صفقة القرن وعد بلفور الثاني

العميد م. ناجي ملاعب

ما يحصل في الورشة القائمة أميركياً في منطقتنا والمعلنة من طرف واحد – المسماة صفقة القرن – بنسف المواثيق الدولية والإعتراف الأميركي لتوسيع سيطرة الكيان المغتصب على القدس وغور الأردن بعد الجولان، واقتراح اقتطاع أراض سعودية وضمها الى الأردن لإغرائه القبول بتوطين الفلسطينيين، وأراض مصرية من سيناء وضمها الى كيان فلسطيني مقترح مسلوب السيادة في غزة وأجزاء من الضفة، وكأنه يسلك طريق التنفيذ – ولا من يسأل رأي العروس في هذا العرس المكتوم – هل من يستطيع وقف تنفيذ هذه الخريطة الجديدة؟.

وما هي النظرة الروسية والدور الروسي للدولة المنخرطة عسكريا في القتال في سوريا والداعمة للكيان الصهيوني وتحتضن تفاهمات ناجحة مع القوتين الإقليميتين في المنطقة، أعني بهما تركيا وإيران. وهل أن التوغل التركي في سوريا والعين التركية على الموصل والتدخل العسكري المموَّه في ليبيا والتوسع عبر المدارس الدينية في الصومال هي أحلام أمبراطورية عثمانية مستجدة؟ وهل أن التباهي الإيراني الذي نسمعه من قادة الجمهورية الإسلامية بالسيطرة على أربعة عواصم عربية – والبعض يعتبر العراق كله ارضا فارسية – سوف يغيِّر من خريطة المنطقة؟ سوف نحاول الإجابة في هذا البحث الذي يصادف ترسيخ خرائط سايكس بيكو بعدما لم يطالها أي تغيير بمرور مئة عام على إعلانها. 

تفاهمات سايكس بيكو

في المرحلة الممتدة من تشرين الثاني 1915 الى أيار 1916 جرت مفاوضات سرية بين الديبلوماسي الفرنسي فرنسوا جورج بيكو والبريطاني السير مارك سايكس ووزير الخارجية الروسي سيرغي سازونوف، وتوجت بتبادل وثائق تفاهم بين وزارات خارجية الدول الثلاث، تحت التسمية الرسمية آنذاك “اتفاقية آسيا الصغرى”، لكن شاع اسمها “اتفاقية سايكس – بيكو”[1].

حظيت روسيا في ما سمّي “اتفاقية القسطنطينية” باسطنبول، وضمنت سيطرتها على ضفتي البوسفور ومساحات كبيرة في شرق الأناضول في المناطق المحاذية للحدود الروسية – التركية، لكنها في الواقع لم تحصل على أي شيء من ذلك، بعدما تمكّنت بقايا الدولة العثمانية من لململة قواتها والانتصار في معركة غاليبولي والمحافظة على أراضي تركيا الحالية.

أمّا منطقة الهلال الخصيب فقسِّمت كي تحصل فرنسا على الجزء الأكبر من الجناح الغربي للهلال (سوريا ولبنان) ومنطقة الموصل في العراق. ومدّت بريطانيا مناطق سيطرتها من طرف بلاد الشام الجنوبي متوسّعة شرقاً لتضم بغداد والبصرة أي المناطق الواقعة بين الخليج العربي والمنطقة الفرنسية في سوريا. كما تقرّر أن تكون فلسطين تحت إدارة دوليّة محايدة يتم الاتفاق عليها بالتشاور بين بريطانيا وفرنسا وروسيا ونص الاتفاق على منح بريطانيا ميناءي حيفا وعكا.

إبان الحرب العالمية الأولى، حاول العرب مساندة الجيوش الغربية في قتالها أملاً بتحقيق استقلال شعوبهم من النير العثماني، لكن هذا الغرب فرض شروط المنتصر وحرص على قمع أية انتفاضة استقلالية بوجهه، فلم تنجح ثورة ميسلون، ودفعت ثورة 1920 في العراق ستة آلاف شهيد في قتالها ضد المحتل البريطاني، واستمرت ثورة عمر المختار في ليبيا ضد الإحتلال الإيطالي الجديد 35 عاماً، ودخلنا في مرحلة وضع اليد الإستعمارية على كامل منطقتنا حتى تسنى للغرب انضاج وتحقيق وعد بلفور لليهود في اغتصاب فلسطين.

ومنطقة الهلال الخصيب هي التي تتعرّض حالياً لهجمات شرسة قد تؤدّي الى تقسيمها مجدّداً بعد مئة سنة من تقسيمها الأول. لكن هل يقتصر التقسيم والتفتيت عليها، أم يشمل محيطها الواسع؟ 

تركيا والحنين الى الماضي العثماني

مستفيداً من الأزمة السورية وتشعباتها، والتي أسهم في تفاقمها عبر استقدام وتسليح جماعاته الإسلامية الإخوانية الى الداخل السوري، رسم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ونفذ ويكمل نيته العلنية في السيطرة على حزام أمني على طول الحدود السورية التركية، ويجاهر ويهدد بمنع تقدم الجيش السوري من إدلب وكأن أدلب أرض تركية. وعينه على الموصل العراقية، بعدما وضعت تركيا اليد سابقاً على أراضٍ أخرى وأُهديت لواء اسكندرون 1939. وكأنه يستعيد حقوقاً له في سوريا والعراق، ويمد جنجاويده اليوم الى ليبيا. فهل أنه وجد الفرصة المؤاتية لنقض ما وافق عليه أسلافه في اتفاقيات انهاء الحرب العالمية الأولى؟.

وانتقد أردوغان اتفاقية لوزان الموقعة عام 1923 والقاضية باستقلال تركيا، قائلًا إن “البعض يحاول إظهار اتفاقية لوزان على أنها انتصار، أظهروا اتفاقية سيفر على أنها هزيمة وحاولوا إرضاءنا باتفاقية لوزان، ليفعلوا ما يشاؤون كل شيء واضح، انظروا إلى إيجة نصف جزره منحناها لليونان في اتفاقية لوزان، أهذا انتصار؟ هذه الجزر ملك لنا، لدينا مساجد ومعابد هناك، فضلًا عن وجود حقوق لدينا متعلقة بالحدود الجوية والبحرية والمنطقة الاقتصادية المحصورة، والتي لا زلنا لا نعيها بشكلها الصحيح؟ ما هذه الاتفاقية التي خسرنا فيها حقوقنا؟”.[2]

 معاهدتا سيفر ولوزان

 معاهدة سيفر وُقِّعتْ في العاشر من آب من عام 1920م، ونصَّت على تقسيم الأراضي التي تقع تحت سلطة الدولة العثمانية على الحلفاء المنتصرين في الحرب، وعلى حصول منطقة الحجاز على الاستقلال. واستقلال أرمينيا أيضًا. وحصلتْ كردستان على الاستقلال من الدولة العثمانية وانضمَّت ولاية الموصل إليها. وبموجب هذه المعاهدة سيطرتْ فرنسا على سوريا ولبنان وعنتاب وأورفة وماردين.

ومن الجدير بالذكر إنَّ توقيع السلطان العثماني على هذه المعاهدة أدَّى إلى انفصال الحركة التركية الوطنية بقيادة كمال أتاتورك باشا عن الباب العالي في إسطنبول، وفي نهاية المطاف انتصر مصطفى كمال على الحكومة التركية وأجبر الحلفاء على العودة إلى المفاوضات. فكانت معاهدة لوزان بعد ثلاث سنوات فقط ، وقامت بإبطال ما جاء في سيفر وتسوية أوضاع القسم الأوروبي من تركيا، أي منطقة الأناضول وتراقيا الشرقية، وحدَّدت حدود بلدان عدَّة، كاليونان، بلغاريا، تركيا، والمشرق العربي، وفي هذه المعاهدة تنازلت تركيا عن مطالبها السابقة بجزيرة دوديكانيسيا.

وقد نصَّتْ بنود معاهدة لوزان على استقلال تركيا بالمرتبة الأولى، وتنازلت تركيا عن مصر والسودان والعراق وسوريا وعن كلِّ امتيازاتها في ليبيا، هذه الامتيازات التي أخذتها بموجب معاهدة أوشي التي وقَّعتها مع إيطاليا عام 1912م، كما أعيد رسم حدود تركيا مع سوريا، وتخلَّت عن جزيرة قبرص التي كانت مؤجرة لبريطانيا العظمى بموجب مؤتمر برلين عام 1878م.[3]

معاهدة “أوشي أو معاهدة “لوزان الأولى”

وقعت هذه المعاهدة بين مملكة إيطاليا والدولة العثمانية في قلعة أوشى (ضواحى لوزان) بسويسرا فى 3 تشرين الأول 1912، بموجبها انسحبت الدولة العثمانية من ليبيا، كما حصلت على امتيازات في ليبيا، وتركت أهلها وحدهم وجهًا لوجه أمام الإيطاليين.

وكان نتيجة هذه المعاهدة أن أصبح الليبيون مطالبين وحدهم بالوقوف ضد إيطاليا المحتل الجديد، وقد ظلوا يشتكون من نارها قرابة 35 عاما، ضحوا بالكثير من دمائهم ويكفى أن إعدام البطل عمر المختار فى عام 1931 ميلادية.[4]

هل تركيا ممنوعة من التنقيب عن النفط حتى عام 2023م (معاهدة لوزان)

نتطرق عرضاً الى هذا لموضوع بعدما سمعناه من خبراء وأكاديميين لنتبين حقيقته. فمن ناحية معرفية، وبالاستناد إلى مواد اتفاقية لوزان يُلاحظ بأنه لا وجود لأي مادة تحظر على تركيا التنقيب عن موارد الطاقة لديها، كما لا وجود لأي مادة تتعلق بسلب سيادة تركيا في الجنوح لتغيير الاتفاقية، لكن بشرط التوافق مع جميع الدول المُوقعة على الاتفاقية، والتي لا زالت تحافظ على وجودها.

ومن ناحية عملية يمكن ذكر بعض الأمثلة التي تُظهر توجه تركيا نحو التنقيب عن موارد الطاقة بدون انتظار مرور 100 عام على تاريخ توقيع الاتفاقية، وتم استخراج النفط لأول مرة من جبل “رامان” المنصوب في مدينة “باتمان” جنوب شرقي البلاد عام 1940م.[5]

حدود التوغل الروسي في المنطقة

هل أن الإنسياب الروسي الى سوريا وعقد التفاهمات الروسية التركية من باب الأزمة السورية، والتي أثمرت علاقات اقتصادية جيدة معها، وكذلك مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية – والتي عانت من الهيمنة السوفيتية حتى العام 1946 وما نشهده من مصلحة مشتركة في التقارب ينهي أطماع روسية – عادت الى الواجهة – كانت مدونة في الإتفاقات السرية للثنائي مايكل سايكس وجورج بيكو وثالثهما سرغي سازونوف، وما هي تلك الحصة الروسية المفترضة من الدولة العثمانية؟.

يقول وزير خارجية الإمبراطورية الروسية سيرغي سازونوف في مذكراته:[6] “أثناء مفاوضاتي الشخصية مع السير مارك سايكس والسيد جورج بيكو، تم إعداد وتدقيق المكتسبات الإقليمية من أراضي الإمبراطورية العثمانية. وفي أبريل 1916، وبانتهاء هذه المفاوضات، واستيضاح الرغبات، أخبرتهما بموافقة حكومة الإمبراطورية الروسية على المطالب التي تقدم بها كل من الطرفين، الإنكليزي والفرنسي، فيما يتعلق بإلحاق بلاد الرافدين بإنكلترا، وإلحاق سورية وكيليكيا بفرنسا، شريطة أن تحصل روسيا علىالبوسفور والدردنيل وجزء من ارمينيا الغربية ومقاطعة كردستان بالإضافة الى أرضروم وصولا الى نهر دجلة….”.

وهناك اعتقاد كبير بشرعية السيطرة الروسية على القسطنطينية بحكم حق الوراثة فالقيصر ايفان الرهيب هو حفيد ابنة آخر امبراطور بيزنطي. مدير مركز دراسات الشرق الأوسط وبلدان آسيا الوسطى السيد سمان بوغدساروف يقول ان حلم الروس في اخضاع القسطنطينية للسيطرة الإمبراطورية كان في كل مرة يصطدم بالرفض الغربي البريطاني والفرنسي في كل مرة يصل الجيش الروسي الى ابواب المدينة.

هل كان الغرب سيتقيد في منح النفوذ الروسي على المناطق الواردة في الإتفاق. يقول باحث تركي أن الغرب تعمد اغراء الروس بهذه الصفقة بغية تحقيق الإنتصار ولكن المواقف السابقة لملكة انكلترا عام 1887 انها سوف تتنحى اذا ما احتل الروس القسطنطينية لأن ذلك مهانة لبريطانيا. وفي الحرب العالمية الأولى تمكنت قوات جيش القوقاز من الإقتراب من الإستيلاء على المضائق البوسفور والدردنيل والمدينة واعترضت بريطانيا وفرنسا.

جاءت الثورة البلشفية عام 1917 لتنهي مشاركة الجيش الروسي في القتال وبالتالي لم تعد روسيا من المنتصرين في الحرب علماً ان قواتها وصلت الى الداخل الإيراني حتى مدينة همذان. وكان اسهام الجيش الروسي في القتال مدعوما بعامل الإيمان الأرثوذوكسي باستعادة مجد بيزنطيا سببا كبيرا في انتصار دول الغرب.

ينهي الباحث الروسي على شبكة روسيا اليوم انه يجب استعادة مواقعنا الشرعية التي وردت في اتفاق سازونوف سايكس بيكو.

ويرسم لنا ديمتري ترينين، الضابط السابق في الجيش الروسي والمدير الحالي لمعهد كارنيجي – موسكو، والذي قطع شوطاً طويلاً بين السياسة والعسكر، يرسم صورة مختصرة للسياسة الروسية في الشرق الأوسط، فيقول: القيادة الروسية محافظة للغاية، تنظر إلى الثورات على أنها حروب قذرة. في الرواية الروسية المحلية، الثورات اليوم مختلفة عما كانت عليه الأمور أيام الاتحاد السوفياتي. القيادة الروسية اليوم تعتبر أن ثورة العام 1917 هي أسوأ ما حدث لروسيا، فالثورة هي الثمن الذي ستدفعه نتيجة سوء الإدارة.

ويضيف ترينين “الأمر المثير بالنسبة لروسيا في الشرق الأوسط، أن الجميع هنا يتكلم باللغة الجيوسياسية، والكل يفهمها، في حين أن الأميركيين لا يفهمون ذلك، وسيضيفون الإيديولوجيا الأخلاقية التي يجدها الروس غير مساعدة على الفهم إطلاقاً. الأوروبيون لا يتكلمون سوى لغة حقوق الإنسان والديموقراطية، ما يضطر الروس للقول: “هيا.. لا نستطيع أن نتكلم هكذا، إذا أردتم أن تتكلموا هكذا فاذهبوا واعقدوا مؤتمراً”، فالسياسة الحقيقية، بالنسبة للروس، ليست عن حقوق الإنسان.

حقوق الإنسان واستخدامها المكثف، أمور يمكن استثمارها بشكل مثمر في الميديا، ولكن لا يمكنها أن تتحول إلى محرك لسياساتك. لا أؤمن بأن أي قوة عظمى في العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة، تحدد سياساتها من خلال التزاماتها الانسانية أو الأخلاقية. بالنسبة للروس، هي جيوبوليتكس خالصة[7].

“الشرق الأوسط الكبير” على طريق التنفيذ

يُعتبر برنارد لويس المسؤول عن شيوع مصطلح “الشرق ‎الأوسط الكبير” وتعميمه لكي يحل محل مصطلح الوطن العربي، فهو يرى «الوطن العربي» مصطلحاً شوفينياً وعنصرياً في المبتدأ والخبر، في حين أن مصطلح الشرق الأوسط الكبير منفتح على إسرائيل وتركيا وإيران ويصل إلى دول أخرى تتسع له رئة الشرق الأوسط غير المحدود الطاقات والإمكانات، وهو يعتبر أن وجود الدول العربية بصيغتها الحالية يعوق عملية التطور في اتجاه الخريطة الجديدة. وأن تقسيم الدول العربية ليس مؤامرة عليها وإنّما إعادة دمجها في فضاء جغرافي أوسع[8].

وبمعنى أكثر وضوحاً، إن برنارد لويس عمل في مشروعه على استبدال الأوطان بدويلات إثنيّة ومذهبيّة ذات طابع كرتوني، تتسيّد عليها إسرائيل في المنطقة، وتتحوّل إلى مزارع لتفريخ الإرهاب والقتل والتطرّف والتكفير… فيتغيّر بعدها إسم الوطن العربي – خصوصاً- كما يتغيّر رسمه وخرائطه، وبالتالي تاريخه ومستقبله. فهل ما رسمه هذا الباحث ووافق عليه لكونغرس الأميركي في عام 1983 أصبح على طريق التنفيذ؟

العراق … أول الغيث

بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 أصدر الحاكم المدني وقتها، بول بريمر، قرارًا بحل الجيش الوطني، لتتخلص الإدارة الأمريكية بذلك من أحد أهم جيوش الدول العربية، والتى كانت تمثل تهديدًا مباشرًا للحليف الأكبر لأمريكا فى المنطقة، وهو دولة إسرائيل.  وربما يكون العراق أقرب الدول العربية إلى تحقيق المخطط الكامل للشرق الأوسط الكبير، بالانقسام إلى ثلاث دويلات، هى دويلة شيعية فى الجنوب حول البصرة، وأخرى سنية حول العراق، وثالثة كردية تقتطع أراضى إيرانية وعراقية وسورية.

يقول مايكل نايتس  الباحث في معهد واشنطن، وكان قد عمل في جميع محافظات العراق وأمضى بعض الوقت ملحقاً مع قوات الأمن في البلاد: “يجب أن تُلقي الولايات المتحدة نظرة فاحصة على أفكارها المسبقة حول العراق، لكن عليها ألا تحاول وضع جدول أعمال لمستقبل البلاد. وقد يكون من المفيد الحفاظ على حدود العراق الخارجية وتأمينها، وبالفعل لا يوجد أحد على الأرجح مهتم بتغييرها. إلا أن الوضع الداخلي للعراق هو شئ يبدو أن العراقيين أنفسهم يدركون أنه بحاجة إلى تغيير. وإذا كان العراقيون منفتحين على الانفصال العادل عن الأكراد، فلا يمكن للولايات المتحدة أن ترغب في “وحدة العراق” أكثر من العراقيين أنفسهم. ولواشنطن مصلحة كبيرة في [قيام] علاقات اقتصادية وسياسية وعسكرية ودبلوماسية وثيقة بين عراق أكثر تماسكاً وكيان كردي جديد. وفي النهاية، يشكّل كلٌّ من هذين الجاريْن حليفاً قوياً للولايات المتحدة. فأين لا تريد الولايات المتحدة أن يكون حليفاها المقرّبان على وفاق مع بعضهما البعض؟”[9]

الأكراد والوعود الخائبة

نشر معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى الاثنين 19 ديسمبر/كانون الأول 2016 تقريرا عن الأكراد بعد قرن على اتفاقية “سايكس بيكو” استعرض فيه خيبات أولئك الذين “حرموا” من استقلال وعدوا به مرارا.

يقول التقرير إن الأكراد “الذين يعيشون في أراضٍ عابرة للحدود المعاصرة المنتشرة بين تركيا وإيران وسوريا والعراق، ويناهز عددهم 35 مليون نسمة”، يوصفون أحيانا بأنهم الجماعة العرقية الأكبر في العالم من دون وطن خاص بها.

ويجزم صاحب التقرير ديفيد بوبلوك بأن تطلعات الأكراد، كأقلية من بين أقليات العالم الأخرى مثل التاميل وسكان محافظات مختلفة في باكستان ومناطق أخرى “لإسقاط الخطوط التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو أو على الأقل إضعافها، والتي تعود إلى قرن من الزمن، من أهم المسائل العرقية الدولية المعاصرة”.

 ويقول إن ثورة الأكراد الفاشلة ضد مصطفى كمال أتاتورك في تركيا “سبّبت في خسارتهم جزءاً كبيراً من أرضهم ونحو نصف عددهم الإجمالي”، وفي تلك الأثناء “ضمّ البريطانيون ولاية الموصل العثمانية سابقاً والمناطق المجاورة  لها، إلى جانب قسم كبير من السكان الأكراد، في إطار الانتداب على العراق”، وبالطريقة ذاتها استولى الفرنسيون على سوريا ” على الطرف الجنوبي من كردستان التاريخية”، بينما ” أبقت حكومة رضا شاه الجديدة وجيوشه في إيران المحافظات في أقصى الشمال الغربي ذات الغالبية الكردية تحت سيطرة طهران الأوتوقراطية بشكل حازم”.

واستعرض الكاتب المزيد من المحطات الهامة في تاريخ الأكراد منذ إبرام معاهدة لوزان عام 1923 مرورا بتأسيس “حزب العمال الكردستاني” في تركيا وبدء حرب العصابات ضد أنقرة عام 1984، مرورا بالحملة العسكرية التي شنت في العراق عام 1961 على معاقل الزعيم الكردي مصطفي البارزاني في شمال البلاد، وتواصل النضال الكردي لاحقا ونيلهم بعض الحقوق في اتفاقيتين أبرمتا عامي 1964 و 1970 مع بغداد.

وعرّج الكاتب أيضا على الاحداث التي جرت عقب حرب الخليج عام 1991، وخاصة على “الحرب الأهلية المصغرة” بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني عام 1996 ، مشيرا إلى أن أكراد العراق حاليا نجحوا في الحصول على إقليم مستقر نسبيا لفترة طويلة بفضل “غطاء جوي أمريكي”.

ويصل التقرير إلى خلاصة تقول إن حدود سايكس بيكو القديمة لا تزال “قائمة على نحو مفاجئ”، نتيجة عدم وجود “مشروع كردي كامل مطروح، لأسباب لا تتعلق بسيادة الدولة فحسب، بل بالانقسامات الكردية الداخلية أيضاً”، وإن الاستقلال أو انفصال الأكراد التام، بما في ذلك في العراق أو سوريا مستبعد في الأجل المتوسط.[10]

مصر.. سيناء.. وسد النهضة

موقع “ميدل إيست أوبزرفر” البريطاني كشف، بالصور، كيف أن السلطات المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي تعمل على إنشاء ستة أنفاق في شبه جزيرة سيناء لإيصال مياه النيل إلى الاحتلال الإسرائيلي. وبحسب ما أشار، فإن العمل أسند إلى بعض الشركات المملوكة للجيش، بالإضافة إلى “أوراسكوم” المملوكة لعائلة رجل الأعمال نجيب ساويرس المقرب من الحكومة.

يأتي ذلك بعد أشهر من نشر مواقع إخبارية أنباء، لم تؤكَّد بعدُ، عن صفقة يتم بمقتضاها تدخل الجانب الإسرائيلي لدى إثيوبيا لتخفيض الضغط على مصر، مقابل أن تعمل القاهرة على توصيل مياه النيل للاحتلال الإسرائيلي، من خلال الاستفادة من مشروع ترعة السلام المتوقفة منذ عهد الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك[11].

أردت أن أشير الى ذلك، مع اقتناعي بأن اسرائيل لم تعد في حاجة الى مياه النيل ولا الى مياهنا، بعد ان اعتمدت مشاريع تحلية مياه البحر. ولكن ما رشح من الإعلان الأميركي عن مخطط ما سمي بصفة القرن من تنازل مصري عن أراضٍ في سيناء لصالح توسيع قطاع غزة من ضمن الدولة الفلسطينية الموعودة، في مقابل عدم وضوح الموقف المصري يعيد للشك أن هناك ترتيبات ما ممهدة لإنجاح الخطة الأميركية الإسرائيلية.

هل أن الوصول الى اتفاق بشأن سد النهضة الإثيوبي في واشنطن ما بين الفرقاء الثلاثة المصري والسوداني والإثيوبي ما كان ليحصل وبرعاية اميركية لو لم يكن يفي بالمصلحة الإسرائيلية، سيما وأن الضغط الأميركي على الحكم الجديد في السودان أوصل الى النية السودانية بالرضوخ الكامل وصولاً الى ربط رفع العقوبات الأميركية بالتواصل مع الأسرائيلي. مع الإشارة الى تقارير صحافية تحدثت عن أن خطوة نتنياهو بلقاء البرهان – التي حصلت أوائل الشهر – تهدف إلى فتح أجواء السودان أمام الرحلات الإسرائيلية، وحل أزمة طالبي اللجوء، مقابل التوسط في تحسين العلاقات بين السودان والولايات المتحدة.

السودان

أما دولة السودان، فقد تحققت رؤية برنارد لويس فى تقسيمها، حيث انفصل جنوبها فى عام 2011 بعد استفتاء شعبى، ومازال إقليم دارفور يسعى للانفصال منذ اشتعال النزاعات به عام 2003، على خلفيات عرقية وقبلية، ليحقق كامل مخطط «لويس» فى تقسيم السودان إلى ثلاث دويلات.

حذار سوريا “برميل البارود”

في صحيفة نيو يورك تايمز في 14 شباط 2018  تحت عنوان “سوريا.. حرب للإيجار!” كتب توماس فريدمان …”لا يوجد وصف أبلغ من «برميل بارود» لإطلاقه على ذلك المكان! لكن إذا كانت تلك القصة قد فاجأتك وأربكتك بشأن ما ينبغي أن تكون عليه السياسات الأميركية، فدعني أحاول تبسيط الأمر لك”. إن النبأ السار والمحزن في آن واحد بشأن الحرب في سوريا هو أن الأطراف المتورطة كافة تقودها قاعدة فولاذية واحدة: «إنك لا ترغب في (امتلاك) هذه الحرب، فهي على أقصى تقدير (حرب للإيجار)»، ويريد كل طرف أن يُعظّم منافعه ويقلّص نفوذ منافسيه بتعريض أقل عدد ممكن من جنوده للخطر، وخوض معركة من أجل تحقيق أهدافه من خلال القوات الجوية والمرتزقة والمتمردين المحليين![12]

وفى خارطة الشرق الأوسط الكبير، تقسم سوريا إلى أربع دويلات، على أساس ديني ومذهبي، وهي دولة علوية على امتداد الشاطئ، وأخرى سنية فى منطقة حلب، وثالثة سنية أيضًا فى منطقة دمشق، ورابعة درزية فى الجولان ولبنان.

الميزانية العسكرية الأميركية على حساب الدبلوماسية الناعمة

”استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة والتي صدرت في 20/9/2002 كوثيقة تتألف من حوالي 3000 كلمة نستطيع من جراء قراءتها أن نقف على التفكير الإستراتيجي الذي يعكس رؤية عدد من الشخصيات في الإدارة الأميركية الذين يدعون للإستفادة من الظروف الناجمة عن أحداث 11 أيلول/ سبتمبر لتكريس الهيمنة الأمريكية على العالم.

في استراتيجيتها السابقة، كانت الولايات المتحدة تقوم بحروب إما بالأصالة وإما بالإنابة، ولكن بغطاء من الشرعية الدولية إلا في بعض الحالات في أميركا اللاتينية التي كانت تعد في أثناء الحرب الباردة مجال اميركا الحيوي، وهو ما يوازي التدخل السوفيتي في المجر وتشكوسلوفاكيا، مثالاً. أما بمندرجات الوثيقة الجديدة، فقد كرست واشنطن فكرة التدخل المباشر وبقرار أميركي صرف؛ فالحروب الإستباقية من الآن فصاعدا قرار أمريكي تمليه مصالح الأمن القومي وضروراته، ولم تعد بحاجة إلى الحلفاء والأصدقاء، أو حتى العملاء وخاصة بعد حرب العراق 2003 وكذلك لم تعد العناصر الثقافية والإجتماعية للتدخل الأميركي منفصلة عن العناصر العسكرية والإقتصادية .[13]

وقد أتسمت استراتيجية الأمن القومي للرئيس جورج بوش الابن 2002 بتوجيه هجومي على الواقع الدولي وأحادية العمل الاميركي والاعتماد على الأداة العسكرية فى تنفيذ الاستراتيجية بعسكرة شبه كاملة لمفاهيم الأمن القومي. وأن القوات المسلحة شكلت رأس الحربة فى المواجهة مع الارهاب، وعدم الإيمان بوجود حلفاء للولايات المتحدة وتم تعليق الأمن على عاتق المؤسسة العسكرية وارتفعت، نتيجة لذلك، الميزانية العسكرية على حساب الدبلوماسية الناعمة.

لم يكن الرئيس الأميركي ترامب ليختلف عن غيره من الذين سبقوه في تنفيذ الوثيقة الجديدة، وفي تبنيهم حماية الكيان الصهيوني، ولكنه الأوقح في الإعلان عما يقرره – منفردا أو عبر مستشاريه – المعرضين في كل وقت لصرفهم اذا ما خالفوا وجهات نظره أو حتى تويتراته الغزيرة.

تتكامل مندرجات الوثيقة الأميركية قيد التنفيذ مع مصالح مشتركة مع اسرائيل لا سيما في مبدأ التحكم بخيرات المنطقة، ويسعي الكيان الصهيوني ليكون مرتكزاً لمرور الطاقة الى المتوسط ومنه الى العالم، ما يقتضي إغراق دول الجوار بالأزمات وانعدام الأمن في كل من مصر وسوريا ولبنان والعراق وصولاً الى البديل وهو “التعاون” مع اسرائيل لتكون المنفذ الصالح والآمن لإقتصاديات منطقة الشرق الأدنى والخليج، وبذلك يتم احباط مشروعي خط الغاز العربي والخط الإسلامي، عسكرياً، والحؤول دون الوصول الى خواتيمهما سواء على الساحل السوري أو عبر تركيا والتي تتعارض مصالحها مع الخطط الإسرائيلية في خطوط النفط والغاز.

يقول رمزى بارود، أحد أهم الصحفيين الأمريكيين من أصول فلسطينية في حديث الى مجلة اليوم السابع المصرية، إن الشرق الأوسط من أكثر المناطق التى واجهت أطماعًا على مر التاريخ، مشيرًا إلى أن الصراع القادم سيتخذ شكل صراع سنى شيعى، وإن إيران ستقوم بدور كبير خلال الفترة المقبلة فى تشكيل الواقع العربى على الأرض. ويضيف: “أما جماعة الإخوان المسلمين، فستسعى أيضًا إلى إعادة صفوفها، وهنا ينبغى على الدول السنية أن تتعامل مع شعوبها بشفافية، حتى لا ينجح الإسلام السياسى فى الصعود إلى الحكم مرة أخرى”. ويؤكد «رمزى» أن المنظمات الدولية ذات التوجه الحيادى سينتهى دورها تمامًا فى المنطقة، كالأمم المتحدة التى توقفت عن دعم الشرق الأوسط منذ 5 سنوات، أى منذ قيام ثورات الربيع العربى.

ويعتقد الصحافي الأميركي أن أسوأ السيناريوهات التى من الممكن أن تحدث فى الشرق الأوسط، هو أن تنشأ دويلات على أساس ديني، الأمر الذى سيؤدي إلى إشعال صراع لا ينتهى فى الشرق الأوسط، كما هو حال إسرائيل. ويضيف أنه “يمكن القول إن سوريا والعراق وليبيا واليمن من أكثر الدول القريبة من سيناريوهات التقسيم، بينما ستشتعل المعارك بين دولتى شمال وجنوب السودان، لأسباب سياسية واقتصادية، وتبقى مصر بعيدة عن الصراعات الداخلية، لكنها تحتاج إلى اعتماد برنامج تنمية شامل، وتحول ديمقراطي، لأنه أمر حيوي ومهم، رغم كونه طويلًا ومؤلمًا” .[14]

ظروف تقبّل مخططات صفقة القرن

اغراق المنطقة بالصراعات المذهبية والإثنية، وإصباغها بالإرهاب عبر حشوها بمعظم عناصر الإسلام المتشدد، والتحكم بولاءاتها عبر حكام ديكتاتوريين حتى ولو بلبوس الديمقراطية، واعتماد معاير ونصائح صندوق النقد الدولي لرهن كافة مواردها ومؤسساتها الوطنية لحل الديون المتفاقمة، والتوجيه الإعلامي الخطير عبر فتح قنوات التواصل الإجتماعي لبث التفرقة والتعصب واهتزاز الثقة بالدولة الوطنية هو ما مهّد الطريق أمام الأميركي لطرح مشروعه المسمى “صفقة القرن”.

واذا كانت أهداف من أنتج هذه الصفقة انهاء القضية الفلسطينية، فيبدو أنه استفاد من عدة عوامل نتجت عن أخطاء ارتكبناها أو انخرطنا فيها بإرادة أو فرضت علينا، فالمقاومة الإسلامية التي نجحت في هزيمة العدوان الإسرائيلي عام 2006 لم تعد مقاومة لهذا العدو بعد أن استُدرجت الى الساحات العربية للقتال فيها لتنفيذ مخطط ايراني غير مقبول من كافة العرب حتى لو سمي محور المقاومة واعتمد اسم القدس الشريف طريقاً.

وكذلك فإن الهرولة الخليجية ومن يدور في الفلك الأميركي من الحكام العرب أدخلتهم في مخططات واشنطن المتكاملة مع العدو الإسرائيلي، فلم يعد الإسرائيلي عدواً داهماً عندما ينظر عامة الناس في الخليج الى التدخل الإيراني على حدوده في اليمن.

ويقابل طرح صفقة العصر عدم وضوح في المواقف العربية للدول المعنية وهذا ما يربك المحللين من وجود موافقة ضمنية، مع الإشارة الى دور الإعلام – وضمنه وسائل التواصل الإجتماعي – في الترويج لخطر التمدد الإيراني مقابل مقبولية وبدء علاقات تجارية مع اسرائيل والإسرائيليين. وقطعت الشركات الإسرائيلية أشواطاً في دخولها الى الأسواق العربية عن طريق التكنولوجيا وعالم السبير والأمن السيبراني سواء مباشرة أو مغلفة بأسماء أميركية أو غربية.

العامل النفسي والإقتصادي    

في مكان ما من الذاكرة الخليجية أن الفلسطيني الذي احتُضن في كافة الشركات وأعطي الأفضلية ودعم في نضاله وصموده لم يقف مع الكويت عندما غزتها جيوش صدام حسين ما ترك انطباعا سيئا في تلك الذهنية، بالإضافة الى عدم نجاح تجربة السلطة الفلسطينية في تكوين ادارة شفافة في الممارسة لا بل نخر الفساد تلك السلطة كما هو السائد اليوم في مجتماعاتنا.

وقد تشكل الإغراءات المادية وتحسين الأوضاع المعشيية للناس في قطاع غزة المحاصر في سكوت عربي ودولي مذلين، قد تشكل اهتماما لدى الناس كشخبة خلاص للبقاء والنجاة تتفوق على مبدأ سيادة الدولة المنشودة. وقد أسهم هذ الوضع في ابعاد القضية الفلسطينية الى مرتبة متأخرة من اهتمام الناس – حتى أصحاب القضية منهم – وانعكس ذلك في تراجع الضغط الجماهيري في اطلاق مظاهرات الإستنكار لصفقة القرن في العواصم العربية.

التدخل لحماية الأقليات

ومن جهة أخرى هناك باب مفتوح على مصراعيه في الهيمنة الإمبريالية على المشرق المتعدد الطوائف والإثنيات هو موضوع حماية الأقليات. ولا بد من إزالة الالتباسات العالقة بموضوع الأقليات والأكثريات، كما يقول فواز طرابلسي لمجلة الجديد اللندنية[15]، خصوصاً في ضوء عودة القوى الغربية، في خطابها السائد، إلى موضوع حماية الأقليات. أول مدخل إلى المساواة هنا التمييز بين أقلية مضطهَدة وأقلية في موقع السلطة والأمر ذاته ينطبق على الأكثرية، ثمة أكثريات مضطهدة ومقصيّة عن المشاركة الفعلية في السلطة وأكثريات طاغية.

إذا كانت الديمقراطية هي حكم الأغلبية وحقوق الأقليات فإنها تعني هنا الأغلبية البرلمانية والأقلية البرلمانية. ولا يستوي حكم الأغلبية إلا إذا قدّم ضمانات فعلية للأقلية / يأتي خصوصاً عندما يتعلّق الأمر بغلبة الهوية الإثنية أو الطائفية أو المذهبية على أيّ منها. وهذا يعني أن الأقليات في الحكم ليست هي ذاتها الأقليات المضطهدة، وأن الأكثريات (العددية، أو المفترضة) يمكن أن تكون في موقع الحرمان من المشاركة السياسية.

ولكن أين نحن من الديمقراطية الصحيحة في مبادئها الشفافة من فصل السلطات وقانون الإنتخاب والحوكمة الرشيدة.

ما السبيل الى رفض الصيغة المذلّة

لا أعتقد أن أحداً يتسبعد خيار المقاومة كحل أوحد ضمن المبدأ الناصري “ما أخذ بالقوة لا يستعاد سوى بالقوة” ويقتضي ذلك بناء القوة، ورغم الإستعدادات العسكرية والصرف الهائل على بناء وتجهيز الجيوش العربية، ورغم التصنيف الأخير للجيش المصري في المرتبة التاسعة عالمياً في موقع متقدم عى الجيش الإسرائيلي، فإن القوة العسكرية في بلد غير ديمقراطي لم يجدِ ولن يجدي.

الجواب الأول على مشاريع صفقة القرن وتحدي تغيير الحدود والكيانات ممكن ولكن بعد بناء الدولة التي تنهي الأنظمة التسلطية، بما هي أنظمة امتياز/ تمييز متعددة الأوجه بين الجماعات. فتجاوز الامتياز/ التمييز في مواقع الجماعات الطائفية (وسواها) من السلطة والإدارة (ومن القانون والثروة والموارد والتعليم وسواها) هو في تشريع ومأسسة المساواة السياسية والقانونية بين المواطنين بما هم أفراد، بما يتضمّن ذلك من تكريس للسيادة الشعبية مرجعاً للتمثيل وللنظام الانتخابي ولفصل السلطات وتداول السلطة ومساءلة الحكا،. هو في الدولة الديمقراطية.

بهذا المعنى، يضيف طرابلسي، كنت ولا أزال أقول إن الديمقراطية ثورة في بلادنا لأنها ترمي إلى اقتلاع جذور الاستبداد والحكم الأسري والدكتاتورية الفردية والتمييز السياسي والقانوني بين الناس على كافة المستويات وإعادة صياغة الدولة والنظام السياسي والتشريعي على أسس جديدة كل الجدّة.

أما العلمانية – وما يعنيني منها هنا هو التدبير السياسي/ التشريعي الذي يؤمّن الحياد الديني للدولة – فهي إجراء مكمّل للديمقراطية (على اعتبار أننا نتحدث عن علمانية ديمقراطية) يمسّ بالدرجة الأولى قوانين الأحوال الشخصية (أي تحرّر المواطن من تحكّم المؤسسات والتشريعات الدينية بحياته الشخصية وتمييزها القانوني بين المواطنين بناء على تعدد تلك المؤسسات والتشريعات وإخضاعه لأنظمة وتشريعات تسري على الجميع) بقدر ما تمسّ تمييز مواقع رجال الدين والمؤسسات الدينية من السلطة.[16]

في الخلاصة

صحيح أن الأوروبيين دفعوا خلال الحربين العالميتين ثمنا باهظاً، كلفهم الكثير من الضحايا البشرية والخسائر المادية، وكمٌا هائلا من الخراب والدمار، إلا أنهم سرعان ما استجمعوا قواهم، وأسسوا دولهم، وبنوا اقتصادهم، وخلصوا إلى نتيجة أن طريق الحضارة والتطور والرقي الحضاري لا بد له من وحدة وتكامل بيني. فقاموا بتأسيس حلف الناتو أولا، ثم السوق الأوربية المشتركة، التي تطورت إلى الاتحاد الأوروبي، الذي أثمر توحيد العملة، وإزالة جميع الحواجز بين بلدان الاتحاد.

ومن أجل ألا تتحقق الوحدة العربية، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وحتى في أدنى درجات التعاون والتكامل، منح الأوروبيون الحركة الصهيونية وعد بلفور المشؤوم، وشاركوها في تأسيس اسرائيل كياناً غريباً عن محيطه، لتبقى بؤرة تأزيم دائم للمنطقة، تمنع دول المنطقة من التقاط أنفاسها، والعيش بطريقة طبيعية مثل باقي أمم الأرض.

اليوم، وفي ظل هيمنة القطب الأوحد على العالم، لم يعد لأوروبا ذلك الدور الإستعماري – لا بل تميّز الإتحاد الأوروبي بمفاهيم وقيم إنسانية قربته من خلالها من شعوب ودول العام الثالث وأنهت التطلعات التوسعية السابقة. لكن واشنطن التي أنقذت دول الحلف في الحرب العالمية الثانية من الهزيمة، فرضت هيمنتها واستغلت انتصارها منفردة، بعد زوال الإتحاد السوفييتي. ثم تجلى ذلك بشكل أبرز، من خلال خذلانها ثورات الربيع العربي، وتضليلها وإدخالها في دهاليز وأنفاق ومتاهات الأمم المتحدة التي لا نهاية لها ولا نتيجة منها. ثم تقديم الدعم الضمني للثورة المضادة. والأخطر من ذلك استحضار العامل الطائفي وخلق وتغذية الصراع السني الشيعي، كل ذلك بهدف تكريس الواقع الاستبدادي، والإبقاء على الأنظمة العربية الهشة التي ما كانت لتصمد أمام شعوبها، لولا الدعم الغربي لها.

في ظل هيمنة القطب الواحد، لم تعد الحدود المرسومة لكل دولة هي ما يحميها – رغم تكوّن الدولة الوطنية في الحدود المخططة والدفاع عن هويتها من قبل قاطنيها – فقد طفى على السطح في عالم اليوم “الأمن الحيوي” بالإضافة الى الأمن القومي، فالروسي غير معني بتغيير حدوده أو توسيعها، ولكن ما يعنيه تحقيق الأمن الحيوي عبر وصوله الى المياه الدافئة في المتوسط. وكذلك تسعى الجمهورية الإسلامية الى تحرير خطوط الغاز والنفط من الهيمنة الروسية والأميركية عبر الوصول الى السوق الأوروبية عبر المتوسط من دون أن يتحكم بها أحد. وسُيسمح للتركي في مد نفوذه الى بقعة معينة في الشمال السوري لتحقيق ما يدعيه من مكافحة الإرهاب الناتج عن خوفه الدائم من الأكراد المسلوبة حقوقهم.  

ويبقى الخطر الواجب التصدي له هو التدخل الأميركي السياسي والإقتصادي والعسكري في منطقة تزخر بالخيرات والقدرات، والذي أفقر الشعوب ورهن سياسات الحكام وأرسى تواجداً عسكرياً دائماً في النقاط الحساسة من المنطقة، ويتصرف بكل عنجهية لصالح العدو الصهيوني، فهو يشكل الخطر الأقوى في تغيير خرائط المنطقة لترسيخ قيام وطن قومي لليهود منافياً لكل الأعراف والمواثيق الدولية، إنه بحق وعد بلفور الثاني.  

أكاد أقول، وباقتناع كلي، وقد وصل بنا اليأس أن نبدأ من مكان ما من أمتنا العربية التي لم نر فيها حتى اليوم دولة المواطنة والقانون، أن الربيع العربي لن يعود الى الوراء والتغيير قادم وقد شهدنا بعض النجاحات في تونس وفي السودان، وسيعطي لبنان المثل الصحيح للتغيير. وأن بناء الدولة المدنية الديمقراطية العلمانية هو السبيل الى القوة التي تحرر الإنسان والأرض. وما من سبيل للوقوف في مواجهة المخططات الصهيونية في تفتيت المنطقة تمهيداً لتغيير خرائطها، إلا بالتكامل ما بين شعوب المنطقة، وما من تكامل ناجح سوى بتحقيق السيادة والمواطنة غير المنقوصة.


[1] جوزف باسيل، النهار الإلكتروني في 5 أيلول 2016 على الرابط: http://newspaper.annahar.com/article/461366-%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82-%D8%B3%D8%A7%D9%8A%D9%83%D8%B3–%D8%A8%D9%8A%D9%83%D9%88-%D9%88%D8%AE%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D8%B7%D9%87

[2]  موقع ترك برس في  4 – 10 – 2016 على الرابط https://www.turkpress.co/node/26645

[3]  موقع سطور الإلكتروني على الرابط: https://sotor.com/%D9%85%D8%A7-%D9%87%D9%8A-%D9%85%D8%B9%D8%A7%D9%87%D8%AF%D8%A9-%D8%B3%D9%8A%D9%81%D8%B1/

[4] موقع صحيفة اليوم السابع المصري بتاريخ 28 كانون الأول/ ديسمبر 2019 على الرابط https://www.youm7.com/story/2019/12/28/%D9%87%D9%84-%D8%AA%D9%86%D8%A7%D8%B2%D9%84%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AB%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D9%86-%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D9%87%D8%A7-%D9%84%D9%80-%D8%A5%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7-%D9%85%D8%B9%D8%A7%D9%87%D8%AF%D8%A9/4564008

[5]  موقع ترك برس الإلكتروني على الرابط https://www.turkpress.co/node/57454

[6]  موقع روسيا اليوم بتاريخ 22- 6 – 2016 على الرابط: https://arabic.rt.com/prg/telecast/829001-%D8%A3%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82%D8%A7%D8%AA-%D8%B3%D8%A7%D8%B2%D9%88%D9%86%D9%88%D9%81-%D8%B3%D8%A7%D9%8A%D9%83%D8%B3-%D8%A8%D9%8A%D9%83%D9%88-%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%B3%D9%82%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%86%D8%B5%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%87%D9%8A%D8%B1%D8%A9/

[7]  معهد كارنيغي للشرق الأوسط، نشر في 16 – 1 – 2019 على الرابط:  https://carnegie-mec.org/diwan/78130

[8]  د. صالح زهر الدين، من مداخلته في المؤتمر الإقليمي الثامن لمركز البحوث والدراسات الإستراتيجية في الجيش اللبناني 19 – 22 شباط 2018 مدرجة في منشورات المركز لعام 2018. 

[9]  موقع معهد واشنطن على الرابط: https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/the-lines-that-bind-100-years-of-sykes-picot

[10]  موقع معهد واشنطن على الرابط: https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/the-lines-that-bind-100-years-of-sykes-picot

[11]  موقع الخليج أون لاين بتاريخ 29-11-2016 

[12]  موقع المدار بتاريخ 14 – 2 – 2018 على الرابط https://madardaily.com/2018/02/15/%D8%AA%D9%88%D9%85%D8%A7%D8%B3-%D9%81%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D9%85%D8%A7%D9%86-%D9%8A%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D9%84%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%AC%D8%A7%D8%B1/

[13]  المركز الديمقراطى العربي بتاريخ 19  – 1 – 2016 على الرابط: https://democraticac.de/?p=26157

[14]  صحيفة اليوم السابع المصرية في 19 نيسان / أبريل 2019

[15]  نُشر في 01/05/2016، العدد: 10262، ص 112

[16]  فواز طرابلسي المرجع نفسه

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate