التدخل غير المرحب به في المنطقة… ورقة رابحة بيد واشنطن (1)

العميد م. ناجي ملاعب

صحيح أن ايران استطاعت أن تصمد أمام عقوبات الولايات المتحدة والدول الغربية لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن وأن تتطور اقتصادياً وعسكرياً وعلمياً في ظل “اقتصاد المقاومة”، لكن ما يزعج الإدارة الأميركية هو الدور الذي تلعبه طهران في سياسة المحاور في منطقة اعتبرها عالم الجيوبوليتيكهالفورد ماكيندر أنها (أوراسيا) قلب العالم. وهذا “ممنوع” على روسيا والصين فكيف على الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ فهل تنصاع الجمهورية الإسلامية الى “الإستكبار العالمي” أم أن المجهول بانتظار المنطقة؟

قبل أن يصل دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة في أميركا وعد بالخروج من الاتفاق النووي مع طهران وتمزيقه، وفعلاً بعد سنة من وصوله إلى البيت الأبيض نفّذ الرئيس ما وعد به، آخذاً على الإتفاقية عدم شمولها وقف تطوير الأسلحة الصاروخية الإيرانية، واستغلال طهران لتلك الإتفاقية للأقدام على التوسع الميداني في الشرق الأوسط.

وللمزيد من الضغوط الأميركية، وفي خطوة تصعيدية، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة صنفت الحرس الثوري الإيراني “منظمة إرهابية” أجنبية، لتكون تلك المرة الأولى التي تصنف فيها واشنطن رسميا قوة عسكرية في بلد آخر جماعة إرهابية. وبعد أن كانت استبقت هذا الإعلان بإدراج عشرات الكيانات والأشخاص فعلياً على قوائم سوداء لانتمائهم للحرس الثوري.

ويعزو ترامب خطوته “غير المسبوقة” الى “حقيقة أن إيران ليست فقط دولة ممولة للإرهاب، بل إن الحرس الثوري ينشط في تمويل الإرهاب والترويج له كأداة حكم”، ويضيف أن التصنيف يوضح بجلاء مخاطر الدخول في معاملات مالية مع الحرس الثوري أو تقديم الدعم له… “إذا تعاملت ماليا مع الحرس الثوري فإنك بذلك تمول الإرهاب”. وسارع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو الى القول أن سريان مفاعيل هذا التصنيف سيأخذ مجراه التنفيذي خلال أسبوع.

وشمل القرار الأميركي وحدة النخبة في الحرس الثوري “فيلق القدس”[1]، بصفته الجناح الخارجي الذي يقدم الدعم إلى حلفاء طهران في الشرق الأوسط، مثل حزب الله اللبناني وقوات الرئيس السوري بشار الأسد. وحذر منتقدون من أن هذه الخطوة الأميركية قد تجعل مسؤولي الجيش والمخابرات الأميركيين عرضة لإجراءات مماثلة من جانب حكومات غير صديقة.

وكان رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإسلامي الإيراني(البرلمان) حشمت الله فلاحت بيشة، قد استبق صدور القرار بالقول إنه “في حال إدراج الحرس الثوري في القائمة الأميركية للمجموعات الإرهابية، فإننا سندرج العسكريين الأميركيين ضمن قائمة الإرهاب”. وتوقع وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف بأن صدور هكذا قرار سوف  “يُدخل واشنطن في مستنقع”، وأضاف أن مثل هذه الخطوة ستكون كارثية[2].

وفي الضغوط الإقتصادية، وفي 21 نيسان قرر الرئيس الأميركي انهاء الإعفاءات التي سمح بموجبها لثماني دول بشراء النفط الإيراني بدءأ من الموعد المقرر في 2 أيار، بهدف تحقيق “صادرات صفر” بحسب ما أعلن البيت الأبيض.

 قطاع الطاقة، والذي يشكل 90 بالمئة من الدخل القومي، يُعَد طوق النجاة للاقتصاد الإيراني الذي لا يستطيع الحياة دونه، إذ تعتمد الحكومة على صادرات الطاقة بشكل رئيسي للوفاء بالنفقات الحكومية وسد العجز المالي المتزايد، وفي احصاء لأكبر مستوردي النفط الإيراني ما بعد الإتفاق النووي أجري عام 2016 وهم على الترتيب: الصين التي بلغ حجم واردتها إلى 671.2 ألف برميل يوميًّا خلال شهر نيسان/ أبريل، والهند التي استوردت 393 ألف برميل، واليابان إذ سجَّلت 194.1 ألف برميل يومياً، وكوريا الجنوبية التي استوردت237.1 ألف برميل يومياً[3]. الى جانب الدول الأربعة الأخرى: تايوان، تركيا، ايطاليا، واليونان.

ما هو مصير المنطقة على ضوء الترتيبات والمخططات الأميركية؟  ما المتوقع من نتائج تصلّب كل فريق في مواقفه وهل من احتكاك عسكري قد يودي بالمنطقة الى حروب ليست محسوبة نهايتها. وأين مسرح العمليات الأقرب المفترض؛ سوريا، اليمن، العراق أم الخليج العربي الذي تتربع على ترابه وفي بحره القواعد والبوارج الحربية الأميركية والأوروبية؟ وما السيناريوهات المحتملة؟ وأين لبنان من تداعيات التوتر الإيراني الأميركي المضطرد. 

أولاً: تداعيات اقرار وتنفيذ العقوبات الأخيرة

1- تداعيات اقتصادية ونقدية

من التداعيات المباشرة ما توقعه صندوق النقد الدولي من انكماش الاقتصاد الإيراني هذا العام بنسبة هائلة قد تبلغ 6 في المائة، وهو أسوأ أداء له منذ عام 2012 عندما شهد انكماشا بنسبة 7.7 في المائة، وفقا لوكالة الصحافة الفرنسية. وتمثل هذه النسبة هبوطا كبيرا عن توقعات الانكماش التي صدرت في تشرين الأول/أكتوبر والتي كانت بنسبة 3.6 في المائة، وذلك لأن العقوبات الأميركية طالت بشكل خاص قطاع النفط الإيراني[4].

وفي خطوات نقدية تنفيذية، فقد أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، أنها توصلت إلى اتفاق مع مصرف يونيكريديت  (Unicredit)الإيطالي، الذي يعد أحد أكبر البنوك الإيطالية، لدفع مليار و300 مليون دولار أميركي بسبب انتهاك العقوبات المفروضة على النظام الإيراني ودول أخرى.

وأجرى البنك التسوية مع وزارة العدل الأميركية ووزارة الخزانة ومجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) ومدعي مانهاتن وإدارة الخدمات المالية في نيويورك. وقد فرضت تلك الغرامة بسبب قيام البنك الإيطالي بالسماح لإيران بإجراء تعاملات مصرفية ومالية بين عامي 2007 و2011، و”تم تنفيذ العملية سرًّا دون ذكر خطوط الشحن الإيرانية”.[5] ووفقًا لرويترز، تم تكليف البنك الإيطالي بتحويل مئات الملايين من الدولارات نيابة عن إيران ودول وكيانات أخرى تمت معاقبتها عبر فرعين في مانهاتن، ونيويورك.

وفرضت وزارة الخزانة الأميركية، عقوبات بحق شركات وشخصيات إيرانية، استهدفت 25 شخصا ومؤسسة في إيران وتركيا، وتشمل المؤسسات بنوكا ومؤسسات مالية أخرى، منها بنك أنصار وأطلس للصرافة وشركة أطلس الإيرانية.

وقالت الوزارة إنها استهدفت “شركات وهمية” تابعة للحرس الثوري الإيراني، وهي بنك أنصار ومكاتب “أنصار للصرافة” في كل من إيران وتركيا، مشيرة إلى قيام هذه الشركات مجتمعة بنقل أكثر من مليار دولار للنظام الإيراني. وأضافت أن الأموال عادت بالفائدة على الحرس الثوري الإيراني ووزارة الدفاع الإيرانية ولوجستيات القوات المسلحة.

وتناول الضغط الأميركي شركات وسائل التواصل الإجنماعي، وذكرت وكالة أنباء “جوان” المحلية، التابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيراني، أن “موقع إنستغرام أغلق الصفحة الرسمية لقائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني”. وتضم صفحة سليماني على “إنستغرام” 888 ألف متابع، وهذه ليست المرة الأولى التي يُحظّر فيها، حيث حُظر الحساب 6 مرات سابقاً، وكانت آخر مرة في 25 كانون الأول 2016، بالإضافة إلى حذف مشاركات من الحساب تتعلق بتنظيم “داعش”.

وسبق لسليماني أن نشر صورة على “إنستغرام” مكتوباً عليها: “سأقف ضدك” باللغة الإنجليزية، موجهة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وذلك رداً على نشر الأخير صورة عبر “تويتر” تحاكي بدء تطبيق العقوبات الأمريكية على إيران قبل نهاية العام الماضي.

2- رد الفعل الإيراني: تراجع تصريحات العسكريين، مقابل إعطاء دور للتيار الإصلاحي

وفي أول رد فعل من طهران ذكر التلفزيون الإيراني أن قرار واشنطن تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية أجنبية يتعارض مع القانون الدولي وغير قانوني. وقال التلفزيون الرسمي دون النقل عن مسؤول محدد “ليس لأي دولة أخرى الحق القانوني في اعتبار قوة مسلحة في دولة أخرى إرهابية… نفوذ إيران في الشرق الأوسط ونجاحها في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية من الأسباب التي أدت إلى التصنيف”.

من جهته، انتقد الرئيس الإيراني حسن روحاني القرار الأميركي، محذّراً واشنطن من أن بلاده تمكنت في العام الماضي من بناء “أسلحة وصواريخ لا يمكنها تخيّلها”. كما هدد أنه إذا استمرت الولايات المتحدة في الضغط الحالي على طهران، فإن بلاده ستستأنف عملية تخصيب اليورانيوم بطريقة أسرع بكثير من خلال استخدام أجهزة الطرد المركزي الأكثر تقدماً.

وقال روحاني في كلمة بمناسبة يوم الجيش: “إن أمم المنطقة عاشت جنبا الى جنب على مدى عقود بدون أي مشكلة أبدا”، معتبرا أنه “اذا كانت هناك مشكلة الآن فان سببها آخرون، فلننهض ونتحد ونخلص المنطقة من وجود المعتدي”.  وأضاف أن “القوات المسلحة الإيرانية لن تكون أبدا ضدكم أو ضد مصالحكم الوطنية. قواتنا المسلحة تقف في وجه المعتدين”، متوجها بكلامه الى “شعوب المنطقة والدول المجاورة والأمم الإسلامية”. ودعا روحاني الدول المجاورة لايران الى “طرد الصهيونية”، مؤكدا أن “جذور مشاكل المنطقة تكمن في الغطرسة الأميركية والإسرائيلية[6]”.

في هذا السياق، تراجعت تصريحات العسكريين الإيرانيين، مقابل إعطاء دور للتيار الإصلاحي الذي تمثّله وزارة الخارجية الإيرانية التي يرأسها محمد جواد ظريف، بعد أن رُفضت استقالته التي أعلن عنها عبر تويتر. حيث قام ظريف بجولة إلى دمشق وأنقرة، وهدّأ من تشدد طهران السابق حيال الملفات الخلافية مع أنقرة، في ما يتعلق بملف إدلب وشرق الفرات واللجنة الدستورية.

ثانياً: الخيارات الإيرانية المتاحة

1- التقارب مع تركيا مصلحة للدولتين الإقليميتين

في المشهد الإقليمي المعقّد، تبدو إيران أقرب إلى تركيا منها إلى روسيا، هذا قد يعطيها إمكانية خلط الأوراق في الملف السوري، خاصة أنّها تسعى إلى فتح خطوط تواصل بين تركيا ونظام الأسد، ما تزال أنقرة ترفضها إلى الآن.

تستغل طهران دور أنقرة الإقليمي في المنطقة، وخلافاتها مع واشنطن مؤخرا حول رفض الأخيرة لصفقة أس400- بين روسيا وتركيا، وتهديدها لتركيا بإيقاف صفقة طائرات أف35-، إضافة إلى العقوبات الاقتصادية على أنقرة، والحاجة التركية إلى أوراق ضغط على واشنطن لإجبارها على المضي بإنشاء المنطقة الأمنية شمال شرق سوريا.

قد تسعى تركيا، حسب تصريحات وزير خارجيتها، مولود جاويش أوغلو، إلى آليات جديدة للتجارة مع إيران، باعتماد عملات غير الدولار، على غرار ما تفعله فرنسا وألمانيا وبريطانيا، بفتح ما سمي “أداة دعم المبادلات التجارية”، لتجنب العقوبات المفروضة على إيران.

ترى الكاتبة السورية رانيا مصطفى أن تركيا مجبرة على هذا التقارب مع إيران، وعلى رفض تصنيف الولايات المتحدة للحرس الثوري منظمة إرهابية، وتعلل ذلك بعدة أسباب: الأول اقتصادي يتعلق بحجم التبادل الاقتصادي الكبير مع طهران، وطبيعة هذا التبادل التكاملية، حيث يسعى الطرفان إلى زيادة حجم التجارة البينية إلى 30 مليار دولار، وهي ثلاثة أضعاف المستويات الحالية.

السبب الثاني سياسي يتعلق بالخلاف التركي العربي، والخلاف العربي الإيراني، وبالتالي تقتضي المصلحة التركية التقارب مع إيران، خاصة مع تشكيل حلف ضدّها يضمّ إسرائيل، وتقوده واشنطن. والحقيقة أن الخلاف التركي- العربي يفوّت على تركيا فرصة الاستثمار الاقتصادي في العمق العربي.

والسبب الثالث أن تركيا ترفض إطلاق صفة إرهابي على فصيل من جيش نظامي لدولة، والموافقة عليه سيشكل إحراجا لها، وسيفتح بابا جديدا من الضغوط أمام واشنطن، وقد يطال يوما الجيش التركي. وتركيا مضطّرة إلى التعامل مع الحرس الثوري الإيراني، كونه يسيطر على معظم قطاعات الاقتصاد، البناء والعقارات والمصارف.

إذا كل العوامل السابقة تقول إن تركيا لن تمضي في القبول بالعقوبات المفروضة على إيران وحرسها الثوري، قد لا تمدد الولايات المتحدة لتركيا فترة الإعفاء من الالتزام بالعقوبات المفروضة على الصادرات الإيرانية[7].

2- رغم تباين المواقف لا تملك طهران إلا التظلل تحت السقف الروسي

تنقل إيران مراكزها العسكرية من مطار دمشق. تعلن مصادر روسية عن عزم لانتقال هذه المراكز إلى قاعدة “تي فور” في الريف الشرقي لحمص، والتي سبق أن تعرّضت لقصف إسرائيلي استهدف مراكز إيرانية داخلها. والمعنى أن طهران تعلن انتقال مراكزها العسكرية من منطقة مكشوفة أمام النيران الإسرائيلية إلى أخرى سبق انكشافها لتلك النيران. والمعنى الآخر أن إيران تستجيب للضغوط الإسرائيلية لإخلاء جنوب سوريا من أي تواجد إيراني، لكنها أيضا تعيد التموضع داخل سوريا تمهيدا لإخلاء كامل يجري إعداده بدأب واضح.

تكرر موسكو في الأيام الأخيرة أنها ليست حليفة لإيران في سوريا. تقصّد نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، التذكير بذلك، فيما تولت منابر روسية أخرى العزف على نفس الإيقاع. سيأتي من روسيا من يجمّل هذا الكلام ويدوّر زواياه، لكن الثابت أن الأمر لم تعُد موسكو تواريه أو تخجل من الإفصاح عنه. تغضّ روسيا الطرف عن القصف الإسرائيلي على المواقع الإيرانية في سوريا. امتنعت عن تشغيل منظومة صواريخ أس 300 دفاعا عنها.

لا تملك طهران إلا التظلل تحت السقف الروسي. تفقد كل يوم إمكانية التعويل على مظلة أوروبية، خصوصا أن الإفراج عن آلية الدفع الأوروبية لتسهيل التجارة مع إيران، ألحق بعد ساعات بموقف أوروبي جامع يُدين برنامج إيران للصواريخ الباليستية كما السلوك الإيراني المزعزع للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.

ستغادر إيران سوريا، أو على الأقل لن يعود لطهران ما كانت تملكه من نفوذ داخل هذا البلد. لا انخراط أممي في التسوية السورية ولا تطبيع عربي للعلاقة الكاملة مع نظام دمشق ولا ضخّ مالي غربي لإعادة الإعمار في هذا البلد قبل تحقيق هذا الإنجاز[8].

فيما اعتبرت وزارة الخارجية الروسية، أن تصنيف واشنطن الحرس الثوري الإيراني تنظيما إرهابيا، هو استمرار لنهج الولايات المتحدة في “شيطنة” إيران، وسينعكس سلبا على سحب قواتها من سوريا.

وأكدت زاخاروفا موقف موسكو ومفاده أن نهج الولايات المتحدة لتقويض الاتفاق النووي مع إيران وإعادة الضغوط واسعة النطاق على الجمهورية الإسلامية من خلال العقوبات “أمر مضر تماما”، موضحة أن السلطات الأمريكية تسعى عبر ذلك لتحقيق مصالح صفوف ضيقة في البلاد وليس مصالحها القومية[9].

ثالثاً: تدخل فيلق القدس: انجازات ونتائج   
1- انفاق عسكري هائل يخدم سياسة التوسع

على امتداد سنوات، أنفقت ايران مبالغ طائلة في دول المنطقة. صرفت المليارات لضمان بقاء الرئيس السوري بشار الاسد في السلطة وتحويل حزب الله جيشاً موازياً بالسلاح والمال والتدريب، قوّت الميليشيات الشيعية في العراق على حكومة بغداد، وبالصواريخ صبت النار على حرب اليمن. وبين هذه الجبهة وتلك، تنقل قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني محاولاً ترك انطباع بأنه رجل لا يقهر.

ويقول محلل الشؤون الإيرانية والباحث في مؤسسة “دراسات الشرق الأوسط “في باريس محمد أمين إن الحرس الثوري الإيراني خصص مبالغ ضخمة للميليشيات التي تقاتل في حروب الوكالة في الدول العربية، وخصوصاً في سوريا، حيث خصصت ميزانية السنة المالية الجديدة لإيران أكثر من 24.5 مليار دولار للشؤون العسكرية والأمنية، أي ما يعادل 23% من الموازنة العامة لإيران على حساب باقي القطاعات التنموية.

وشمل الانفاق العسكري نحو ثمانية مليارات دولار لـ”الحرس الثوري” الذي يحصل على دعم مالي اضافي من مصادر خارج الموازنة أيضاً، وخصوصاً من مصالحه في قطاعات متنوعة من المناجم والهندسة الى الزراعة التي تدر مداخيل لا تخضع لمراقبة الحكومة. [10] 

في تشرين الاول الماضي، تباهى مستشار المرشد الاعلى للجمهورية الاسلامية علي اكبر ولايتي من منبر السراي الحكومية اللبنانية بمغامرات بلاده في المنطقة، مصنفاً لبنان وفلسطين وسوريا والعراق ضمن محور المقاومة الذي تتزعمه طهران، مدعياً بأنه انتصر على “داعش. [11] وبعد الردود القوية عليه من بيروت، جاءه الرد الاقوى من داخل بلاده أخيراً، حيث هتف الايرانيون: لا لبنان ولا بيروت، روحي فداء لايران”.

ينقل محمد ظريف رجل الدبلوماسية الإيرانية المبتسم إلى بغداد ثم بيروت نسخة جديدة من طبيعة النفوذ الذي تتحرّى إيران المحافظة عليه داخل بلدان “الهلال الشيعي” وداخل ممرّها نحو البحر المتوسط، الذي يبدو واضحا أن إرادة دولية سياسية وجيواستراتيجية وعسكرية تعمل على قطعه في سوريا وإضعافه في العراق ومحاصرته في لبنان.

يأتي ظريف إلى لبنان ليعيد إبلاغ الأميركيين من بيروت ما سبق أن أعلنه في النجف قبل أسابيع “ستمضون ونبقى لأننا أهل الأرض”. لا يهمّ أن تكون للولايات المتحدة قواعد وتواجد عسكري داخل العراق، ولا يهم أن ترصد واشنطن برنامجا تسليحيا قيمته أكثر من مئة مليون دولار للجيش اللبناني، فذلك في عُرف إيران تفصيل زائل.

بكلمة أخرى فإن طهران ترسل وزير خارجيتها للقيام بحملة علاقات عامة تصدّ بها زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى العراق (من ثم الى بيروت ضمن جولة شرق أوسطية) تودّ طهران أن تدعي أنها الندّ الوحيد للنفوذ الأميركي في بلدان المنطقة[12].

2- محور المقاومة: تطويق أميركي لسوريا تمهيداً لتقطيع أواصل خطوط المقاومة

ويخشى الإعلام اللبناني المدافع عن خط محور المقاومة، من تطويق سوريا وقطع سبيل خط المقاومة من جهة العراق مروراً الى لبنان. ويرى محور المقاومة ان الأميركيين والبريطانيين يجاهرون اليوم بسيطرتهم على الحدود اللبنانية – السورية عبر دعمهم تشكيل أفواج الحدود البرية اللبنانية، وزرع أبراج مراقبة على طول الحدود، تمهيداً للفصل مستقبلاً بين البلدين وبين ​المقاومة و​الجيش السوري​ ومنع خطوط التهريب التجارية من وإلى سوريا مع اشتداد الحصار[13].

ويكشف اعلام المقاومة عن “المخطط نفسه يجري إسقاطه على الحدود ​الأردنية – السورية، عبر زرع أبراج مراقبة ورفع سواتر ترابية وأسلاك شائكة، فضلاً عن إنشاء قاعدتين عسكريتين في الشمال الأردني، في إربد والمفرق. وعلمت “الأخبار” أن الأميركيين يعملون على إنشاء قاعدة عسكرية جديدة في منطقة السلط شمال غرب الأردن. وصعوداً من الجنوب السوري، نحو منطقة التنف، حيث يصرّ الأميركيون على استمرار سيطرتهم على المثلث الحدودي الأردني – السوري – ​العلااقي، و​قطع طريق​ بغداد – دمشق، وإبقاء الشريان العراقي مقطوعاً عن سوريا. ومع أن المنطقة الواقعة بين شمال السيطرة الأميركية في التنف و​الضفة الغربية لنهر الفرات​ على الحدود السورية – العراقية، تقع تحت سيطرة الجيش السوري والإيرانيين، مروراً بمعبر البوكمال، إلّا أن تردي الوضع الأمني في غرب العراق وتواجد ​القوات الأميركية​ قرب الحدود، مع انتشار إرهابيي “داعش” في البادية المفتوحة، يحول دون تحوّل هذا المعبر إلى شريان حيوي برّي رسمي وغير رسمي، مع غياب القرار السياسي العراقي الحاسم.

ولا يترك الاحتلال الأميركي للشرق السوري والاحتلال التركي مع العصابات الإرهابية المسلحة – والكلام ما زال لجريدة الأخبار –  لمناطق ما يسمّى ​درع الفرات​ و​محافظة إدلب من الشمال الغربي، سوى البحر السوري ممرّاً للبضائع، مع سلاح العقوبات المرفوع ضد حاملات النفط من أي جهة أتت نحو الساحل، والمطاردة العسكرية في بعض الأحيان من سفن “​التحالف الدولي[14].

3- الدور الإيراني في سوريا صار في حكم “غير المرحب به”

فتحت إيران مع النظام السوري خطا ائتمانيا منذ 2011، بلغت قيمته حتى اليوم 5.5 مليار دولار، خُصِّص أغلبُه للمشتقات النفطية. وفي آب 2018، وقّع الطرفان السوري والإيراني اتفاقية تعاون عسكري تنصّ على تقديم طهران الدعم لإعادة بناء جيش النظام. ووقعا اتفاق تعاون اقتصادي طويل الأمد، شمل قطاعات النفط والطاقة الكهربائية والزراعة والقطاع المصرفي. وبالتالي بات على نظام الأسد دفع 20-22 مليار دولار كديون لإيران كصفقات تجارية، عدا ما قدمته من سلاح ورواتب لميليشياتها وتبلغ قرابة 40 مليار دولار.

ويقدر “مجلس المقاومة الإيرانية” المبالغ المقدمة للنظام في سوريا والميليشيات في كتابه الصادر عام 2017 بما يقارب 20 مليار دولار سنويًا. ويقول إنه خلال السنوات الخمس من بداية الازمة السورية، أنفقت طهران ما بين 80 و 100 مليار دولار في تلك البلاد. وقالت الامم المتحدة إن ايران قدمت ستة مليارات دولار لنحو 60 ميليشيا في سوريا نقلوا من العراق ولبنان واليمن وباكستان وافغانستان.[15]

والعام الماضي، فتحت طهران خط اعتماد بقيمة مليار دولار أضيف الى اعتمادات قيمتها 5,6 مليارات دولار قدمتها لسوريا بين 2013 و2015. الى ذلك، توفر شحنات النفط الايرانية خط انتعاش قيماً آخر للنظام.

في توجه يخدم الأيديولوجيا الإيرانية، تبنت طهران استراتيجية التقارب مع أنقرة، وممارسة الضغوط على نظام الأسد المتهالك اقتصاديا، وعلى روسيا، بهدف تعزيز موقعها في سوريا، غير المرغوب به عربيا، وأميركيا، وإسرائيليا، وروسيا. وبالتالي فإن إيران مهدّدة في تواجدها في سوريا.

ويبدو أن الدور الإيراني انتهى في البلدين ( سوريا والعراق) بالنسبة لواشنطن، ويتم التعامل معه بالقوة الناعمة، عبر العقوبات، وعبر ضرب إسرائيل لمواقعها في سوريا، ومؤخرا تهديدها أن تشمل الضربات لبنان والعراق؛ هذا إلّا إذا اختار ترامب توجيه ضربات عسكرية لإيران، ترفضها إدارته.

وبدأت نتائج “القوة الناعمة” تنعكس على دمشق، حيث تواجه سوريا أزمة فقدان مادة البنزين، بسبب توقف شحنات المحروقات الإيرانية الى دمشق، ولم تصل الى الموانئ السورية أي ناقلة نفط منذ 15 تشرين الأول الماضي، وفقا لصحيفة “الوطن” السورية، وهو تاريخ توقف الخط الائتماني الممنوح من طهران لدمشق.[16]

ويتوقع محللون سوريون أن “إيقاف طهران للخط الائتماني قد يكون خطوة للضغط على نظام الأسد، لتحصيل التنازلات، ومنها الحصول على نفوذ في البحر المتوسط، الأمر الذي يشكل بدوره ضغطا على روسيا، للقبول بإعطاء إيران دورا في التسوية السورية، بدلا من التحالف مع العرب، ومع إسرائيل، لطردها، على غرار ما تفعل واشنطن”[17].


[1]   الحرس الثوري الإيراني  الذراع الأقوى لصناعة وتنفيذ السياسة الخارجية الإيرانية، اضطلع بدور تصدير الثورة، رجاله متنفذون في كل مؤسسات القوة في إيران، ويشكلون غالبية الحلقة القريبة من المرشد الأعلى للجمهورية، بالإضافة إلى تبعيتهم له مباشرة في استقلالية كاملة عن جيش الجمهورية. ويتكون الحرس الثوري من نحو 350 ألف عنصر ينفذون مهماتهم بأسلحة البر والبحر والجو، ويمتلكون أسلحة نوعية وحديثة كما يتكون من خمسة فيالق أهمها قوات التعبئة العامة (الباسيج) وفيلق القدس: من كتاب “الإستراتيجية الإيرانية في الخليج العربي” الصادر عن مركز صناعة الفكر للدراسات والأبحاث، تعليق غازي كشميم، شبكة الجزيرة الإعلامية.

[2]  موقع DW عربية في 8 – 4 – 2019

[3]  أحمد شمس الدين ليلة – “المعهد الدولي للدراسات الإيرانية- رصانة” 16 آب 2016

[4]  جريدة النهار 9 – 4 – 2019

[5] شبكة شام الإخبارية بتاريخ  16/نيسان/.2019

[6]  موقع فرانس برس بتاريخ 18 – 4 – 2019

[7]  رانيا مصطفى، موقع العرب الإلكتروني بتاريخ 2019/04/21

[8]  قواص المرجع السابق

[9]  موقع روسيا اليوم 11 – 4 – 2019

[10]  صحيفة “النهار” 4 كانون الثاني 2018

[11]  موناليزا فريحة صحيفة “النهار” 4 كانون الثاني 2018

[12]  محمد قواص: الموقع الإلكتروني لجريدة العرب اللندنية بتاريخ 12- 02 -2019 

[13] جريدة “الاخبار”اللبنانية في 18 – 4 – 2019

[14]  جريدة “الاخبار”اللبنانية في 18 – 4 – 2019

[15]  صحيفة “النهار” 4 كانون الثاني 2018

[16]  موقع سبوتنك الروسي في 18- 4 – 2019

[17]  رانيا مصطفى، موقع العرب الإلكتروني بتاريخ 2019/04/21

1 Trackbacks & Pingbacks

  1. الأمن القومي في مستقبل لبنان (2)

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate