئ” تفتقر للبنى التحتية المدعمة، وتواجه خطرا محدقا.

ويمكن استغلال هذه الأفضلية للسيطرة على مناطق في تايوان والجزر الخاضعة لليابان وبحر الصين الجنوبي، قبل وصول القوات الأميركية. وأعلن وزير الدفاع الأميركي الجديد مارك إسبر، أن الولايات المتحدة تريد الإسراع في نشر صواريخ جديدة في آسيا، خلال الأشهر المقبلة إذا كان ذلك ممكنا، لاحتواء توسع النفوذ الصيني في المنطقة.

مناورات عسكرية غير مسبوقة:

شاركت ثماني سفن حربية وأربع طائرات وأكثر من ألف عسكري من الولايات المتحدة وعشر دول من جنوب شرق آسيا، في تدريبات بحرية تبدأ في 2 أيلول/ سبتمبر 2019، في إطار مناورات مشتركة تمتد إلى بحر الصين الجنوبي المضطرب.

واستمرت المناورات الأولى من نوعها بين الولايات المتحدة ودول رابطة آسيان خمسة أيام. وانطلقت من قاعدة ساتاهيب البحرية وانتهت في سنغافورة.

وأتت المناورات وسط دور أميركي متزايد في المنطقة وتوترات بين بكين ودول جنوب شرق آسيا على خلفية بحر الصين الجنوبي، الذي تطالب بأجزاء منه كل من بروناي وماليزيا وفيتنام والفيليبين.

وقال الأدميرال جوي تينش الذي يشرف على التعاون الأمني للبحرية الأميركية في جنوب شرق آسيا إن المناورات “ترسي أمناً بحرياً أكبر على أسس قوة آسيان وقوة الروابط البحرية بيننا وقوة إيماننا المشترك في منطقة حرة ومفتوحة في الهند-المحيط الهادئ”.

وتعرضت المناورات المشتركة لانتقادات لاشراكها البحرية البورمية في خطوة نادرة، رغم فرض واشنطن عقوبات على كبار قادة الجيش البورمي على خلفية أزمة الروهينغا. وجميع الدول العشر في رابطة آسيان شاركت في المناورات.

تعاون أمني أو ترسيم حدود؟

تبرز الحاجة في بحر الصين الجنوبي غلى طرق أكبر للتنسيق بين مجمل الأطراف وخاصة مع مرور السفن الحربية وإعلان الاستفزاز، ورغم أن الصين تسعى إلى فرض سيطرتها على الجزر المتنازع عليها.

وأعلن وزير الخارجية الماليزي، سيف الدين عبد الله في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، أن بلاده يجب أن تعزز قدراتها البحرية، لمواجهة أسوأ الاحتمالات فيما يتعلق بنزاع بحر الصين الجنوبي. وفي كلمة أمام البرلمان قال إن ماليزيا يمكن أن تقدم احتجاجًا إذا انتهكت الصين أراضيها، لكن افتقارها إلى المعدات والقوة البحرية اللازمة لإنفاذ القوانين البحرية جعلها في وضع غير موات.

وتصاعدت التوترات بين الولايات المتحدة والصين خلال الأسابيع الأخيرة؛ لا سيما بعد أن أبحرت مدمرة تابعة للبحرية الأميركية قرب جزر تطالب الصين بالسيادة عليها في أيلول/ سبتمبر 2019.

واعتبرت الصين أن إجراءات الولايات المتحدة تمثل “تحديًا”، وهي اتهامات وصفتها واشنطن بأنها مفرطة.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate