داعش في لبنان … مخاطر أم استثمار سياسي

ناجي ملاعب

بعد تفجير نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت، والتركيز الأمني على تداعياته على العاصمة المنكوبة، توجهت الأنظار الى الشمال اللبناني في حادثة مستهجنة بقيام ثلاثة مسلحين بإطلاق النار في قرية آمنة ليلاً على حارس بلدي ورفيقيه بمجرد السؤال عن هوياتهم. فوراً، وقبل حصول أية توقيفات، انكبت وسائل إعلامية محسوبة على محور المقاومة، على توجيه الإتهام الى داعش وبدأ التداول الكثيف بعودة داعش الى لبنان. لم يقصِّر الجيش في التعامل مع المشتبه بهم، ودفع في اشتباك مع الرأس المدبر ثلاثة شهداء من صفوفه وتمكن من قتله، وما زال الإهتمام في أوجه للقضاء على باقي الإرهابيين. فهل عاد تنظيم داعش الى الساحة اللبنانية ومن اية بوابة؟

بعد تعاون طيران التحالف الدولي مع قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق سوريا وتعاون التحالف مع القدرات النامية للجيش العراقي تم دحر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، ولم يعد لديه أية مدينة او قرية تشكل له ملاذاً آمناً. وكانت العملية الأخيرة للقوات الأميركية العام الماضي باجتثاث رأس التنظيم في ملجأ له في الشمال السوري بالقرب من الحدود التركية كافية للقضاء على المخاطر التي كونها التنظيم في العراق وسوريا.

في لبنان نشط التنظيم في العام 2016 على أنقاض جبهة النصرة المنكفئة عن حدوده، وخطط للقيام بعمليات نوعية، وفقَ معلومات مستقاة من تحقيقات مع موقوفين، فإنّ «داعش» أرادت شنَّ هجمات انتحارية كبرى على كازينو لبنان وخططت لاستهداف الضاحية الجنوبية بتفجير انتحاري كبير بزِنة ٣ طن من المتفجّرات لإحداث تدمير هائل وسط منطقة شعبية، وتوقُّع أن يترك ذلك تأثيراً بالغاً على بنية الحزب الاجتماعية وعلى قيادته السياسية. وبفضل اليقظة والتقنيات الحديثة تمكنت اجهزة المخابرات والمعلومات من كشف المخطط قبل وقوعه. ويمكن القول إنّ عام ٢٠١٦ كان عامَ فشلِ «داعش» في لبنان، وأيضاً عام انكفاءِ «النصرة» عن ساحته.

 في العام 2017 القت شعبة المعلومات القبض على خلية في البقاع الغربي تقوم بالترويج للتنظيم عبر شبكة الانترنت عن طريق انشاء العديد من المجموعات الجهادية على وسائل التواصل الاجتماعي، والاشراف عليها، تضمنت نشر اخبار اعلامية عن نشاط التنظيم، وفتاوى شرعية وجهادية، وتبين أن رأس الخلية يتمتع بخبرة دينية شرعية وعلى تواصل دائم مع قيادة داعش، ويتلقى منها تعليمات بكيفية صناعة المتفجرات واستخدامها..

بعد نجاح الجيش اللبناني في إبعاد الإرهابيين الى الداخل السوري في عمليته العسكرية ” فجر الجرود” لم يعد لداعش ولا للنصرة من ملاذ في لبنان.

أهداف التوظيف السياسي المحلي

إن كثرة الكلام اليوم عن عودة داعش لم يكن فقط فورة اعلامية، ولكن ما يلفت النظر إليه هو التوظيف السياسي المحلي لها التنظيم. فالثورة الشعبية التي لم تهدأ منذ 17 تشرين ترفع شعار محاسبة فريق السلطة على أرفع المستويات، وقد جاء انفجار المرفأ وانعدام الثقة بالتحقيق المحلي لدى معظم اللبنانيين، فكن من البديهي توجيه الأنظار الى مكان آخر، الى الجسم “اللبيس” داعش.

كان تدخل الجيش في الوقت المناسب العروة الوثقى لدى كافة المواطنين. وبانتظار توقيف باقي أفراد المجموعة والتحقيق معهم لبيان ما اذا كان الحادث قد طوّق بفضل السرعة في التحرك والشدة في استعمال القوى، وما لم يتمادى التوظيف السياسي لهذه العملية – بإيجاد “راجح” وتصويره عدواً داهماً يحيد النظر عن أزمات يتحمل مسؤوليتها افريق المتحكم بالسلطة في لبنان، لن يكون بمقدور هذا التنظيم الإرهابي – من الناحية الأمنية البحتة – من التحرك في أي مكان في لبنان.

داعش والتوظيف السياسي الإقليمي

ولكن، وضمن التوظيف السياسي الإقليمي، فإذا تعمقنا في البحث نجد أن السوق التركية كانت من اهم المصادر اللوجيستية وحتى البشرية الغربية التي يتزود منها داعش إمكانياته وأسباب صموده. فبالإضافة الى استقدام الإرهابيين الى مطارات تركيا ومنها الى الداخل السوري، وسيطرة قوات اسلامية متشددة في منطقة إدلب بحماية تركية، والإستمثار التركي بأولائك الجهاديين السوريين في اقتال الى جانب فريق اسلامي في ليبيا، ومن بعد ليبيا في أذربيجان والصومال، فإن الساحة اللبنانية تمثل بيئة قابلة لتعزيز النفوذ التركي لا سيما في ظل التنافس التركي الفرنسي على ساحل المتوسط الشرقي والذي ظهر للعيان بعد انفجار مرفأ بيروت.

في تقرير حديث لمؤسسة كارنيغي يقول (على صفحة “ديوان”): “لاتزال استثمارات تركيا في لبنان تتواصل على قدم وساق وتتمدّد في أوساط الطائفة السنية. إذ سيتم افتتاح مستشفى تركي في مدينة صيدا، ناهيك عن زيادة المنح الجامعية للطلاب اللبنانيين، ما يجعل تركيا من الدول الأساسية التي تمنح مساعدات في مجال التعليم العالي للبنانيين. وحتى الآن، امتنعت تركيا عن دعم حزب سياسي بعينه، مثل الجماعة الإسلامية التي تُعتبر النسخة اللبنانية من الإخوان المسلمين. ويُعزى ذلك إلى أنها تهدف ربما إلى الابتعاد عن السياسات الحزبية والاحتفاظ بالدعم الشعبي الذي تحظى به في أوساط شريحة واسعة من المجتمع السنّي. في الواقع، يمتّد نفوذ تركيا وقاعدة دعم أردوغان ليطال الأكراد والعرب الذين هاجروا من تركيا وحصلوا على الجنسية اللبنانية في تسعينيات القرن الماضي، علماً بأن بعضاً من هذه المجموعات احتفظ بصلة قوية بتركيا”.

فهل يتطور التنافس الفرنسي التركي الى صدام قد يكون الإسلام المتشدد نواته التركية في لبنان من البوابة الشمالية؟. ولا تبدو طهران بعيدة عن ذلك الإستثمار، فقد كان ملفتاً، منذ أسبوع، حضور السيد اسماعيل هنية مسؤول حماس في غزة الى لبنان واستقباله من قبل قيادة حزب الله، في الوقت الذي كانت حماس وما تزال في سوريا في الخانة التركية في قتال الجماعات الإسلامية ضد النظام وحلفائه الإيرانيين. فهل يرتسم في الأفق تعاوناً تركيا إيرانياً – بعد القمة الرئاسية التي عقدت الأسبوع الماضي عن بعد – في اعادة الإستثمار في تنظيم داعش في لبنان خدمة لأهداف إقليمية مشتركة؟

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate