2021-07-31

العميد ناجي ملاعب :”الصراع في سوريا قائم على اساس معيار مفهوم الجيوبوليتيك، فأنا لا أؤمن بأن أي قوة عظمى في العالم، تحدد سياساتها من خلال التزاماتها الانسانية أو الأخلاقية.“ (1)‏

لا شكل أن الوضع في سوريا معني بالدرجة الأولى  بمفهوم الجيوبوليتك وليس حقوق الإنسان، ولعل روسيا مستعدة الآن للقبول بأقل من أهدافها الأصلية في إدلب، سعياً لتثبيت مكاسب النظام مؤخرًا هناك. وسيكون هدفها الأول، على الأرجح، هو إعادة رسم خارطة الانتشار العسكري التركي في المحافظة، وتحديدًا سحب نقاط المراقبة التركية التي أقيمت بموجب اتفاق سوتشي في عام2018  إلى ما وراء طريقي م4  و م5  السريعين وقد دأبت على اعتماد صيغة الدوريات مشتركة مع الأتراك لتهدئة الهواجس التركية، طمعاً بالوصول الى إجلاس التركي والسوري الى طاولة مفاوضات مباشرة.

والثابت إن ما يحصل قد تجاوز العمل على وحدة سوريا والعمل في الخفاء والعلن بشكل حثيث على إحداث التغييرات الديمغرافية وترسيم حدود للدويلات الطائفية تمهيداً لتقسيم الكعكة برعاية قوى الطوائف. فلا مانع للمعارضة والنظام من أن يعيشا تحت وصاية ورحمة تركيا وإيران، كما لا مانع لدى الكُرد أن يعيشوا تحت وصاية أميركية في كيان يحميهم. وروسيا هدفها أساسي وهو الموانئ الساحلية والتوسع في القواعد العسكرية وهي متحالفة مع إيران في كل الأحوال في سوريا.

ولكن مازال هناك مشروع دولي قد يصطدم في أكثر من نقطة مع المشاريع الإقليمية، فإذا كانت الولايات المتحدة والعالم الغربي وروسيا يقبلون ببقاء الأسد في الجزء الأكبر من سوريا، فليس معنى ذلك أنهم سيحتضنونه أو يسددون فاتورة إعمار سوريا. فالعالم الغربي الذي قبل تعايش مع هذا التوجه، من المتوقع ان يضغط عليه اقتصاديا، وهو يخطط لتصبح سوريا في عهده مثلما كان العراق في عهد صدام حسين. وبالتالي ، تبقى سوريا رهن المعارك والخيار العسكري الى حين تواجد الحل السياسي وما سيتمخض عن من قرارات وتطورات على خلفية الانتخابات الاميركية حيث نعالج كل هذه الملفات مع الدكتور العميد ناجي ملاعب في حوار خاص عبر موقع أجيال قرن ال21:

 – كيف تقرؤون الملف السوري بعد 9 سنوات من الحرب الداخلية؟

في الحادي عشر من آذار/ مارس من كل عام من أعوام الأزمة السورية يحاول الخبراء والمحللون إلتماس النهاية لتلك الأحداث – أقله الدموية منها – ولكن الأفق يبقى مسدوداً، ولا من موقف أممي حاسم بعد جنيف الأول 2012، فالقرارات الدولية في هكذا نزاعات دونها استخدام حق الفيتو بما يتناسب مع مصالح الدول الخمس الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وإن نفَذ منا أي قرار فهو قرار باهت،  غير فاعل، وعرضة لتفسيرات جمة، ولا يفي بالغرض المنشود.   

سوريا اليوم، بعد التدخل الروسي المباشر، نظام قائم في ظل هيمنة روسية، مستفيدة من القرار الأميركي بالإنسحاب التدريجي من المنطقة، وبانيةً نوعا شبكة أمان عبر التوفيق في احترام “الأمن القومي” للقوى الإقليمية الثلاثة في الشرق الأوسط، ايران، تركيا وإسرائيل.

بقاء النظام، بعد كل هذه المدة، يعود الى دعم مادي وعسكري من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ودعم إضافي روسي هائل – حين لم يعد الدعم الإيراني بالمال والعتاد والرجال والسلاح مجدياً – وصل حد استقدام أحدث الماكينة العسكرية الروسية من مقاتلات وقاذفات استراتيجية وقطع البحرية الحربية، ما أبقى على استمراره، ومكّنه من اعادة سيطرته على معظم البلاد، بالحديد والنار حيناً، وبالأرض المحروقة أكثر الأحيان، وبغض نظر دولي أوصل الى تهجير حوالى ثلث سكان البلاد.

هذا الدعم الروسي لم يكن في سبيل الإبقاء على النظام الحاكم فقط، ولكن لروسيا حسابات أخرى، نفذَت بها، عبر إضفاء شرعية لتدخلها بحجة طلب النظام القائم للتدخل. فمنذ 6 يونيو/ كانون الثاني 2013 أعلنت روسيا أنها أرسلت 16 سفينة حربية وثلاث طائرات هليكوبتر تقلع من السفن لتتمركز في البحر المتوسط في أول انتشار دائم لبحريتها في المنطقة منذ عهد الاتحاد السوفيتي، في خطوة سبقت فيها موسكو البيت الأبيض والساسة في لندن وباريس (الأكثر ضجيجا في تصريحاتهم بشأن إحتمالات التدخل العسكري العلني في سوريا)، وأثبتت أنها الطرف الأقوى عبر مساندة سلطات دمشق، في الإستفادة من الحضور الروسي في المياه الدافئة. وكان واضحاً وصف الرئيس الروسي بوتين الهدف من هذه الخطوة بأنه ليس “قرع طبول الحرب” ولا تهديد أي دولة، بل “هذه منطقة لها أهمية استراتيجية ولدينا مهام ننفذها لتوفير الأمن الوطني للاتحاد الروسي”.

Image result for ‫بوتين واردوغان في الكرملين‬‎

2 – كيف تقيمون أوضاع المعارضة المسلحة في سوريا؟

نشأت ظاهرة الفصائل المسلحة، منذ البداية، ليس كنتاج للمعارضة السياسية، ولا بفضل الحراكات الشعبية في المجتمع السوري، ولا على أساس الإمكانات الذاتية، وإنما بفضل التشجيع والدعم الخارجيين، وليس المقصود هنا ظاهرة «الجيش الحر» ولا الجماعات الأهلية التي تسلحت للدفاع عن القرى او بعض أحياء المدن، وإنما عن الفصائل المسلحة، ذات الطابع الأيديولوجي، التي بلغ عددها العشرات، من دون ان يكون لها مرجعية واحدة، ومن دون أي تنسيق في ما بينها، والتي اشتغل معظمها كسلطة في «المناطق المحررة»، وبالمنازعات الجانبية مع الفصائل الأخرى، إلى درجة التقاتل تحت أنظار النظام، وعلى مقربة من جبهاته، وهذا حصل في الغوطة الشرقية لدمشق، وفي حلب، وفي أماكن اخرى، تحت الحصار والقصف.
وما شهدناه من استنزاف قوى المعارضة العسكرية، وتالياً إدخال الثورة، وشعبها، في معارك فوق طاقتها وقدرتها على التحمل
أيضاً، يعود بالأساس الى ارتهان الفصائل للدول الداعمة، وضبط حركتها على إيقاع هذه الدول السياسي والتسليحي، والارتباط بأجندتها، على حساب اجندة السوريين، فإنها لم تراع محدودية امكانياتها، ولم تدرك تماماً الحدود التي يسمح لها النظام الدولي بالوصول إليها، ناهيك أن ذلك سهّل على النظام، تحويل ما اعتبره بيئات حاضنة للثورة إلى حقل رماية لمدفعيته وطائراته، ودفع السوريين إلى التشرد واللجوء.

اليوم، وبعد الولوج التركي العسكري الى الساحة السورية، والإحتضان الأميركي المباشر لقوات سوريا الديمقراطية، لم يعد من دور عسكري متجرد للمعارضة الوطنية، والجهد الأمثل هو بعودة الجميع الى المظلة الأممية في جنيف للبحث في الحل السياسي المنشود. 

3 – لماذا لم يتوقف الصراع الدموي حتى اليوم؟

تقديس العمل المسلح، أو وضعه خارج النقد، هو الخطأ القاتل الذي وقعت فيه المعارضة السورية، في حين أن الثورات، بخاصة المسلحة منها، تفترض النقد السياسي المستمر لترشيد أوضاعها، وتقليل الأثمان الناجمة عن استمراريتها، ولتحقيق الإنجازات بأفضل ما يمكن. ناهيك بأن الثورات تتأسس أصلاً على تحرير العقل وضمنه تحرير السياسة وجعلها ملكاً عاماً للمجتمع، وهذا لم يحصل في الحالة السورية.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، لقد دفعت الثورة المسلحة والشعب وسوريا أثماناً باهظة نتيجة لعدم إدراك الواقع، والمبالغة بالقدرات، وتجاهل العالم، وتغليب العواطف، وغياب استراتيجية عسكرية ملائمة وممكنة، وعدم ربط الصراع العسكري بالصراع السياسي. والتوضيح أيضاً أن العامل الخارجي بات هو المتحكّم بالصراع السوري أكثر من النظام وأكثر من المعارضة وفصائلها المسلحة. لقد وصلت الأمور الى التساؤل الإستراتيجي، هل هي حرب أهلية سورية أم تحولت الى حرب على سوريا؟  

4 – ما هي اوضاع النظام حالياً؟

اذا ما نظرنا الى ماجرى في تونس ومصر، في بدايات الربيع العربي، نلاحظ أن الجيش في البلدين لعب الدور الرئيس في تأمين حسن الإنتقال الى المرحلة التالية – وهذا ما حصل مؤخراً في السودان – وهو ما لم يتوفر في سوريا، حيث مثّل تماسك الجيش بيد السلطة الحاكمة خشبة خلاص من “التمرد” الذي وصفه النظام وما يزال بالتمرد “الإرهابي”.

فمنذ أوائل خريف العام 2011، كوّنت السيطرة على حالات الفرار من الجيش وحصرها من جهة، وتصنيف المعرضة المسلحة بالإرهاب، من جهة ثانية، ديناميكيات الصراع السوري إلى حدٍّ كبير.

ففي حين ساهم الهروب من الجش في ظهور التمرّد المسلّح، لم تؤدِّ عمليات العصيان العسكرية الضخمة ولا الفرار ولا الانشقاقات إلى تفكّك الجيش السوري، أو تسلسل قيادته إلى حدّ كبير. وفي حين أدّت الطائفية إلى انعدام الثقة وعرقلت التنسيق بين الضباط الساخطين (وإلى درجة أكبر بين الجنود والضباط)، إلا أنها لم تكن الدافع الرئيس لعمليات الهروب. وهذا مايفسّر، جزئياً على الأقل، عدم وجود حالات تمرّد جماعي وتفشّي حالات الهروب الفردية. وسعى النظام إلى ردع حالات الهروب من الجيش، من خلال تعزيز آليات الرقابة، وتشجيع الولاء من خلال زيادة الحوافز المادية. وساهم تفشّي الفساد في الجيش في توفّر فرص الثراء، خصوصاً بالنسبة إلى الضباط، وبالتالي توفّر حافز اقتصادي هام للبقاء وإثبات الولاء.

ولم تكن وصم المعارضة المسلحة بالـ “إرهاب” ليزعج دول الغرب الداعمة للتغيير والرافضة لبقاء النظام، فقد لعبت أنقرة، التي احتضنت قيادات الأخوان المسلمين السوريين، دورا كبيراً في تحويل المعارضة المسلحة الى قوى اسلامية متشددة، وعِبرها، استُحضرت الى الساحة السورية مجموعات من المتشددين كانوا الذخيرة الأساس لتعزيز تنظيم “القاعدة في بلاد الشام” (جبهة النصرة فيما بعد) والذي انبثق منه تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). وقد وضع مجلس الأمن الدولي هذين التنظيمين على لوائح الإرهاب.  فالنظام السوري، اليوم، يمتلك جيشاً متمرساً في القتال الداخلي، استطاع التكيف مع القوى الحليفة التي استقدمتها إيران الى ساحات القتال، واحتاجها الروس في تأمين التدخل البري لتحرير المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وصولاً الى القتال مقابل الجيش التركي ولو كان الأخير تدخل بوحدات رمزية.

5 – من يقرر الحسم في سوريا بوتن أو الأسد؟

ازدحمت الساحة السورية بالأطراف الدولية متمثلة في روسيا وإيران والولايات المتحدة وتركيا. وظل الأسد في موقعه يردد أنه “سيستعيد كل شبر في بلاده” التي حلّ بها دمار واسع جراء الحرب التي سقط فيها نحو نصف مليون قتيل وأدت إلى نزوح نصف السكان عن ديارهم، وتسببت في أسوأ أزمة لاجئين في العالم منذ الحرب العالمية الثانية.

في ٢٦ آب/ أغسطس من العام 2015 وقبل شهر وبضع أيام على اعلان بدء التدخل الروسي، تم تجديد “اتفاق الصداقة والتعاون” الموقع بين اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية والجمهورية العربية السورية في 8 أكتوبر 1980، وباتفاقية وزارتي الدفاع في البلدين حول التعاون العسكري الموقعة في 7 يوليو 1994،  أكمل الكرملين الخطة بنشره للاتفاق “الذي يعقد لأمد غير محدد”. والتركيز على نقطة أن”روسيا لا تتحمل مسؤولية أي أضرار تحدث بسبب عمليات القوات الروسية أو تواجدها. وأن “الحكومة السورية مسؤولة عن أي تعويضات بسبب تدخل القوة الجوية الروسية في سوريا أو تنتج عن الخلافات لأي جهة ثالثة”، النقطة التي ستكون النافذة الذهبية للهروب من أي تهمة قد تلاحق الروس عسكر كانوا أم ساسة، جنوداً أو ضباط، وإنما المسؤول الوحيد عن كل ما يحدث هو النظام وحده ولا أحد غيره.

وهذا يثبت، بموجب الإتفاقية، ان القرار الحاسم في سوريا لسيد لكرملين والمسؤولية على نظام الأسد. 

6 – لماذا فشلت محطات الحوار السورية في التوصل الى اتفاق لوقف اطلاق النار؟

لقد ذكرت آنفاً أن اللاعب الروسي يوازن في إدارته للأزمة ما بين قوى إقليمية ثلاثة، إثنتان منها – إيران وتركيا – منخرطان في الصراعات المسلحة والأخرى، اسرائيل، تراقب عن كثب ويسمح لها الروسي بالضربات الجوية عن بعد بحجة حماية أمنها القومي. ولأسباب عدم استقرار الإستراتيجية التركية لحزب العدالة والتنمية الإخواني الحاكم، وتأرجحها ما بين الشرق والغرب، دخلت أنقرة في الموضوع السوري بعد أن تحكمت بتسليح وتدريب وحماية التنظيمات والفصائل الإسلامية المقاتلة في سوريا، وامتثلت لإملاءات موسكو – ما بعد 2015 – في القيام بدور راعي تنفيذ الفصائل لاتفاقات المصالحة، وهكذا قادت روسيا بمشاركة ايران وتركيا مؤتمرات أستانا المتتابعة. كان العنوان المعلن للمؤتمرات هو الحوار، ولكن الفعلي هو تمكين قوات النظام من السيطرة تباعاً، وقد ساعد الظهور الروسي السوري في مظهر مكافحة الإرهاب في عدم الممانعة الأميركية.

ومن البديهي أن قرارا أمميا لوقف شامل لإطلاق النار ينبغي أن يصدر عن مجلس الأمن الدولي، ويندرج ضمن معطيات الفصل السابع ليكتسب قوة التنفيذ، وهذا دونه عقبات كانت حضرت في كل مرة يطرح موضوع وقف اطلاق النار باستعمال الفيتو المشترك الروسي والصيني.

7 – لماذا انحصرت المواجهة المسلحة في ادلب؟

انضمت محافظة إدلب سريعاً إلى ركب الاحتجاجات على النظام، والتي تحولت لاحقاً الى نزاع مسلح تعددت أطرافه. وفي آذار/ مارس 2015 سيطر “جيش الفتح”، وهو تحالف يضم فصائل إسلامية وجهادية بينها جبهة النصرة (فرع تنظيم القاعدة بسوريا) التي تحولت إلى “هيئة تحرير الشام” على كامل محافظة إدلب. وبعد اقتتال داخلي بين الفصائل المتعددة في 2017، باتت هيئة تحرير الشام تسيطر على الجزء الأكبر من محافظة إدلب

ومنذ سيطرة فصائل المعارضة عليها، وطوال سنوات، شكلت محافظة إدلب هدفاً للطائرات الحربية السورية والروسية. ويعيش في إدلب حالياً نحو 2,3 مليون شخص بينهم أكثر من مليون نزحوا من مناطق أخرى، مع أعداد كبيرة من المقاتلين الذين رفضوا إلقاء السلاح ولا سيما من الغوطة الشرقية التي خضعت لحصار طويل وهجمات عنيفة.

منذ 2014 تعرضت إدلب إلى عدة هجمات كيميائية، في كل من بلدة تلمنس (21 نيسان/ ابريل 2014) وبلدتي سرمين وقميناس (آذار/ مارس 2015)، وفي مدينة خان شيخون لهجوم كيميائي في 2017. واتهمت الأمم المتحدة النظام السوري بشن الهجوم، رغم نفي الأخير.

في السنة المنصرمة من الصراع العسكري، اجتمعت في ادلب كافة القوى العسكرية المتدخلة، حتى تكاد تكون سوريا مصغرة، فهي شهدت وتشهد صراعا تركيا – روسيا – إيرانيا، تحرك الولايات المتحدة خيوطه، والنظام السوري في هذه المعادلة ليس إلا تفصيلا بسيطا.

يتبع..

في الجزء الثاني من المقابلة: ما هو مصير ايران في سوريا؟

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.