2021-10-25

عن مستقبل الأمن والدفاع في ظل كورونا

جنود فرنسيون
جنود فرنسيون يحرسون موقع بناء المستشفى الميداني العسكري في مستشفى إميل مولر في مولوز، شرق فرنسا، في 22 مارس 2020، في اليوم السادس من الإغلاق الصارم في فرنسا لوقف انتشار فيروس كورونا -19 (AFP)

العميد (م) ناجي ملاعب

وضع الانتشار السريع لفيروس كورونا (COVID-19) الأمن الإنساني والصناعي، كما الاقتصاد العالمي والنظام الدولي بكل مكوناته، أمام اختبار وتحدي جديدين، في ظل الارتفاع المتزايد في أعداد الإصابات المعلنة وغير المعلنة من قبل حكومات الدول، وفي ظل توقع العلماء بعودة الفيروس وانتشاره في دفعات جديدة ومتكررة في مناطق غير محصورة في العالم أجمع، وفي ظل الإنتظار الطويل لإستكشاف الدواء الفاعل واللقاح الواقي.

الفيروس الذي بدأ الكشف عنه من الصين في بداية العام 2020 والذي لم يكن متوقعاً سرعة انتشاره بهذه الطريقة المخيفة التي أجبرت العالم على العزلة لأول مرة في تاريخ البشرية. فرغم بشاعة الحرب العالمية الثانية إلا أنها لم تجبر العالم والإنسانية على فرض قيود على حركة السفر والتنقل البري والبحري والجوي في داخل الدول وبين الدول وبعضها، وهذا ما يؤكد صعوبة التحدي الجديد الذي يمثله الفيروس بالنسبة للأمن الإنساني والنظام الدولي ككل في العقد الثالث من الألفية الثالثة.

في عالم الدفاع والأمن، لقد كانت القوى الكبرى في العالم منشغلة في تحصين نفسها لمواجهة تحديات أخرى، سواء المتعلقة بالردع النووي مع انتشار الأسلحة النووية، أو الجريمة المنظمة، أو الإرهاب والمنظمات الجرمية العابرة للحدود التي شكلت المصدر الأول للتهديد خلال العقد الأول من الألفية الثالثة، فلم يتوقع أحد هذا السيناريو المخيف الذي يمر به العالم بما يمثله الخطر الداهم من سرعة انتشار الفيروس. ما الذي تغير أو سوف يتغير في قطاعي الأمن والدفاع ما بعد كورونا؟

استهداف الإنسان تهديد للأمن القومي

من جائحة بيولوجية تحت المجهر على مقياس نانوميتر إلى جائحة أمنية على قياس العالم، استهدف فيروس “كوفيد-19” المعروف بإسم فيروس كورونا “التاجي” المتجدد، الإنسان، ووجد في كل دولة بيئة حاضنة له من دون تمييز بين شرق وغرب، بين عالم شمال وعالم جنوب، دول متقدمة أو أخرى نامية؛ متخطيًا بذلك كل معايير التقسيم الجيوسياسية، ومتربعاً بعرش الأمن الصحي الإنساني على سائر أطر الأمن والدفاع الإستراتيجيين. فلمّا كانت الدول قد اعتادت تركيز قدراتها الدفاعية ومقدّراتها المالية على التصدي للتهديدات الخارجية العسكرية التي تمسّ بأمن الدولة السيادي بالدرجة الأولى، كشف هذا الوباء أن التهديد الذي يطال المواطنين لا يقل أبداً أهمية عن الذي يهدد سيادة الدولة؛ حيث أنّ الشعب هو المكوّن الرئيسي للدولة، وحماية الإنسان تعلو على السيادة ولا يعلى عليها.

أمام سرعة تفشّي الجائحة المميتة، أفشى فيروس كورونا المتجدد عن مكامن الضعف الخفية للدول، المستترة خلف رداء نظري من القوة ومن الحماية التي تكفلها الدولة لمواطنيها. لقد فرض الوباء وسرعة انتشاره على العالم عزلة داخلية وخارجية، حتى أن مهمة الجيوش الوطنية الأولى أصبحت محصورة في فرض الإقامة الجبرية على السكان داخل البيوت منعا للاحتكاك بهدف تقليل الإصابات بعد أن عجزت الطاقة الاستيعابية للقطاع الصحي عن استيعاب المصابين.

ولعلّ أخطر ما كشفه الوباءعلى مستوى الأداء السياسي للدول، سوء تقدير معظم الحكومات للأزمة والإستهتار بخطورتها، وبالتالي سوء إدارتها والتقاعس عن فرض الحجر الفوري للسكان والإقفال العام لمرافق الدولة ومؤسساتها، وصولًا إلى الحذر من إعلان حالة الطوارئ والتردد أمام توصيف هكذا قضية صحية وطنية خطيرة بأنها تهديد لـ”الأمن القومي”.

وفي حين يُردّ هذا السلوك السياسي إلى الإعتبارات السياسية والحقوقية المرتبطة بإعلان حالة الطوارئ والمترتبة عنها، وهي التي تفترض في المقام الأول إنتقال السلطة في الدولة إستثنائيا إلى المؤسسة العسكرية، وما يشتمل ذلك من الصلاحيات الواسعة للجيش في إدارة الأزمة ومعالجتها. فهل كان الوضع الداهم يستدعي اعلان الطوارئ؟ 

 حالة الطوارئ بين مؤيد لها ومعارض 

إنّ المعارضين لإعلان الطوارئ في مواجهة أزمة وباء فيروس كورونا، يرجعون موقفهم هذا لأسباب عدة، أوّلها الإحتجاج بأنّ الأزمة الراهنة غير عسكرية بطبيعتها مما يجعل من السلطات والإدارات المدنية أكثر ملاءمة لإدارة الأزمة؛ أما أبرزها فهو التخوف من تعسّف الجيش باستعمال القوة في ظل حالة الطوارئ ممّا يمس بحقوق المواطنين ويعرّض حرياتهم للخطر. بل ويخشى المعارضون أن تؤثر حالة الطوارئ على الطبيعة الديمقراطية للحكم، فتتحوّل السلطة بفعل الصلاحيات الواسعة للمؤسسة العسكرية إلى سلطة إستبدادية. 

وتذهب بعض الأصوات المعارضة إلى الإحتجاج على الظروف القانونية والقضائية التي سوف تفرضها حالة الطوارئ، وفق إعتبارات تتعلق بوجوب إستمرار تطبيق قواعد القانون المدني والمقاضاة أمام المحاكم المدنية، إذ أنّ سريان الأوامر والقواعد العسكرية غير لازم في هذه الحالة غير العسكرية، وأنه بالتأكيد لا وجوب لإعطاء صلاحيات موسعة للمحكمة العسكرية كذلك الأمر. وقد اعتبر آخرون أنّ القدرات الصحية العسكرية محدودة أكثر ممّا يفترض الكثيرون، وأنّ القوات العسكرية العاملة ليست مؤهلة تمامًا للإستجابة للإحتياجات المحلية في ظل هذه الظروف المقيّدة للحريات؛ وأنّ المدنيين والعسكريين سواء أمام خطر الوباء، وعليهم بالتالي أيضًا مراعاة أهمية إلتزام الحجر الصحي والوقاية بعدم تعريض أنفسهم وعائلاتهم لمخاطر المرض. 

في المقابل، يبرّر المؤيدون لإعلان حالة الطوارئ بمواجهة فيروس كورونا على ضرورة تولّي الجيش مسؤولية إدارة الأزمة الآنية وفرض الحزم والقوة إن اقتضت الظروف ذلك، لما في ذلك من درء لمخاطر أعظم تهدد الإنسان ليس في حياته وحسب بل حياة من حوله، أي يشكل تهديدًا للسلامة العامة في الدولة. وعليه، يرى المؤيدون أن الوضع الراهن بات يستدعي تسليم المؤسسة العسكرية مسؤولية حفظ الأمن وفرض حظر التجول والحجر الصحي المنزلي بالقوة الحازمة اللازمة، باعتبار أن الجيش هو الأكبر عديداً والأكثر جهوزية والأولى ثقةً لتدارك الأزمة.

وردًا على تخوف المعارضين من استبداد الجيش وتعسفه باستعمال القوة، فإن المؤيدين يعبّرون عن ثقتهم بالجيش الذي يضم أبناء الوطن تحت راية الولاء للوطن والدفاع عنه، والحرص على مصلحة الوطن وحده من دون اعتبار لأي مصالح سياسية أو شخصية. بالإطار نفسه، فإن الثقة بحسن إدارة الجيش للأزمة، يعززها واقع أنّ القيادات العسكرية من أصحاب التخصص والكفاءة العالية في كافة المجالات.  

الجيش الملاذ الأول في إدارة الكوارث والأزمات 

في الأزمات الأمنية غير العسكرية، كما في حالات الكوارث الطبيعية، تتعاظم حاجتنا إلى إستنفار كافة قوى الدولة وعديدها للتصدي للخطر الداهم حفظًا لأمن المواطن وحماية لأركان الدولة. من هنا، فإن الأجدى من محاولة إبقاء الجيش بعيداً عن الاستجابة للأزمات المحلية التي تهدد الأمن القومي للدولة، هو إعادة التفكير في دور الجيش في المجتمع والثقة بقدراته على الإدارة الحسنة للأزمات وصناعة القرار. ويكون من الأجدر بنا في هذا السياق، السعي لتوطيد العلاقات المدنية العسكرية وإكتشاف آليات متجددة للتعاون مع الجيش ليتم استخدام أصوله بفعالية في الإستجابة للكوارث والأزمات، بما يتعدى إمداد الأفراد بالمستلزمات. 

في المبدأ، وفي مكافحة الظاهرة الداهمة، لا يجوز للدولة إعتماد النهج العسكري إزاء كل قضية تجد فيها خطرًا على أمنها العام؛ حيث تتركّز المهمة الأساسية للجيش على دوره الإستراتيجي الدفاعي عن الوطن بوجه كل تهديد يمس الدولة على صعيد البيئة الدولية. وعليه، غالبًا ما تقتصر مهام المؤسسة العسكرية على ردع العدوان الخارجي، وانتشار الجيش على الحدود وفي مناطق معينة إستراتيجية، إن للقتال أو الإستعداد لخوض الحرب إذا ما اقتضت الظروف. 

ولكن يجب الإعتراف بحقيقة أننا نشهد اليوم، أكثر من أي وقت مضى، فعالية دور المؤسسة العسكرية في القضايا غير العسكرية التي تمس أمن المواطن، على الرغم من معارضة عدد من المنظمات الدولية المدنية أي توسع في دور الجيش في البيئات الإنسانية، وتأكيد الأمم المتحدة في المبادئ التوجيهية للعسكريين والمهنيين المعنيين بالمسائل المدنية العسكرية على عدم وجوب استخدام الأصول العسكرية إلا كملاذ أخير. بيد أنّه من المهم الإضاءة على دور الجيش في الاستجابة للطوارئ المحلية، ولزومه حتى في الأزمات غير العسكرية، مؤكدين على وجوب أن يتحدد هذا الدور بالعلاقة التي تربط المواطنين مع الجيش مع مراعاة الطبيعة السياسية للحكم داخل الدولة.

إن القرار الحكيم لمجلس الدفاع الأعلى والذي تبنته الحكومة بالإستعانة بقدرات الجيش اللبناني في الأعمال الإنسانية في هكذا حالات كان في محله؛ فالجيش وكافة القوى الأمنية قد رسّخت ثقة الناس بها أثناء الإنتفاضة الشعبية التي انطلقت في 17 تشرين من العام الماضي، وقد دهمت موجة وباء الكورونا تلك القوى وهي منخرطة في المهام القريبة من الناس والتي تتطلب دراية وحكمة في حماية الإحتجاجات وفق منطوق الدستور وحماية المؤسسات والممتلكات. فكان تطبيق احكام القرارات الإدارية للحكومة في منع التجمعات وحظر التجوال وتنظيم سير الآليات على وجه أكمل، وتكلل بتكليف المؤسسة العسكرية ضبط وتنظيم وتوزيع المساعدات للعائلات الفقيرة المتضررة جراء فقدانها العمل أو التي لا معيل لها، ما ساهم في وضع البلاد سريعاً على سكة السلامة. 

استعدادات دولية مسبقة لكوارث انسانية بمستوى كورونا

من جهة أخرى، كان من المثير للاهتمام توقعات المقال الصادر في العام 2006 من المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة،  التأثير المدمر المحتمل للأوبئة التي تسببها بعض الفيروسات والجراثيم المعدية. وفي ذلك الوقت، حذر المقال من أن “فيروس إنفلونزا الطيور H5N1 (الذي كان منتشرا آنذاك) يمكن أن يتسبب بملايين الوفيات في وقت قصير، وهو ما يدعو للتيقظ من أجل حماية المجتمعات من تهديدات الأمراض المعدية”.

وعلى الرغم أن القوى الكبرى والمنظمات الدولية وخاصة الأمم المتحدة لم تتحضر يومًا لهذا الوضع المأساوي إلا أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما كانت أول من تحدث عن التحديات القادمة من الطبيعة باعتبارها تحديات تمثل تهديدًا للأمن والاستقرار الدوليين، بما يتطلب تعاون دولي لمواجهتها.

فقد حددت الولايات المتحدة الأمريكية في العام 2010 نوعين من التحديات الدولية التي يجب العمل بشكل جماعي على مواجهتها وأكدت إدارة الرئيس باراك أوباما متغيرين في إطارهما العام يمثل تهديد للأمن والاستقرار الدوليين، الأول التحدي الإنساني الصادر عن البشر، ويشمل كل ما يتعلق بالإرهاب والأمن العالمي، وانتشار الجريمة المنظمة، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، والفقر والجوع، وانتهاك حقوق الإنسان، والحريات العامة، إضافة للمتغيرات التي تتعلق بمنافسة الفواعل الدولية الأخرى لواشنطن على الساحة الدولية. أما التحدي الثاني يتمثل في الكوارث الطبيعية، الكوارث الطبيعية والزلازل، والبراكين، والأعاصير، والفيضانات والاحتباس الحراري، وعلى الرغم أنها تمثل تحديًا اقتصاديًا وبيئيًا للدولة، إلا انها تعد أقل تهديدًا من التحدي الأول، كون التحدي الإنساني له أهداف مضرة مختلفة عن التحديات الطبيعية. 

حروب المستقبل ما بعد كورونا

اليوم، تعكف بعض الجيوش الى إعادة النظر في بنيتها العسكرية ومعداتها الحربية، وتجري استعدادتها للتكيف مع المستجدات التي فرضها الوباء، ففي تقرير لشبكة “فوكس نيوز” الإخبارية، بدأت وزارة الدفاع الأميركية بالفعل في استكشاف طريقة للتأقلم مع الآثار طويلة المدى لفيروس كورونا. ويشير التقرير إلى إمكانية تزويد الدبابات والعربات المدرعة وكذلك الطائرات المقاتلة، بأجهزة تنفس اصطناعي وأدوية مضادة للفيروسات ومعدات تعقيم متقدمة. وفضلا عن ذلك، سيعزز انتشار الفيروس التركيز على تصميم أسلحة مقاومة للحرب البيولوجية، وتغيير استراتيجيات الحروب التقليدية بما يتناسب مع استخدام الفيروسات كسلاح، بحسب التقرير.

ويتوقع المصدر أن يحمل الجنود مستقبلا معدات متطورة تقيهم من الفيروسات، وربما تحتاج السفن الحربية أيضا إلى إضافة أنواع جديدة من تقنيات الحرب البيولوجية إلى أنظمة دفاعاتها الحالية.  ويرجح أن تفكر البحرية بالفعل في أنواع جديدة من صواريخ اعتراضية مجهزة بنظام الدفاع البيولوجي، وربما يتم تصميم طائرات حربية مزودة بتقنيات هوائية لصد أي هجوم “بالأمراض” عبر الجو.

في ضوء ذلك، سيكون من البديهي زيادة عدد الأطباء العسكريين والمستشفيات الحربية المتنقلة، المزودة بالأدوية والتقنيات اللازمة لمكافحة أمراض جديدة قد يطلقها الأعداء كسلاح. ومع وضع كل هذه الاحتمالات المثيرة للقلق في الاعتبار، بدأ كبار قادة الجيش الأميركي بالفعل التفكير في هندسة تقنيات حربية جديدة، ورسم استراتيجيات مستقبلية للدفاع.

وقال رئيس أركان القوات الجوية الأميركية الجنرال دافيد غولدفين، إن “هناك بالفعل بعض الأدلة على أن الخصوم يحاولون الاستفادة من هذا الوضع”، وفقا لتقرير أعدته القوات الجوية في الأول منشهر نيسان الفائت. كما أكد الجنرال جون موراي، أحد قادة القوات البرية الأميركية، مؤخرا، أن الجيش قد بدأ بالفعل بالنظر في المتطلبات الجديدة المتعلقة بالآثار القتالية طويلة المدى، في ظل انتشار فيروس كورونا.

في الخلاصة

لقد قرأنا الكثير من التقارير حول نسب هذا الوباء الى عمل عسكري مقصود، وحاولت قوى عالمية تحميل خصومها مسؤولية هكذا أفعال. ولم تتوانَ الصين، مثلاً، عن الإشارة إلى أنّ الفيروس سلاح بيولوجي أميركي أريدَ به ضرب إقتصاد الصين، وهو ما يضع هكذا “هجوم” في إطار الإرهاب الدولي؛ في حين أصرّ ارئيس الأميركي، ترامب بمقابل ذلك، على تسمية كوفيد-19 بـ “الفيروس الصيني” فيما يبدو رداً على التصريحات الصينية، وبالتالي اعتباره تهديد خارجي للأمن القومي الأميركي كما للأمن العالمي. وسواء كان الوباء المستجد عملاً عسكريًا أو لم يكن، فإن الأزمة الحقيقية اليوم ليست تلك  الحالةالأمنية الماسة بسيادة الدولة بل بالإنسان، كل إنسان، من دون أي اعتبار لجنسيته أو لإنتماءه ومعتقداته. ومتى ما كان هذا التهديد العالمي يتعلق بالأمن الصحي لكل المواطنين في كل دولة، فإنه دون شك يتصدّر في الأمن القومي للدول ويستدعي استنفار المؤسسات العسكرية كما المدنية، وتعاونها على مسؤولية حماية الإنسان وأمنه؛ بل وأنّ عالمية هذا الوباء تستدعي تكاتف الجيوش لحفظ الحياة على الأرض.

قد تكون التحديات الصحية والعواقب الاقتصادية لفيروس كورونا مدمرة، في ظل عدم ازاحة الشكوك التي رافقت فشل التوصل الى أسباب نشوئه وما إذا كانت مختبرات علمية ضالعة في انتاجه سواء عن قلة احتراز أو عن قصد، والتي ستبقى ذات إثر طويل الأمد. بالإضافة الى صعوبة التنبؤ بالعواقب الجيوسياسية الناتجة عن الفيروس، ما يتطلب تعاوناً دولياً صادقاً تحت المظلة الأممية بتقديم كل الدعم الى منظمة الصحة العالمية لا بحجب الدعم عنها كما لمّحت الإدارة الأميركية مؤخراً، من أجل مواجهة التحديات القادمة من الطبيعة التي أصبحت تشكل خطرًا وجوديًا على الأمن الإنساني والصناعي في عالم مضطرب.

سيدخل عام 2020 كتب التاريخ كسنة لم تكشف فقط عن فشل في الصحة العامة؛ ولكنها تشير أيضاً إلى حقبة من الركود الجيوسياسي ولحظة سقوط النعمة للنظام النيوليبرالي في هذا القرن، من دون القدرة على التنبؤ بالنظام العالمي الجديد، والذي وفق رأي معظم الخبراء، يتجه الى تبني تنبؤات صمويل هنتنغتون بتحقيق مبدأ “صدام الحضارات” بديل لعالم “العولمة” . وقد يتغير مجرى حروب المستقبل في اتجاهين – وفق التوجهات السياسية للدول العظمى – فإما أن يعاد الأخذ بالعامل الإنساني ويتجه عالمنا الى وقف سباق التسلح الذي أثبت عقمه أمام قوة وخطورة فيروس صغير، وإما تتغلب أطماع قوى الشر على إنسانية الكون وتوظف هكذا فيروسات في خدمة انتاجها العسكري المميت.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.