2021-10-19

بوارج حربية تزدحم في شرق المتوسط .. ما علاقة إنفجار مرفأ بيروت

السفينة التركية "عروج ريس"
السفينة التركية "عروج ريس" انطلقت في مهمتها تحت حماية سفن حربية (وكالة الأناضول)

العميد م. ناجي ملاعب

من المبكر تحديد وجهة ودور السفن العسكرية التي ترابط قبالة الساحل اللبناني بعد الإنفجار القوي الذي وقع في مرفأ بيروت. ويلاحظ الخبراء أن كل العيون والبوارج مقابل مرفأ بيروت المدمر شاخصة اليوم على الغاز اللبناني، وبشكل أوسع، على كميّات الغاز الضخمة التي تم اكتشافها شرقي البحر المتوسط من سوريا مروراً بلبنان واسرائيل وقبرص وصولاً الى مصر، فالغاز هو طاقة المستقبل وهذا الغاز موجود على تخوم الاتحاد الاوروبي، اول مستهلك للغاز في العالم.

نحن حاليّاً امام مشهد معقّد نسبياً بسبب وجود كثير من اللاعبين:

أولاً: اللاعبين الاقليميين وأعني تركيا، ايران، مصر واسرائيل.

ثانياً: لاعبين دوليين اي فرنسا، بريطانيا، الولايات المتحدة، وفي الخفي روسيا التي تترقّب، والصين المتخفّية حتى هذه اللحظة.

فالكلّ يريد حصّته من هذا الكنز المُكتَشف!

 الحشد العسكري البحري يزيد التوتر بين فرنسا وأنقرة

كان موقف تركيا من قبرص بشأن حقول الغاز الطبيعي المحتملة في المنطقة الاقتصادية الخالصة، وهي العضو في الاتحاد الأوروبي قد ساهم في تأجيج التوترات بين باريس وأنقرة. بالإضافة إلى ملف اللاجئين، الذي ترى باريس انه يتم استغلاله من قبل الرئيس التركي. وقال بيان للخارجية التركية” لا يمكن قبول اتخاذ فرنسا خطوات من شأنها تصعيد التوتر أكثر في المرحلة الراهنة، ونشرها في هذا السياق طائرات عسكرية في قبرص بخلاف اتفاقيات 1960 ولو بشكل مؤقت من خلال تنظيم مناورات مشتركة مع إدارة جنوب قبرص الرومية”.

توترت العلاقات بين فرنسا وتركيا في الأشهر الأخيرة بشكل حاد ووجه الطرفان انتقادات لاذعة لبعضهما البعض. بدأ الاستياء الفرنسي في تشرين الأول، 2019 حيث أثار الهجوم التركي الذي نفذ في شمال شرق سوريا ضد قسد وابلًا من الانتقادات وجهتها باريس الى انقرة. وقال حينها جان إيف لودريان، وزير الخارجية الفرنسي، انه من المهم توضيح مكانة تركيا كحليف في الناتو قبل عقد قمة الناتو في كانون الاول 2019.

العين التركية على غاز شرق المتوسط

 اهم اسباب هذه العلاقة هو الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط. وبالرغم من الحظر، كذلك، ارسلت تركيا السلاح ومرتزقة الى ليبيا في الوقت الذي كانت فيه فرنسا داعمة للجنرال خليفة حفتر. وبدا أن اردوغان التف على الموقف القبرصي الرافض مطالبة تركيا بحصة لقبرص التركية، بتوقيع مذكرة تفاهم مع ليبيا بشأن حدودها البحرية التي تسمح له بالتمدد في الجرف القاري، وبالتالي تأكيد مطالبه الإقليمية، مقابل تقديم تركيا الدعم العسكري لحكومة الوحدة الوطنية الليبية.

وجه الرئيس الفرنسي في 12 حزيران / يونيو اتهامًا جديدًا ضد أنقرة، مستنكراً “سياستها العدوانية والمتمادية” مع وجود سبع سفن تركية متمركزة قبالة ليبيا وانتهاك حظر الأسلحة، واتهم تركيا “باستغلال الناتو كأداة”، وعدم سماحه بذلك. وأطلق الاتحاد الأوروبي، ردًا على تهريب الاسلحة المحظورة الى لبيبا منذ 2011، العملية البحرية “ايريني” التي تفوضه تفتيش أي سفينة في أعالي البحار بهدف “مراقبة ارسال الأسلحة، ودفع نية انقرة إنشاء قاعدة بحرية دائمة في ميناء مصراتة الاتحاد الأوروبي إلى طلب المساعدة من الناتو.

 وكانت وزارة الخارجية التركية قد انتقدت الصفقة الاسرائيلية القبرصية، واصفة إياها بأنها “مثال جديد للخطوات غير المجدية في المنطقة التي تحاول استبعاد الجمهورية التركية لشمال قبرص وتركيا”. والتزمت إسرائيل عدم الرد علناً على التصريحات التركية، أو استفزاز أردوغان بأي شكل من الأشكال على نزاعه مع اليونان وقبرص.

بعد ما اتفقت الدول الثلاث على دفع مشروع خط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي من شرق البحر المتوسط إلى أوروبا، من المتوقع أن تكون إيطاليا أول نقطة دخول للقارة. ليكتمل المشروع الذي يهدف إلى توفير حوالي 10٪ من احتياجات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي، وبالتالي تقليص اعتماد القارة النشط على روسيا.

وحرصت اليونان – التي تستند في تصورها إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 إلى الاستفادة من الخلاف التركي -المصري لترسيم الحدود البحرية معها. لم توقع تركيا على اتفاقية البحار فهي لا تعترف بالحدود البحرية مع اليونان كجزر مثل كاستيلوريزو، ورودس، وكارباثوس، وكريت، التي تنتشر على امتداد سواحل غرب وجنوب غرب تركيا وهي خاضعة لسيادة أثينا رغم ابتعادها مئات الأميال عن البر اليوناني، ما يجعل رسم حدود البلدين البحرية في إيجة والمتوسط أمرا في غاية التعقيد، وسببا للتوترات التي قد تؤدي إلى صدام عسكري في أية لحظة.

ترى فرنسا ان اي تهديد لليونان، العضو في الاتحاد الاروبي هو اعتداء عليها، فارسلت سفتها للمساعدة في لبنان بعد الانفجار الذي شهدته بيروت. اراد ماكرون من هذه الخطوة تأكيد الوجود الفرنسي في لبنان وعلى ساحل المتوسط. كذلك ارسلت فرنسا طائراتها الى سماء اليونان كرسالة الى تركيا التي كانت قد وقعت مع الحكومة المعترف بها دوليا في ليبيا، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، اتفاقا بشأن الحدود البحرية في البحر المتوسط، وسط رفض مصري يوناني قبرصي، وإن كانت الخارجية المصرية أوضحت في البداية أن الاتفاق لا يضر مصر، لكن الرئاسة تدخلت لتعديل البيان، ووصف الاتفاق بأنه “غير شرعي، ولا أثر له على منظومة تعيين الحدود البحرية في منطقة شرق المتوسط.

خشية اسرائيلية من الدور الفرنسي الجديد

عبّر تقرير إسرائيلي عن قلق حيال قدرة فرنسا على مواجهة التطورات الضالعة فيها في الشرق الأوسط، وبالأساس دورها في لبنان بعد الانفجار في مرفأ بيروت، والأهم من ذلك تدخلها في الصراع بين تركيا وبين اليونان وقبرص، وذلك في إطار “محاولتها لجم تراجع تأثيرها في المنطقة مقابل منافسة متصاعدة للاعبين آخرين… وفرنسا لم تنجح بعد في تغيير توازن القوى في شرق البحر المتوسط”.

وأشار التقرير الصادر عن “معهد أبحاث الأمن القومي” في جامعة تل أبيب، إلى أن فرنسا تعتبر نفسها دولة عظمى من الدرجة الأولى في المنطقة لعدة أسباب، بينها أنها الدولة المشاطئة للبحر المتوسط الوحيدة التي لديها مقعدا دائما في مجلس الأمن الدولي، وجيشها هو الأقوى بين دول المنطقة. كما أن قوات فرنسية منتشرة في عدة مواقع في الشرق الأوسط وتنفذ مهمات فيها، إضافة إلى استناد فرنسا إلى علاقاتها التاريخية، المعقدة، مع دول وجهات إقليمية، إلى جانب أن الفرنسية هي لغة محكية بين شعوب المنطقة وتوجد لفرنسا شبكة دبلوماسية وتعليمية واسعة، تستخدمها باريس كوسيلة للتأثير.

وأضاف التقرير أن “مكانة فرنسا الإقليمية تضررت من التطورات المتعلقة بوجود روسيا والصين المتزايد ومن ازدياد وزن دول عظمى إقليمية – تركيا ودول الخليج”، وأن “انعدام الاستقرار في شر البحر المتوسط سيمس بفرنسا حتما. ولذلك، تستند السياسة الفرنسية في المنطقة إلى هدفين أساسيين: أولا، فرنسا تريد الحفاظ على مكانتها في البحر المتوسط وتحسينه إذا أمكن. ثانيا، باريس تحاول دعم لاعبين إقليميين يظهرون نجاعة في محاربة الإرهاب الإسلامي”.

التسلل التركي الى افريقيا

 يؤجج الحراك الدبلوماسي التركي نحو دول أفريقية الخلاف مع فرنسا التي لطالما اعتبرت افريقيا من “الملاعب التقليدية” لسياستها. كشف الصراع التركي – الفرنسي مع زيارة وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إلى النيجر، حين اعلن عن افتتاح سفارة لبلاده في كل من غينيا الاستوائية وتوغو، موضحاً أن عدد سفارات تركيا في أفريقيا وصل إلى 43 سفارة.

تفاصيل الاتفاقيات العسكرية الموقعة مع النيجر، تطرح بعض التساؤلات حول توقيتها ودلالتها، بخاصة أن جاويش أوغلو، قال ان تركيا “خير مَن يتفهم مساعي النيجر في مكافحة الإرهاب”. وتحدثت معلومات عن اتفاق على إقامة قاعدة عسكرية تركية على الأراضي النيجرية قرب الحدود مع ليبيا، ما يمنح تركيا موطئ قدم علني في دولة أفريقية ثالثة بعد القاعدة العسكرية في الصومال، التي أنشأتها في عام 2016، وقاعدتَي الوطية ومصراته في ليبيا هذا العام.

كل ذلك سيكون له تأثير على أمن شمال أفريقيا والساحل، لأن تركيا ستسعى إلى إيصال أنصارها إلى السلطة في تلك الدول”، حيث وسّعت علاقاتها بدول أفريقية عدة لا سيما في الساحل والصحراء، مثل النيجر، وتشاد، ومالي، وبوركينا فاسو وموريتانيا، وهي دول تواجه أزمات عدة على غرار انتشار الجماعات الإرهابية فيها، وتفشي الفقر والمجاعة، والصراعات القبلية والعرقية والإثنية.

وبالتوازي مع نشاطها العسكري في ليبيا وارتفاع مكانتها في أفريقيا في السنوات الخمس الماضية، غيرت أنقرة أولويات سياستها الخارجية التقليدية مع الجزائر والمغرب وتونس، مما أدى إلى تغطية شبه يومية في وسائل الإعلام التركية. وبصرف النظر عن أهميتها للحفاظ على الوجود العسكري التركي في ليبيا، فإن هذه الدول الثلاثة تحمل أيضًا أهمية حاسمة لانفتاح أنقرة على أفريقيا.

وهذا التسلل التركي الدبلوماسي والعسكري الى القارة الإفريقية بات يشكل تهديداً لمنطقة الساحل، ومساساً بأمن دولها ومنها الجزائر، حيث تم التوقيع على اتفاقية الصداقة والتعاون منذ العام 2006 خلال زيارة لرئيس الوزراء آنذاك رجب طيب أردوغان، وشكلت أساساً قوياً للعلاقات الثنائية.

الهدف الأساس في التوغل التركي هو السيطرة على الثروات وطرق المواصلات، ولكن أن يتم ذلك في “البيدر الفرنسي” سواء في شرق المتوسط او في القارة الإفريقية وساحلها الشمالي فهذا يطرح تساؤلات حول مجابهة تركية فرنسية، سوف يكون الإتحاد الأوروبي وحلف الناتو في خضمها.

أين واشنطن مما يجري؟ فالموضوع يختلف عندما يتعلق الامر بالعلاقات التركية الاميركية. فحيث يكون لتركيا مصالح لا تتأخر في التصرف كذراع للولايات المتحدة لا سيما في مناطق لا تريد واشنطن أن تواجه فيها حليفتها فرنسا مباشرةً.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.