2021-09-23

العميد ناجي ملاعب :”الصراع في سوريا قائم على اساس معيار مفهوم الجيوبوليتيك، فأنا لا أؤمن بأن أي قوة عظمى في العالم، تحدد سياساتها من خلال التزاماتها الانسانية أو الأخلاقية.“ (2)‏

8 – هل تتوقعون تصعيدا عسكريا في ادلب؟

من الواضح أن الدعم الروسي لقوات الجيش السوري وحلفائه هو العامل الأول بالتقدم باتجاه ادلب، فالقرار يبدأ من موسكو ويتطور تبعاً لنية موسكو في وقف الهجمات او الإستمرار فيها. ويرى مراقبون أن الحرب الشاملة غير مُحتملة للغاية، لأن الأكلاف وأيضاً الأضرار التي ستلحق بالعلاقات الاستراتيجية بين تركيا وروسيا ستكون فادحة، إلى درجة لا يستطيع معها الرئيس التركي أردوغان تحمّل مثل هذه المخاطرة. كما أن التصريحات الداعمة الصادرة عن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي والرئيس الأميركي دونالد ترامب وقادة غربيين آخرين، ليست كافية لحفز تركيا على التخلّي عن الاستثمار الذي وظفته لتطوير علاقاتها مع روسيا.

ومن جهة أخرى، لروسيا مصلحة في عدم خسارة كل الثمار التي قطفتها في علاقاتها مع تركيا، وفي دفع أنقرة لعدم الإرتماء مجدداً في أحضان حلفائها الأطلسيين. لكن الولايات المتحدة التي قطعت الطريق على المساعي الروسية في مجلس الأمن، لكسب دعم الأخير للاتفاق حول إدلب، تكون قد أفشلت روسيا في فرض حل وفق رؤيتها. وبذلك فالأمور ما زالت مفتوحة على تصعيد عسكري – طالما أن طريق الحل السياسي لم يعبَّد بعد –  يراكم إنجازات روسية في الإمساك أكثر بالورقة السورية.

9 – ما هو مصير ايران في سوريا؟

حاولت إيران منذ البداية توسيع نفوذها في مختلف المناطق والعمل بكل السبل لمنع سقوط النظام، لأنها لا تتحمل خسارة دولة كسوريا بأي ثمن كان، والتي طالما شكلت امتداداً طبيعياً لنفوذها وخاصة بعد 2003 من العراق إلى لبنان وهي التي تتوسع عبر حلفاءها في دول أخرى بالمنطقة.

روسيا وتركيا تريدان إزاحة إيران، وكذلك الولايات المتحدة. من جانب آخر، تريد روسيا وإيران إخراج تركيا. كما حاولت إيران قبل أسابيع سحب تركيا إلى جانبها من وراء روسيا، لكنها فشلت. وعندما استشعرت بوجود محاولات لاستبعادها من الملف السياسي، عمدت طهران إلى تعطيل تلك المساعي بالعمل العسكري على الأرض، بدليل أن إيران هي المسؤولة عن الرد التركي العسكري العنيف في إدلب، وذلك بعدما استضحرت “قوات الرضوان” التابعة لحزب الله الى سراقب وقادت هجوما مضاداً لإستعادة المدينة ما أسفر عن مقتل العشرات من الجنود الأتراك.

ورغم التنافر في استراتيجية كل فريق متدخل في الأزمة السورية، يبقى العامل الروسي الأقوى في المعادلة ومكتوب عليه احترام مصالح باقي الأطراف، لا سيما حاجته للبندقية الإيرانية المستخدمة في الهجومات البرية.

10 – تطورت الأمور بين تركيا وسوريا الى قتل الجنود واسقاط الطائرات … أين روسيا؟

لعب السلاح الجوي الروسي دوراً رئيساً في دعم هجوم قوات النظام على محافظة ادلب عام 2018، ما أدى إلى اتفاقية سوتشي لخفض التصعيد. والواقع أن معظم الضغط العسكري الحقيقي على تركيا آنذاك جاء من سلاح الجو الروسي، بدعم من مدفعية النظام مع تحركات محدودة للقوات البرية السورية. لكن حدث في بعض الأحيان اللاحقة أن روسيا امتنعت عن توفير الدعم الجوي لهجمات النظام في محافظة إدلب، ما أوحى بأنها لم تكن تسعى إلى انتزاع مكاسب استراتيجية أو سياسية معينة من أنقرة في تلك اللحظات.

ما اختلف الآن، هو حجم الهجوم البرّي الذي شنّه النظام، بدعم من سلاحه الجوي، والذي حظي بدعم سياسي واستراتيجي روسي قوي. لكن موسكو لم تلعب هذه المرة الدور العسكري الرئيس. وفي الوقت ذاته، لم تحظِّر روسيا على القوات التركية استخدام المجال الجوي فوق محافظة إدلب، فسمحت لها ضمنا بإطلاق الهجمات المتواصلة للطائرات بدون طيارين على قوات النظام وبإخراج قاعدة النيرب الجوية العسكرية غرب حلب من الخدمة في1 آذار/ مارس.

لعل روسيا مستعدة الآن للقبول بأقل من أهدافها الأصلية في إدلب، علاماً بأنها ستسعى بالتأكيد لتثبيت مكاسب النظام مؤخرًا هناك. وسيكون هدفها الأول، على الأرجح، هو إعادة رسم خارطة الانتشار العسكري التركي في المحافظة، وتحديدًا سحب نقاط المراقبة التركية التي أقيمت بموجب اتفاق سوتشي في عام2018  إلى ما وراء طريقي م4  و م5  السريعين وقد دأبت على اعتماد صيغة الدوريات مشتركة مع الأتراك لتهدئة الهواجس التركية، طمعاً بالوصول الى إجلاس التركي والسوري الى طاولة مفاوضات مباشرة.

11 – ماذا تريد تركيا من تدخلها في سوريا؟ ألا يتقاطع التدخل التركي مع الوجود الروسي العسكري؟

أصبح من المسلمات أن تركيا لن تقبل بأقل من التواجد، او النفوذ، أو الهيمنة على منطقة شريط حدودي في الشمال السوري يقيها من هجمات الأكراد بحجة الأمن القومي التركي. وبعد وضوح الموقف الأمركي من دعم قوات سوريا ديمقراطية في قتال داعش وهو ما أغضب تركيا التي تناصب العداء لتلك الفصائل الكردية، وبعد الخطط الأميركية بالإنسحاب من الحالة السورية من دون التنسيق مع أنقرة، كان من البديهي ان ما ترومه تركيا لن تحصل عليه سوى بتوافق مع روسيا صاحبة النفوذ الأقوى على الساحة السورية. لذلك يجب ان نسأل “الى ما تسعى روسيا في إدلب وفي كامل الشمال السوري”؟

 التركيز الدراماتيكي على إدلب – التي احتوت الفصائل السورية المدعومة من أنقرة – قد يخفي في طياته استعدادا روسيا لتفاهمات جديدة مع تركيا تتعلّق بمناطق أخرى من سورية، وخاصة الحسكة ودير الزور. وبالفعل، فإن شدة التصعيد في إدلب- وتواصل الهجمات على قوات المراقبة التركية في إدلب وجرأة النظام في محاصرتها الواحدة تلو الأخرى- قد يميطان اللثام عن هدف استراتيجي أوسع. إذ يجب أن نتذكّر هنا أن روسيا ترعى محادثات بين نظام الأسد والأكراد، وربما هي تحاول تليين المقاومة التركية حيال أي صفقة قد تبرمها في دمشق، الأمر الذي قد يكون نذيراً بوضع حد للوجود العسكري التركي، وبتخلي أنقرة عن حلفائها في المعارضة السورية وعن المناطق المدنية الآمنة في الداخل السوري.

12 – هل من حضور اسرائيلي بأي شكل من الأشكال في سوريا؟

منذ بداية الأحداث في سوريا أنشأت اسرائيل في مرتفعات الجولان مركز قيادة وسيطرة كانت اعتمدته لمرقبة ما يجري في الداخل السوري عن كثب. وشاركت تل أبيب بشكل علني في الحرب ضد نظام دمشق، وأكدت مصادر رصد ألمانية أن الجيش الإسرائيلي قام بشكل منتظم بإرسال أسلحة لخصوم النظام ونقل معلومات إستخبارية عن تحركات الجيش السوري النظامي كما سمح لمقاتلين معارضين بالمرور عبر الجولان المحتل لمهاجمة المواقع السورية شمال خط وقف إطلاق النار، زيادة طبعا على ما أعلن عن استقبال المستشفيات الإسرائيلية للجرحى الذين سقطوا في القتال ضد الجيش السوري.

وتدخلت عسكرياً، ومباشرة، منذ بداية العام الثالث للأحداث، حيث نفذت وما تزال غارات جوية على مواقع سورية، وصفتها مصادر مخابراتية اسرائيلية بأنها تضم أسلحة متقدمة، تدعي اسرائيل أنها قد تكون في طريقها إلى حزب الله في لبنان. واستمر القصف بالطيران وبالمدفعية (طويلة المدى) على مراكز ومستودعات ذخائر قوات إيرانية في ضواحي دمشق وفي اماكن أخرى، حتى بعد التدخل الروسي، ورغم المظلة الروسية الجوية من الطيران والدفاعات الجوية ومنها منظومات متقدمة ( S300)، والتي ثبتت جدارة في التصدي لمعظم الغارات وإفشال بعظها.
13 – ماهي سيناريوهات الصراع المتوقعة؟

كانت معظم الهدنات والمصالحات أشبه بعمليات تسليم المعارضة للنظام بسبب الحصار الخانق والطويل الذي كان يفرضه الأخير على المدن والبلدات التي يتحصن فيها المقاتلون المعارضون، والنتيجة دائماً هو هلاك المدنيين جوعاً وعطشاً وبرداً ومرضاً. وهذا يعتبر ظاهرياً مصالحات وهدن محلية، لكنها لم تكن إلا تغييرات ديمغرافية وعمليات مقايضة للمناطق تحت إمرة المخابرات التركية والإيرانية من خلف الكواليس.

وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن الاتفاق الذي اقتضى بخروج آمن لمقاتلي الفصائل المتطرفة والمقاتلين المحليين من مدينة الزبداني في ريف دمشق باتجاه الشمال السوري، قابله نقل سكان البلدتين الشيعيتين كفريا والفوعة من الشمال السوري إلى مناطق في دمشق وريفها. وشملت اتفاقات أخرى – على غرار الزبداني والفوعة وكفريا – معظم المناطق بالمقايضة مثل مخيم اليرموك وحجر الأسود والقدم ومضايا وبقين وسرغايا وغيرها من ريف دمشق إلى الرقة وإدلب، ومدينة بنش وتفتناز وطعوم ورام حمدان وغيرها من الشمال السوري باتجاه دمشق.

تركيا هي الأخرى، بزعامة العدالة والتنمية حالمة باستعادة مجد غابر، وجدت حيلتها من خلال التدخل في سوريا والإمساك بكل خيوط المعارضة وتفاصيلها. ما يمكنها من تبديد هاجسها الدائم المتكثل بمنع تمدد وتشكيل كيان كردي على حدودها الجنوبية، لأن من شأن عزل تركيا جغرافياً عن بقية سوريا وبالتالي تحطيم خططها في إيجاد ما أشبه بمنطقة أو كيان كامل الولاء لها لتسهيل السيطرة وتمديد مناطق النفوذ ومنافسة القوى الإقليمية الأخرى.

يفسر إرسال تركيا المقاتلين مع عائلاتهم من الإيغور التركستاني في غرب الصين إلى الشمال السوري ودعمها للتركمان وإبرازهم في الواجهة كقوة وكتلة متجانسة سياسياً وعسكرياً وجغرافياً، هي ليست إلا نية منها في تشكيل بنية لكيان يتحول فيما بعد إلى أشبه بقبرص الشمالية لها.

الثابت إن ما يحصل قد تجاوز العمل على وحدة سوريا والعمل في الخفاء والعلن بشكل حثيث على إحداث التغييرات الديمغرافية وترسيم حدود للدويلات الطائفية تمهيداً لتقسيم الكعكة برعاية قوى الطوائف. فلا مانع للمعارضة والنظام من أن يعيشا تحت وصاية ورحمة تركيا وإيران، كما لا مانع لدى الكُرد أن يعيشوا تحت وصاية أميركية في كيان يحميهم. وروسيا هدفها أساسي وهو الموانئ الساحلية والتوسع في القواعد العسكرية وهي متحالفة مع إيران في كل الأحوال في سوريا.

ولكن مازال هناك مشروع دولي قد يصطدم في أكثر من نقطة مع المشاريع الإقليمية، فإذا كانت الولايات المتحدة والعالم الغربي وروسيا يقبلون ببقاء الأسد في الجزء الأكبر من سوريا، فليس معنى ذلك أنهم سيحتضنونه أو يسددون فاتورة إعمار سوريا. فالعالم الغربي الذي قبل تعايش مع هذا التوجه، من المتوقع ان يضغط عليه اقتصاديا، وهو يخطط لتصبح سوريا في عهده مثلما كان العراق في عهد صدام حسين.

14 – ما هو انعكاس الحرب الأهلية السورية على الإقليم؟

في الإقليم هرج ومرج أسماه باحث أميركي (توماس فريدمان) بالربيع العربي. وثمة تحوّلات جمة حصلت في المنطقة بنتيجة هذا “الربيع العربي” وينبغي النظر الى الحرب في سوريا وعليها من ضمن ما يحدث في الإقليم، ولذلك يمكن تسجيل الملاحظات التالية:

أولاً: لم تكن أهداف الانتفاضات الشعبية التي جاء بها الربيع العربي العام 2011 واضحة، كانت هناك شعارات عامة مثل “الحرية والعدالة الاجتماعية، والحكم الديموقراطي”، ولم تحقّق تلك الشعارات مراميها، ولكن فعلها ما زال مستمرًا، وهذا ما يترجم الضغوط المستمرة في الشارع من أجل التغيير. وكان من انعكاساتها انهيار أو ضعف جميع الأحزاب والقوى اليسارية التي سيطرت على المشهد الشعبي في القرن العشرين. هناك حركات شعبية واسعة، والأمر لم ينته بعد.

ثانياً: نظراً لتجذرها في الإقليم، استطاعت التيارات الإسلامية في السنوات الماضية أن تثبت وجودها في انتخابات ديمقراطية في الجزائر ومصر وفلسطين وتونس. ويبدو بوضوح بأنّ جذورها هي أعمق وأكثر تنظيمًا من القوى السياسية الأخرى كلّها، والتي تفتقد التنظيم والتماسك والرؤية السياسية والاجتماعية.

ثالثاً: لم تنجح الدول والحكومات التي نشأت بفعل “الربيع العربي” في إجراء الاصلاحات المطلوبة، وهي تقدّم الوعود والأموال من أجل احتواء الغضب الشعبي، ولا يوجد حتى الآن أي نظام عربي مستعد لإجراء إصلاحات حقيقية، واذا استمرت الأمور على هذا المنوال، فإنّ ذلك سيؤدي حتمًا لخيارات كارثية مثل انهيار الدولة، على غرار ما حدث في الصومال وليبيا.

رابعًا: على المستوى الاستراتيجي إن أخطر ما تشهده المنطقة هو الصراع الجاري في سوريا، بالإضافة إلى الصراع بين المملكة العربية السعودية وإيران على النفوذ وقيادة المنطقة، وهو صراع له طابع مذهبي. صحيح أنّ أيًا منهما لا يقدّم الخطاب المذهبي ولكنّه قائم فعليًا ومعمّم على دول المنطقة كلّها. في حقيقة الأمر فإنّ الثورات حدثت لدوافع الفقر والبطالة وإنّ حالة عدم الاستقرار تفاقم أزمة الفقر ورفع مستوى البطالة – ولا يمكن كسر هذه الحلقة الجهنمية.

خامسًا: على الصعيد الدولي نسجّل نوايا الإرادة الأميركية لإستثمار هذا الوضع المتردي في كافة دول الإقليم، والخروج على كل القرارات الأممية لحل قضية فلسطين، وطرح ما أسمته “صفقة القرن” التي تلقي بظلالها على كامل دول المنطقة لتدخِلها في عصر جديد بتقديم المصلحة الاسـرائيلية على مصالح أميركا كلّها في المنطقة، وصولاً الى احداث تغييرات جغرافية وديموغرافية، بعد مرور مئة عام على سايكس بيكو.    

15 – هل ما يجري في سوريا حرب نفط وغاز؟

مما لا شك فيه أن اكتشافات الغاز على سواحل البحر المتوسط الشرقي يزيد من قيمة سوريا الإستراتيجية، بالإضافة الى ما تنتجه من النفط والغاز في شمالي البلاد. في الشمال السوري ما يكفي لسد حاجات سوريا من النفط والغاز، وهو اليوم في عهدة قوات سوريا الديمقراطية بسطوة أميركية، بعد أن تحكّم تنظيم داعش الإرهابي بمصادر الطاقة تلك. أما على الساحل السوري، فلم تتوصل دمشق إلى اتفاقات بشأن حدودها البحرية مع جيرانها – قبرص وتركيا ولبنان. وبعد بدء الحرب السورية عام 2011، أصبحت خارج المعادلة النفطية تقريبًا في وضعها الحالي، سيما بعدما فرض مجلس الأمن الدولي حظراً على صادرات أي من موارد النفط والغاز السورية.

ومع ذلك فقد أبرمت الحكومة السورية مع شركة روسية في 25 كانون الأول/ديسمبر 2013 اتفاقاً يسمح بالتنقيب والحفر في منطقة قبالة الساحل السوري. وسوف تستثمر “سيوزنفتاغاز” 15 مليون دولار لتغطية تكاليف الدراسات المسحية و75 مليون دولار أخرى لأعمال الحفر الأولية. ويمكن أن يؤدي هذا الاتفاق إلى تفاقم النزاعات الإقليمية – المتوترة بالفعل – المرتبطة بالغاز الطبيعي البحري، إلى جانب إدخال عامل جديد في سياسات مفاوضات السلام السورية. ويأتي الدخول الروسي السريع الى ساحل المتوسط سواء في لبنان أو سوريا بهدف التحكم بمصادر الطاقة البترولية الممكن توريدها الى أوروبا من خارج المد الروسي كمصدر أساسي الى القارة العجوز.

ولم يثبت حتى اليوم أن الغاز – قيد الإكتشاف – المعقود عليه، أو النفط في الداخل السوري محط أنظار الدول العظمى، وربما تتوجه الأنظار الى الموقع الجيوسياسي لهذا البلد من حيث كونه بلد عبور لأنابيب الطاقة الى أوروبا.

أن الاستراتيجية الأمريكية المضادة لتحكم روسيا في امداد الطاقة الى أوروبا، كانت تعتمد على الإستعاضة عن مصادر الغاز المفقودة في وسط آسيا بمصدر آخر جاء من صحاري الجزيرة العربية، وتحديدا من قـطـر. من هنا ولدت فكرة مشروع خط الغاز القطري والذي سيصبح مقررا له أن يخرج من قطر مرورا بالمملكة العربية السعودية ثم يتجه غربا إلى الأراضي السورية حيث يلتقي بخط الغاز المصري، وحديثا الإسرائيلي، ثم يتجه شمالا إلى تركيا – ما يفسر سر هذا الإرتماء القطري في أحضان السياسة الأمريكية – هنا ظهرت مشكلة أخرى، فكيف سيسمح الرئيس بشار الأسد، الموالي للروس والمعادي للغرب بمرور هذا الأنبوب في أراضيه؟ وهل كانت أنابيب الغاز ومرورها عبر سوريا سبباً قوياً للتدخل والصراع بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا في سوريا؟  

من ناحيتها، أحيت طهران فكرة مشروع مد أنبوب لتصدير النفط الإيراني إلى ميناء بانياس السوري على البحر الأبيض المتوسط، مارا بالأراضي العراقية. هذا المشروع سيزود سوريا ولبنان بالغاز، وهو ما يساعد الدولة اللبنانية على حل مشكلة الكهرباء لديها، وعن ذلك تحدث لـ”سبوتنيك” الدكتور هادي دلول، خبير في مجال الطاقة وأستاذ في القانون الدولي، يقول: هذا المشروع في لبنان مرتبط برفع العقوبات الموجودة على إيران، لأن الولايات المتحدة لن تسمح بمرور هذا الإنبوب في شمال سوريا، وفي العراق سيكون الوضع أصعب من ناحية السماح للأنبوب بالمرور، وسيكون هناك ضغط خارجي وتعطيل لهذا المشروع، وفي سوريا قد يتأخر المشروع حتى ينتشر الجيش السوري في كامل الشمال حتى لا يكون هناك أي تعطيل. وإذا لم تعرقله الولايات المتحدة، فهناك إسرائيل التي لن ترضى عن هذا المشروع، والتي قد تنفذ ضده أعمال تخريبية أو تفجيرات.

Image result for ‫الميليشيات المسلحة في سوريا‬‎

هل من ضوء أخضر في نهاية النفق؟

يجاهر جميع فرقاء الأزمة السورية سواء الإقليميين أو الدوليين في تصاريحهم العلنية بأن الحل ليس أبدا ولن يكون عسكرياً، ولكن  مبادرات السلام التي انعقدت في سبيل سوريا، في أغلب الأحيان، لم تمثل سوى عدسة لا يمكن الاعتماد عليها لرؤية الصراع من خلالها. وهناك توجه للافتراض بأن الحقائق على أرض الواقع في سوريا يحكمها بشكل أساسي استراتيجيات وجداول زمنية ابتكرتها وصممتها الأطراف الأجنبية.

يرى مدير معهد كارنيجي في موسكو، ديمتري ترينين أن الروس معنيون في المنطقة من خلال مفهوم الجيوبوليتك وليس حقوق الإنسان. وللسبب ذاته، طلبت الولايات المتحدة من الأسد الرحيل، لا بسبب حقوق الإنسان، فهو حليف لإيران و”حزب الله” وأراد الأميركيون من النظام الابتعاد عن إيران كي لا يكون لها نفوذ واسع في هذه المنطقة من الشرق الأوسط.

ويضيف أن حقوق الإنسان واستخدامها المكثف، أمور يمكن استثمارها بشكل مثمر في الميديا، ولكن لا يمكنها أن تتحول إلى محرك لسياساتك. لا أؤمن بأن أي قوة عظمى في العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة، تحدد سياساتها من خلال التزاماتها الانسانية أو الأخلاقية. بالنسبة للروس، هي جيوبوليتك خالصة.

في الخلاصة، ما طرحته الرؤية الأميركية الإسرائيلية للحل النهائي للقضية الفلسطينية وما اصطلح على تسميته “صفقة القرن” والتي ظهرت بعض تفاصيلها في بداية الشهر الماضي هو ما يعيد المنطقة – وليست سوريا وحدها – الى حالة من التخبط في ظل سكوت بعض الأنظمة ورفض الأخرى للمقترحات المذلة. لا ضوء أخضر في الأفق وستبقى النار موقدة في أماكن اشتعالها تحضيراً لتمرير المخطط الأميركي أو حشد القوى لمقاومته، وهذا مرهون بنتائج الإنتخابات الأميركية المقبلة نهاية العام.

العميد المتقاعد ناجي ملاعب*: الخبير العسكري والاستراتيجي ورئيس تحرير مجلة “الأمن والدفاع العربي”

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.