2021-06-15

دور النظام الاقتصادي اللبناني بتحديد السياسة الدفاعية واعتماد خيار الحياد

رياض قهوجي

تُبنى السياسة الدفاعية للدول بناءً على مصادر التهديد، وسياساتها الاقتصادية والخارجية. فطبيعة التهديدات المستشعرة وعلاقات الدولة السياسية والاقتصادية مع جيرانها المباشرين ومحيطها الإقليمي والمجتمع الدولي، تملي عليها شكل السياسة الدفاعية التي يجب أن تتبناها، والتي تشكل خريطة الطريق للقيادة العسكرية من ناحية العقيدة القتالية وهيكلية المؤسسة وحجم القوات المسلحة وطبيعة تسليحها. وعليه فإن مسألتي حياد لبنان أو تحييده وشكل نظامه الاقتصادي أساسيتان، والاتفاق عليهما سيجعل مسألة الاتفاق على السياسة الدفاعية أسهل وأكثر علمية ومنطقية. فقبل أن تناقش القوى السياسية إذا ما كانت بحاجة الى سلاح ما، يجب أن تحدد لماذا تحتاجه وحجم فائدته.

يرتكز الاقتصاد اللبناني على نظام السوق الحر، حيث قطاعات مثل الخدمات والسياحة والترانزيت والتجارة أساسية لاستمرار العجلة الاقتصادية فيه. ويعتمد الاقتصاد اللبناني اعتماداً كبيراً على أموال ملايين المغتربين في الخارج. ولقد ساعد النظام الاقتصادي لبنان في رسم سياسته الخارجية التي بُنيت على علاقات متينة مع دول المنطقة عموماً، ودول الخليج العربي خصوصاً، التي استوردت العديد من حاجاتها عبر موانئه ومن مزروعاته، واستثمرت في مشاريعه العقارية، وكان مقصدها السياحي المفضل، واستفادت من خدماته المصرفية المميزة، واحتضنت عشرات الآلاف من أبنائه للعمل فيها. 

ولما كان لبنان، بحكم موقعه على البحر المتوسط وعبر تاريخه، مركزاً تجارياً أساسياً بين الشرق والغرب، كان لا بد أن يمتلك نظاماً مصرفياً متيناً جذب مستثمرين من شتى أرجاء العالم. وبما أن الغرب يسيطر على أنظمة الحوالة المصرفية عالمياً، فلا بد أن يحافظ لبنان على علاقات جيدة مع الدول الغربية، وتحديداً الولايات المتحدة الأميركية. ويزيد من هذه الحاجة أن النظام المالي – التجاري في لبنان “مدولر”، حيث كان الدولار الأميركي ولا يزال أساس تسعير كل المواد والحاجيات والخدمات في البلد. كما أن لبنان يمتاز بتعدد ثقافاته وبتركيبة سكانية طائفية مميزة، مكّنته من بناء علاقات تجارية قوية مع الغرب والشرق على حد سواء. 

الانتشار الكبير للمغتربين اللبنانيين عبر العقود الماضية، منح لبنان ثروة كبيرة تدر عليه مئات الملايين من الدولارات سنوياً، بالإضافة الى العلاقات المتينة والمواقع المهمة التي يملكها المغتربون حيث هم، ما يضاعف من أهميتهم للاقتصاد اللبناني. فكل جالية لبنانية هي بمثابة لوبي يمكن للدولة اللبنانية أن تستغله لخدمة أهداف سياسية واقتصادية وحتى أمنية إذا ما أحسنت استخدامه. 

وإذا ما كان هناك توجه آني لتحويل لبنان من نظام ريعي الى نظام منتج، حيث الزراعة والصناعة تحتلان جزءاً أكبر في الدخل القومي، فهذا سيحتاج استثمارات كبيرة بعيدة الأمد، وأسواقاً لمنتجاته. ومن الطبيعي أن يتم الاستنتاج أن تحوّل لبنان مستقبلاً الى دولة منتجة للنفط والغاز سيجعله يعيش في بحبوحة اقتصادية إذا ما تمكّن من إدارتها بنجاح وتأمين أسواق جيدة لها. الأسواق الطبيعية لمنتجات لبنان الزراعية هي في الخليج العربي وبعض الدول الأوروبية. حتى القطاع الصناعي فهو بالغالب سيكون نحو الأسواق ذاتها، وقد تضاف لها بعض الدول الأفريقية. 

وبناءً على هذه الصورة الإجمالية لواقع نظام لبنان الاقتصادي كما كان ويُتوقع أن يكون، من دون الأخذ بعين الاعتبار الأوضاع المزرية التي يعانيها اليوم نتيجة تراكم الديون التي أوقعت المصارف في عجز، وتقلص احتياط المصرف المركزي لمستويات خطيرة، فإن سياسة لبنان الخارجية تحتّم عليه إيجاد علاقات ممتازة مع دول الخليج العربي والقوى العظمى عموماً والغرب خصوصاً، والامتناع عن مواقف تضر بمصالح الجاليات اللبنانية الكبيرة في الخارج. أي تعارض بين سياسة لبنان الخارجية ومصالحه الاقتصادية هو أمر مناف للمنطق ولدور الدولة بإدارة سياساتها الخارجية والاقتصادية. ولقد أظهرت المؤتمرات الكبيرة التي نظمتها وزارة الخارجية اللبنانية مع المؤسسات الاغترابية خلال السنوات الماضية، أن مركز ثقل المغتربين اللبنانيين هو في الغرب ودول الخليج وأفريقيا، وليس في الصين وروسيا. إلا أنه بالرغم من ذلك، يملك لبنان علاقات اقتصادية جيدة مع الصين وروسيا، وهي علاقات ستنمو حتماً عند دخوله نادي الدول النفطية. 

أما في ما يخص مصادر التهديد للبنان، فهي محددة بإسرائيل والإرهاب. في ما يخص إسرائيل، فإن الخلاف معها هو ذو بعدين: الأول له بعد عربي متعلق بالقضية الفلسطينية، والثاني له علاقة بالخلاف حول ترسيم الحدود البرية – البحرية. في ما يخص البعد العربي، فلطالما كان لبنان مؤيداً للقرارات العربية في ما يخص القضية الفلسطينية، وهو مؤيد للمبادرة العربية للسلام. لكن قرار الإمارات العربية المتحدة بتطبيع العلاقات مع إسرائيل سيفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد تنقل القرار العربي الى مكان جديد في ما يخص الصراع مع إسرائيل والقضية الفلسطينية. تجدر الإشارة الى أن آخر حرب عربية – إسرائيلية كانت عام 1973. منذ حينه جميع حروب ومعارك إسرائيل خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة كانت داخل لبنان، البلد الذي لا تزيد مساحته عن 10452 كلم مربعاً، ولا يزيد عدد سكانه عن 4 ملايين نسمة، من 18 طائفة ومذهباً. 

بالنسبة لمسألة ترسيم الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، فهي اليوم موضوع بحث ومفاوضات تقودها واشنطن. اكتشاف النفط والغاز في شرق المتوسط قد أدخل إسرائيل في مرحلة جديدة تجعل حالة الحرب واللا استقرار مضرّة لها وتؤثر على أعمال التنقيب. والأمر نفسه يمكن أن يُقال عن لبنان الذي لن يستطيع أن يستثمر حقول النفط والغاز في المناطق المحاذية لإسرائيل ما لم يتم ترسيم الحدود. ومرة أخرى الوضع الاقتصادي سيؤثر على سياسة لبنان الخارجية، وبالتالي سياسة الدفاع. وآخر حرب بين لبنان وإسرائيل كانت عام 2006، ولم تُشن بقرار من الحكومة اللبنانية التي لا تزال حتى اليوم لا تملك قرار الحرب والسلم الذي يملكه طرف واحد أعلن أكثر من مرة أن تسليحه وتمويله هو من إيران، لكن عملياته ونشاطاته تنطلق من لبنان. 

في ما يخص مواجهة الإرهاب المتمثل بمجموعات أصولية تتبنى فكر “القاعدة” و”داعش”، فهي تتحرك فقط في مناطق تشهد فراغاً أمنياً وتملك حاضنة تغذيها النزاعات المذهبية. ولقد أثبتت الأحداث منذ معركة نهر البارد حتى اليوم أن لا بيئة حاضنة لفكر هذه المجموعات في لبنان، وأن بعض خلاياها استطاع التسلل الى الساحة اللبنانية من داخل الأراضي السورية وبمساعدة النظام وأدواته لغايات معروفة. ولقد تمكنت الأجهزة الأمنية والجيش اللبناني من التعامل معها بنجاح والقضاء عليها، وحتى شن عمليات استباقية في الكثير من الأحيان. وتبقى بعض الرواسب لها داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان تحت رقابة مشددة.   

وعليه، فإن نظام لبنان الاقتصادي وتركيبته السكانية وموقعه الجغرافي، تحتّم عليه اعتماد سياسة خارجية تكون أقرب للحيادية أو مبدأ الحياد. لا يمكن أن تجري حلقات حوار جدّية حول سياسة لبنان الدفاعية من دون الأخذ بعين الاعتبار نظامه الاقتصادي الذي يفرض عليه سياسة خارجية منفتحة ومرنة تنأى بنفسها عن النزاعات والحروب، وتعطي أولوية لمصالحها المباشرة وغير المباشرة المتعلقة بأوضاع المغتربين اللبنانيين. ولا حاجة للتذكير بمضار وجود دويلة داخل الدولة، لأن هذا أمر ترفضه الأعراف والقوانين والمبادئ الدولية والنظريات السياسية على أشكالها، وأثبتت الأوضاع الحالية في لبنان، وحتى العراق واليمن، أضرارها. فعندما توافق السلطة الشرعية على مشاطرة سلطتها مع قوة أخرى، فإن التركيبة الجينية – أو الحمض النووي – لهذا البلد ومجتمعه ستتغير، وسيأتي وقت لن يميّز المجتمع الدولي بين أفعال ومواقف الدولة والدويلة، وحينها يدفع الشعب بأسره الثمن. لبنان على مفترق طرق، ولدى قياداته وشعبه المنتفض قرارات مصيرية ستحدّد أي لبنان سيبقى وكيف.     

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.