الأمن القومي في مستقبل لبنان (2)

العميد م. ناجي ملاعب

الجزء الأول من المقال: الأمن القومي في مستقبل لبنان (1)

6 – برأيك ما هي الاتجاهات الحديثة لدراسة الحدود الطائفية وتأثيراتها وبخاصة في لبنان وسوريا والعراق؟

لقد ذهب اﻠﻌﺎﻟﻡ ﺇﺭﻧﺳﺕ ﻏﻠﻧﺭ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﻭﻝ ﺑﺄﻥ ﺍﻟﺩﻳﻥ ﻳﻘﻭﻡ ﺑﻭﻅﻳﻔﺔ ﻣﺷﺎﺑﻬﺔ ﻟﻠﻘﻭﻣﻳﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺷﺭﻕ ﺍﻷﻭﺳﻁ ﺍﻟﻣﻌﺎﺻﺭ، ﻓﻬﻭ ﻳﺣﺷﺩ ﺍﻟﻧﺎﺱ ﺑﻔﻌﺎﻟﻳﺔ، ﻧﻅﺭﺍ ﻷﻥ ﻟﺩﻳﻪ ﻣﺣﺗﻭﻯ ﺭﻭﺣﺎﻧﻳﺎ ﻭﻋﺎﻁﻔﻳﺎ ﻟﻳﺱ ﻣﻭﺟﻭﺩﺍ ﻟﺩﻯ ﺍﻟﻭﻋﻲ ﺍﻟﻁﺑﻘﻲ. ولذلك، فإن “الديمغرافيا المشاغبة” في منطقة الشرق الأوسط، كما أسميتِها شفاهة، أثّرت على العلاقة بين السلطة الحاكمة والعقد الإجتماعي منذ تقسيم المنطقة بموجب اتفاقية سايكس بيكو. وفيما أمّن الإستعمار الفرنسي الغلبة للطائفة المسيحية في حكم لبنان، لم يعد للمسيحيين في سوريا والعراق ذلك النفوذ القوي بعد زوال الإستعمار.

في لبنان، لم يكن الخلاف بين مسيحيين ومسلمين، بل كان النضال في سبيل تصحيح الخلل الممارس بواسطة ما سمي “المارونية السياسية” لصالح المواطنة أقلق المسيحيين فكانت أحداث 1975 ذات وجه طائفي. ولم يأتِ الحل في الطائف وفق معايير دولة علمانية حديثة.

وفي ظل انخراط حزب الله وما يمثل من “شيعية سياسية” في محور اقليمي يشارك في معارك خارجه، ويستقدم السلاح الى الداخل، لا يركن اللبنانيون الى الدعوة التي أطلقها المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان الى “التخلص من الطائفية وبناء لبنان الوطن” بل انها كما قال عنها الدكتور انطوان مسرّة: “تنمّ عن ضبابية فكرية شاملة، إذ تعبّر عن جهل كامل، للأسف، لمفهوم الميثاق في التاريخ المقارن والعلم الدستوري المقارن”. ويشرح مسرّة: “المواثيق في التاريخ اللبناني وفي تاريخ دول عدّة كسويسرا والنمسا، والبلدان المنخفضة، هي سياق سياسي ودستوري للبناء القومي للدول، على إثر حروب أهلية تقع فيها. وهي نقيض السياق العنفي والدموي للبناء القومي انطلاقاً من مركز قوي وامتداداً إلى الأطراف. ولذا، فإنّ الطعن بميثاق 1943 واتفاق الطائف عام 1989، هو طعن بأهمّ قواعد البناء القومي اللبناني والسلم الأهلي”. ما يوحي بأن حدود الطوائف تترسخ أكثر على حساب قيام دولة المواطنة.

 ولذلك ستبقى تأثيرات الحدود الطائفية ما بين مكونات الوطن، ما لم ينفتح لبناننا في حدوده الجغرافية على العمق المشرقي، والعودة الى الدور الحضاري الذي مثّله القرب من الغرب بإرسالياته وجامعاته، حتى يؤمّن إحتواء أزمة الطائفية. وذلك يكون في بناء تكتلات اقتصادية وثقافية وسياسية يستطيع لبنان من خلالها التوسع والانتشار والاستفادة من محيطه على صعيد النهضة والنهوض والارتقاء ومكافحة الارهاب والتكفير بفعل مصطلح الكونكتوجغرافيا (الاتصال الجغرافي).   

وهذا ينسحب كذلك على سوريا والعراق. فالدولتان اللتان كانتا لفترة زمنية تنعمان بالمواطنة “المقنّعة” – تحت حكم توتاليتاري – كانت ممارسة السلطة فيهما محكومة بعقد اجتماعي تسوده غلبة فئة مذهبية على أخرى. فقد كانت القيادات العسكرية في المراكز الحساسة – وهي أداة الدولة الأمنية – تتبع لمذهب الرئيس أو لمن يواليه. وقد تفجرت تلك الحدود “المضبوطة” الى العلن فور تغير السلطة في العراق ولكن بنمط انتقامي أسوء مما كان. وكانت القبضة الأمنية في سوريا سيفاً مسلطاً على العسكرين من الرتب كافة وحتى على عائلاتهم بغية المحافظة على الغلبة لطائفة الرئيس.

ولعل الثورة الرقمية التي أزالت الحواجز ما بين الدول وعممت ثقافة الذكاء الإصطاعي تكون حلاً شاملاً وحقيقياً يتجاوز الطوائف وحواجزها ويدخلنا في “العالمية”، سيما بعد معاناة البشرية جمعاء من وباء الكورونا.

7 – لقد حدث تحول عميق في القرن ال21 من حيث تطور المجتمع الشبكي والامني الذي يفرضه مجتمع المعلومات حيث لم تعد السيادة هي المبدأ المنظٍّم للجنس البشري بل الاتصال. برأيك هل لبنان قادر أن يستجيب إلى مشروع المدن الذكية والضخمة لتطوير بنيته التحتية والتطور ويكون لاعبا إقليميا؟

يعيش العالم الآن “حربًا باردة تكنولوجية” بين الدول الكبرى، هدفها السيطرة على العالم “رقميًّا”، حيث تحاول القوى الدولية استخدام قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي من أجل الحصول على مكاسب على حساب باقي الدول بشكل رئيسي في الأبعاد الثلاثة للقوة: الاقتصادية، والعسكرية، والمعلوماتية. وقد أصبحت القدرة على اختراع واستخدام تكنولوجيا الجيل الخامس هي مصدر القوة للوحدات الدولية، ومحور المنافسة القادمة بين القوى الدولية. لذا بدأت القوى الكبرى سباقًا من أجل الحصول على زعامة جيواستراتيجية وجيوسياسية وجيواقتصادية بهدف تحقيق الريادة، والإمساك بزمام قدرات الذكاء الاصطناعي، التي تُعد مؤشرًا لحاضر ومستقبل الزعامة الدولية. ومن ثم سوف ينعكس هذا السباق على طبيعة النظام العالمي.

وأن هذا الصراع سوف تحسمه قدرة كل دولة على امتلاك تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التي تمكّنها من تحقيق التنمية الاقتصادية ولعب دور خارجي مؤثر، وقدرة على بسط النفوذ في العديد من دول العالم اقتصاديًّا وسياسيًّا وأمنيًّا، وقدرة على الردع من خلال استحداث أسلحة يصعب هزيمتها في المعارك العسكرية. حين يمتثل لبنان الى تلك المقومات يعود الى دوره الفاعل في هذا المشرق بصيغة تقدمية ليعود لاعب اقليميا كما كان. ولنا في جارتنا اسرائيل المثال الأوضح على كيفية الصعود الى مستوى الدول الفاعلة اذا ما قدّر لها الإنتماء الى جيل المدن الذكية وعالم امتلاك البيانات والذكاء الإصطناعي.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate