2021-09-26

الأمن البحري قضية استراتيجية متنامية للدول

إن البحار يخضع لعديد من الظواهر الاجرامية مثل القرصنة والسرقة البحرية والصيد غير القانوني وغير المنظم. إن هذا الإرهاب البحري يتطلب المواجهة الحالية للتحديات البحرية بمجموعة خطوات تتمثل بتقييم التكاليف الجدية والاستثمارات المطلوبة والتعاون ذي النطاق الأوسع داخليًا ودوليًا.  حيث يقول العميد ناجي ملاعب الخبير العسكري والاستراتيجي ورئيس تحرير مجلة الامن والدفاع العربي،  في حوار خاص لموقع أجيال قرن ال21، “أن  مفهوم التعاون في المجال البحري يرتكز على ثلاثة مقومات رئيسة هي:  تطوير وجهة نظر سياسية وإستراتيجية مشتركة، تعزيز التبادل المعلوماتي لتحسين مراقبة المساحات البحرية، وتوحيد الجهود بين القوات البحرية والوكالات الأمنية الأخرى لضمان المزيد من الفعالية على كافة الأصعدة”.  

1 – ما هي المصادر الرئيسية للتهديدات للأمن البحري في عام 2020؟

إن طبيعة وقوة النشاطات الإجرامية وغير القانونية في البحر أو الصادرة من البحر هي مصدر تهديد لافت للأمن القومي والدولي. وتشمل المصادر بالإضافة الى الممارسات غير القانونية والإجرامية: القرصنة، الإرهاب العالمي، تهريب المخدرات، الهجرة غير القانونية، الاستغلال غير الشرعي للموارد البحرية والتلوث البيئي. وتؤثر هذه الممارسات بشكل جدي ومباشر على الاقتصاد العالمي.

تشكل السفن، المنصات البحرية، المضيقات البحرية، المياه الإقليمية وموانئ البحار أهدافًا دسمة للمنظمات الإجرامية لتنفيذ هجماتها المتزايدة. لكن من جهة أخرى، وتحت مظلة الأمن البحري، ثمة قضايا متداخلة، مثل القرصنة والسطو المسلح، المتاجرة غير المشروعة بالبشر والسلع (بما في ذلك المخدرات، الأسلحة والسلع الثمينة)، الإرهاب البحري، النقل غير الآمن، أعمال التزوير البحري والبث غير الشرعي من البحر، هذه القضايا كافة تتضافر لتشكل تحديات تتزايد حدّة وخطورة.

تأتي هذه التهديدات من أعالي البحار أو من المساحات العالمية، لتغدو قضية تشغل أمن الحدود القومية المتداخلة كونها تضم أكثر من دولة واحدة. وعلى استراتيجيات الأمن البحري أن تأخذ بالحسبان أيضًا النشاطات التي لا تتصل بالأمن بطريقة مباشرة مثل البحث والإنقاذ، التحكم بحقوق السماكة (صيد السمك) وحماية البيئة.

العميد ناجي ملاعب : أن  مفهوم التعاون في المجال البحري يرتكز على ثلاثة مقومات رئيسة هي:  تطوير وجهة نظر سياسية وإستراتيجية مشتركة، تعزيز التبادل المعلوماتي لتحسين مراقبة المساحات البحرية، وتوحيد الجهود بين القوات البحرية والوكالات الأمنية الأخرى لضمان المزيد من الفعالية على كافة الأصعدة

2 – هل يمكن أن تشكل تطورات تغير المناخ تهديدًا أو متجهًا للتهديد للأمن البحري؟

من المتعارف عليه أن الطقس المعتدل في الحوض الصومالي (مثلاً) سهّل ارتفاع نسبة أعمال القرصنة ويبدو أن ثمة منحىً موسميًا يلي مرحلة انتقال الريح الموسمية حيث تتزايد هذه الظاهرة بشكل كبير.

3 – إذا كانت أعمال القرصنة البحرية قد انخفضت انخفاضًا حادًا في السنوات الأخيرة، فسيكون القارب في العالم ضحية فعل القرصنة أو السرقة يوميًا. ما هو الوضع الحقيقي لهذا التهديد في العالم في عام 2020 ، وما هي أكثر المناطق حساسية؟

كما هو الحال مع الإرهابيين، من الصعب التعرف على القراصنة وتحديد هوياتهم: فهم قادرون على التحوّل من صيادي سمك بسطاء إلى مجموعات خطيرة مجهزة بالقوارب والأسلحة والخطط الضخمة، ليتمكنوا بالتالي من قرصنة السفن الضخمة، واحتجاز القبطان والركاب كرهائن ويشترطون تقاضي المبالغ الكبيرة لإطلاق صراحهم. وزيادة على ذلك، لا تزال الجهات المعنية عاجزة عن تحديد عدد السفن التي يستطيع القراصنة احتجازها مقابل الحصول على الفديات، الأمر الذي يثير الكثير من الغموض حول القدرات الفعلية التي يمتلكونها. لكن من الممكن التعرف إلى القراصنة في اللحظات التي تسبق إطلاق الهجوم لأنه من المعروف أنهم يقودون ويتنقلون بخفة تتسم بدقة بارعة، ولا يوقفون هجومهم إلا في حال عجزهم عن الوصول إلى متن السفينة أو التصدي لهم من قبل قوى أخرى.

لكن التهديد الحقيقي المستجد في بداية العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين هو ما قامت به البحرية الإيرانية من اقتياد واحتجاز سفن النفط العابرة لمضيق هرمز، من جهة، وما تسبب الطموحات الإقليمية الصينية التوتر والقلق، لا سيما في بحر الصين الجنوبي وأيضًا في بحر الصين الشرقي، من جهة ثانية. بالإضافة الى ما يمثله خليج غينيا اليوم حيث يحصد ما يقرب من ثلث أعمال القرصنة في العالم.

تتطلّب المواجهة الحالية للتحديات البحرية مجموعة خطوات تتمثل بتقييم التكاليف الجدية والاستثمارات المطلوبة والتعاون ذي النطاق الأوسع داخليًا ودوليًا. ويرتكز مفهوم التعاون في المجال البحري على ثلاثة مقومات رئيسة هي: تطوير وجهة نظر سياسية وإستراتيجية مشتركة، تعزيز التبادل المعلوماتي لتحسين مراقبة المساحات البحرية، وتوحيد الجهود بين القوات البحرية والوكالات الأمنية الأخرى لضمان المزيد من الفعالية على كافة الأصعدة.

أن التعاون كوسيلة لتحقيق الأّهداف المشتركة يبقى العنصر الأساسي الأكثر إلحاحًا بالنسبة لتحقيق الأمن البحري. ويرتكز مفهوم التعاون في المجال البحري على ثلاثة مقومات رئيسة هي: تطوير وجهة نظر سياسية وإستراتيجية مشتركة، تعزيز التبادل المعلوماتي لتحسين مراقبة المساحات البحرية، وتوحيد الجهود بين القوات البحرية والوكالات الأمنية الأخرى لضمان المزيد من الفعالية على كافة الأصعدة

 4 – كيف نفسر أن خليج غينيا يركز ما يقرب من ثلث أعمال القرصنة في العالم؟ هل الحل مثل ما تم القيام به قبالة ساحل الصومال ممكن؟

ساهم مركز الشحن التابع للناتو في العمليات المضادة للقرصنة التي يقوم بها كل من الناتو والاتحاد الأوروبي على سواحل الصومال، من خلال تبادل صور سفن الشحن في المنطقة مع كافة قوى الائتلاف والقوى الصديقة. يقوم مركز الشحن التابع للناتو بهذه المهمة في إطار الدور الذي يلعبه كرابط بين قوى الائتلاف والقوى العسكرية التابعة للناتو من جهة والمجتمع التجاري من جهة أخرى، وذلك وفق التنسيق التام مع كلّ من “مكتب عمليات التبادل التجاري البريطاني في دبي” UK MTO Dubai و EU MSC-HOA. ولمركز الشحن التابع للناتو علاقة تعاون وثيقة مع مكتب UN WFP في الصومال، ومقرّه في كينيا.

أن النجاح المحدود الذي حققته العمليات العسكرية في مواجهة القرصنة يؤكد أن الوسيلة الأكثر فعالية لتجنب هجمات القرصنة هي تعزيز قدارت الدفاع الذاتي للسفن التجارية. فعلى قطاع الشحن الدولي اتخاذ الخطوات اللازمة لضمان سلامة السفن التجارية في المناطق الأكثر خطورة. وعلى السفن التجارية الالتزام بالتوصيات المحددة والاستمرار في توسيع قدراتهم الدفاعية. ويجب حثّهم على توظيف أخصائيين احترافيين ومتدربين، أو توقيع العقود مع فرق أمنية قادرة على ردع هجمات القراصنة التي تهدّد متن السفينة. وعلى هذه السفن أيضًا تطوير أنظمة تحول دون تحكّم القراصنة بالسفينة عندما يصلون إلى متنها.

ولم تعد هذه المجموعات الإرهابية في الصومال ذات أولوية بالنسبة لكثير من القوات البحرية المحلية والإقليمية التي تعمل الآن على ضبط المناطق الساحلية في اليمن بحثا عن أنشطة إرهابية أو عبور إيران للأسلحة أو غيرها من التهريب غير المشروع.

وفي الوقت نفسه، انتهت عملية درع المحيطات التابعة للناتو في كانون الأول / ديسمبر 2016، وانتهت عمليات الاتحاد الأوروبي في عام 2018. ونظرا إلى ضعف الصومال، لا تزال السلطات في مقديشو غير قادرة على اعتراض سفن الصيد غير القانونية، ناهيك عن وإنفاذ سيادة القانون ضد أعشاش القراصنة المسلحة جيدا.

5 – ماذا عن مخاطر الإرهاب البحري؟ هل هذا التهديد هامشي

لطالما شكّل المجال البحري محور الجدل الدقيق والحساس بالنسبة لأمن الدول. واليوم، يؤكد عصر التبادل التجاري العالمي من جديد أهمية المحيطات والبحار في تحقيق الازدهار الاقتصادي.

ولمفهوم الأمن البحري تفسيران اثنان، الحدّ من تأثيرات التهديدات المتأتّية من البحار على الدولة، وضمان سلامة ممارسة النشاطات البحرية القانونية التي تلعب دورها المعروف في تطور الاقتصاد العالمي.

فنظرًا للأهمية البالغة للأمن البحري على الصعيد القومي، ثمة عناية بالغة توليها كافة الشعوب لتحقيق هدفين متكاملين: أولاً، ضمان توفير التبادل التجاري الذي يشكل حجر الأساس للاستقرار السياسي والأمن الاقتصادي، وثانيًا حماية المحيطات من الممارسات الإجرامية.

بالنسبة لسلاح البحرية الإقليمية وقوى خفر السواحل، في مكافحة الإرهاب البحري، يجب، وعلى المدى الطويل، اعتماد السفن الحربية الأصغر حجمًا مثل قوارب الحراسة والسفن القديمة، وذلك بهدف تعزيز قدرات التصدي لعمليات القرصنة التي تطورت لتصبح عمليات إرهابية. على السلطة البحرية تطوير قدرات الأمن البحري على الساحل الإقليمي لمؤازرة أو ربما، فيما بعد، للحلول مكان القوى الأجنبية. لكن بانتظار تطوير مقاربات أكثر فعالية، وتحقّق تقدمٍ ما في هذا الإطار، ما من خيار بديل عن الدوريات البحرية التي تنظمها السلطات البحرية الرئيسة.

6 – خلال صيف عام 2019، اعتقلت إيران عدة سفن أجنبية في مضيق هرمز. في حين أن التوترات بين واشنطن وطهران أصبحت أقوى اليوم من أي وقت مضى، فماذا يمكن أن تكون العواقب، من حيث الأمن البحري، على صراع أو انسداد في هذا المضيق الذي يرى مرور ثلث النفط العالمي؟

يبلغ طول مضيق هرمز، المحور الاستراتيجي لموارد الطاقة العالمية من الخليج، 280 كلم، ويبلغ عرضه 5 كلم (34 ميل) في المناطق الأقل اتساعًا. وهو يتألف من قنوات إبحار يبلغ طول كل منها ميلين (3.2 كلم) لحركة الملاحة الوافدة  والمغادرة يفصل بينها منطقة عازلة عرض ميلين. وعبر هذا الممر، يعبر 90% من الصادرات الخليجية والتي تشكل 40% من التصدير  العالمي للنفط الذي يتم التداول به، وهي تشمل 75%من النفط الياباني احد الدعائم الرئيسية للاقتصاد العالمي.

تشير التقارير إلى أن سلاح البحرية التابعة لفيلق الحرس الثوري الإيراني يتألف من 5 وحدات رئيسية، هي: سفن سطح، غواصات (غواصات صغيرة ، الصواريخ والقذائف، ألغام عائمة وتحت الماء؛ الطيران، والقطاعات العسكرية.

الأمن البحري في مؤتمر ديمدكس بالدوحة

وعلى مدى السنوات السابقة، يعتمد فيلق الحرس الثوري الإيراني العديد من معايير التحديث بهدف ترقية وتعزيز قدراته القتالية البحرية في حرب اللاتكافؤ. وشكلت القوارب الصغيرة للهجوم السريع، المدججة بالقنابل والصواريخ المضادة للسفن وعدد كبير من المنصات السريعة لزرع الألغام المحور الأساسي لهذه التوسعات والترقيات. ويمتلك فيلق الحرس الثوري الإيراني اليوم قدرات واسعة في مجال حرب الألغام والتي تعتمد بشكل أساسي على استخدام القوارب الصغيرة والتجارية، التي تتميز بقدرات الانتشار السريع لتنفيذ عمليات زرع الألغام.

وثمة محور آخر أيضًا استحوذ على الاهتمام البارز في مجال التحديث وهو امتلاك أكبر عدد ممكن من المنصات الصغيرة النقالة التي يصعب رصدها والتي تتسم بمزايا تتعدى قدرات القوارب الصغيرة للهجوم السريع لتشمل غواصات قتالية معززة من بينها أنواع مختلفة من أجهزة الاستشعار، الغواصات، وشبه الغواصات، وبما في ذلك أيضًا الطائرات غير المزودة بطيار. ويعكس هذا الواقع الرغبة الملحّة لدى فيلق الحرس الثوري الإيراني لتطوير واستخدام الغواصات والمعدات والجوية التي تسمح لها بضرب الأهداف عبر وسائل أكثر ذكاء ويصعب رصدها.

كما تم تزويد العديد من منصات الإطلاق البحرية بكمّ هائل من الصورايخ المضادة للسفن، لضمان المزيد من القدرات الهجومية العالية ضد المقاتلات شبه العائمة. هذا بالإضافة إلى الغواصات والتي  تشمل غواصات صغيرة مدججة بالألغام من فئة غدير (كما تعرف أيضًا بقدير أو قدر، ويشار إليها أحيانًا بفئة يونو أو Type SS-3) والمركبات الذكية الخاصة بإيصال الضفادع البشرية.

ويرى خبراء متخصصون في أمن البحار، أن توفير الحضور الفاعل في ممرّ ترانزيت ضيّق خاص بالسفن يتطلب نشر 60 سفينة حربية، كما لا شك وأن أعباء مالية ضخمة تترتب على مثل هذا الانتشار الهائل. وفي حين أن التواجد العسكري في خليج عمان لا يستهان به، لا تبدو التغطية العسكرية الكاملة أمرًا ممكنًا.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.