2021-06-16

كيف تستطيع جيوش دول مجلس التعاون الخليجي المساهمة في التصدي لوباء كوفيد-19 والتعافي من آثاره

هارون شيخ، الشريك، وأليساندرو بورجونيا، المستشار التنفيذي الأول، وسيردار تركمِن، المدير الأول في ستراتيجي& الشرق الأوسط (التابعة لشبكة بي دبليو سي).

فيما ترزح البنى التحتيةُ الحكوميةُ حول العالم تحت وطأة الضغوط الهائلة الناتجة عن تفشي وباء كورونا المستجد (كوفيد-19). وعلى الرغم من الخطط الطارئة والموارد العاجلة التي قامت الحكومات بتخصيصها للتعامل مع تداعيات هذه الجائحة، تبذلُ الحكومات جهودًا مضنيةً لتلبية الطلب على خدمات الرعاية الطبية والخدمات الضرورية الأخرى مع تعرض سلاسل التوريد العالمية للضغط المتواصل. ومع انحسار آثار هذه الجائحة في بعض الدول نتيجة إجراءات العزل والتباعد الاجتماعي الصارمة التي عمدت إليها، لايبدو أن الوباء يخفف من غلوائه في أنحاء أخرى من العالم، مما ينذر بحدوث موجة جديدة من الوباء، واحتمال استعار الأزمة الصحية والاقتصادية مجدداً خاصة في ظل فتح العديد من الدول لحدودها مجدداً أمام حركة المسافرين. وفي ظروف كهذه، لابد من حشد جميع الموارد المتاحة للتعامل مع هذه الأوضاع الطارئة.  وهنا تتعلق الآمال بمؤسسةٍ واحدةٍ تتمتع بقدرات استثنائية تؤهلها لمواجهة مثل هذه الأوضاع الصعبة ألا وهي المؤسسة العسكرية، والتي تستطيع من خلال اعتمادها لخطط الانتشار الملائمة ونماذج الحوكمة الواضحة تحقيق الاتساق بين القدرات المدنية والعسكرية والمساعدة في التصدي لهذه الجائحة والتعافي منها.

جديرٌ بالذكرِ أن معظم الحكومات لديها إجراءات معتمدة لإدارة حالات الطوارئ على غرار الكوارث الطبيعية أو الحوادث الكبرى أو الاضطرابات العنيفة. وفي هذه الحالة، يطلب خط المواجهة الأول (المتمثل في أجهزة الشرطة ومكافحة الحرائق والإسعاف) من خط المواجهة الثاني (المتمثل في الجيش) توفير القدرات المُتخصصة اللازمة للتعامل مع كل مرحلة من مراحل الطوارئ، والتي تتضمن مرحلة ”القيادة“ والمتمثلة في السيطرة والتنسيق المركزي، التي فرضت الكثير من التحديات خلال تفشي الوباء، والمرحلة الثانية المتمثلة في ”الاستجابة“ والتي تتضمن التطبيق الصارم للقواعد على غرار تحقيق التباعد الاجتماعي، والتي تعتبر تحديًا يصعُب على الأجهزة المدنية التعامل معه بمفردها. وتشمل المرحلة الثالثة المتمثلة في ”التعافي“ توفير الموارد الضرورية والتي تعني بالنسبة لمكافحة فيروس كوفيد-19 بشكل خاص وحدات العناية الفائقة، وأجهزة التنفس الصناعي، ومعدات الوقاية الشخصية، والتي غالبًا ما تفتقر الأنظمة المدنية إلى توافرها بالشكل الكافي.

لقد استعانت العديد من الدول حول العالم بالقدرات العسكرية من حين لآخر لمواجهة هذه الجائحة، إلا أن هناك بعض السلطات المدنية التي تمكنت حتى الآن من السيطرة على الوضع دون طلب المساعدة،  بينما تتبنى جهات مدنية أخرى منهجًا ”انتقائيًا“ للاستفادة من بعض القدرات العسكرية متخلية بذلك عن المرونة التي تتمتع بها الجيوش لتحقيق التنسيق والوعي الظرفي، وبالنسبة لبعض الحكومات الأخرى فمن الصعب للغاية تحقيق التنسيق بين الجهات المختلفة نظرًا لتباين نماذجها التشغيلية مثل الأجهزة المدنية (الشرطة ومكافحة الحرائق والإسعاف)، والوحدات شبه العسكرية (الحرس الوطني)، والجيوش (القوات البرية والبحرية والجوية).

أما في حالة دول مجلس التعاون الخليجي، فعلى الرغم من أن الهيئات المدنية المعنية قد تمكنت إلى حد ما من لجم حدة انتشار الفيروس – محققة نتائج متفاوتة من دولة إلى أخرى – مدفوعة بالدعم الحكومي الواسع الذي تلقته. فلا زال بإمكاننا القول أن المرحلة الأولى من الوباء لم تنته بشكل كامل حتى اليوم، وأن هناك الكثير مما يمكن عمله في هذا السياق. هذا بالضبط ما توفره الاستعانة بالمؤسسة العسكرية التي تستطيع توفير قدرات القيادة والسيطرة والتنظيم المُخصصة والمدعومة بإمكانيات الاتصال القوية، والمُصممة في الأصل للتعايش مع الضغوط الهائلة التي تفرضها العمليات القتالية، وذلك أسوة بالكثير من دول العالم التي لجأت إلى قواتها العسكرية لطلب الدعم في مواجهة هذه الجائحة. فعلى سبيل المثال، تُعد قوات الدفاع الأسترالية جزءاً من آلية التنسيق الوطنية التي توفر الوعي الظرفي لتوجيه عملية صنع القرار أثناء الأزمات. وفي سنغافورة، يستعين الجيش بأنظمة المراقبة والاستطلاع للمساعدة في تطبيق الحجر الصحي وتتبع المخالطين.

إضافةً لذلك، تستطيع جيوش دول مجلس التعاون الخليجي المساعدة في المرحلة الثانية من خلال تطبيق القواعد اللازمة نظرًا لقدرتها على نشر عناصر فعالة بأعداد وفيرة ووتيرة سريعة. فعلى سبيل المثال استعانت إسبانيا بقوات مشاة البحرية لدعم قوات الحرس المدني لضمان التزام المواطنين بالحجر الصحي. كما استعان الجيش الإسباني بقدراته المخصصة للحرب الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية إلى جانب الطائرات الـمُسيَّرة لرش المطهرات بفعالية وعلى مناطق واسعة.

وبالنظر إلى البُعد الدولي لجائحة كوفيد- 19، يُمكن للجيوش الخليجية أيضًا المساعدة في مرحلة الاستجابة الثانية من خلال دعم جهود التنسيق الدولي وإدارة سلسلة التوريد العالمية، مستفيدةً بذلك من خبراتها في إدارة سلاسل التوريد العالمية المعقدة المخصصة لاستيراد معداتها الرئيسية وقطع غيار آلياتها العسكرية من موردين أجانب، هذا إلى جانب الاستفادة من خبراتها في العمل ضمن أطر الدفاع الإقليمية والدولية مع العديد من شركاء التحالف، مثل دول الناتو، وبعثات الأمم المتحدة، والبعثات الاستطلاعية الدولية.

وتستطيع الجيوش الخليجية المساعدة في المرحلة الثالثة من خلال توفير القدرات الإنشائية السريعة، بالإضافة إلى دعم الإمكانيات الطبية في بعض الحالات. فعلى سبيل المثال، قامت الجيوش البريطانية والأميركية بتوفير أو بناء منشآت طبية إضافية بسرعة كبيرة لاستخدامها في حالة الحاجة إلى منشآت إضافية. وفي المملكة المتحدة، قام الجيش أيضًا بتوفير خدمات النقل والتوصيل. وبمقدور الجيوش كذلك إعادة توجيه التقنيات لاستخدامها في أغراض مدنية. فقبل الأزمة، شاركت شركة ST Engineering، الشركة الرائدة في صناعات الدفاع الوطنية في سنغافورة، في تصميم وتنفيذ مركز قيادة عمليات المستشفيات.

وبغية تعزيز الفعالية وسرعة الاستجابة على النطاق الإقليمي، تحتاج المؤسسات العسكرية في دول مجلس التعاون الخليجي إلى رفع مستوى التنسيق فيما بينها ودمج قدراتها في الخطط الوطنية للطوارئ كجزء من نموذج الحوكمة المناسب لتكون جاهزة لحالات الطوارئ المستقبلية.

ويتطلب نموذج الحوكمة من الحكومات تطوير وتنفيذ المبادئ والإجراءات، وتعزيز التكامل بين الأجهزة المدنية والعسكرية لتمكين الجاهزية المدنية والعسكرية. وقد استفادت أستراليا وسنغافورة، على سبيل المثال، من الحوادث السابقة لتقنين استراتيجية الطوارئ ونماذج الحوكمة. ويُمكن لحكومات دول مجلس التعاون توجيه الأولوية لصياغة هذه النماذج وصقلها.

وفي إطار الاستعداد لحلات الطوارئ، ينبغي تحديد المجالات العسكرية التي تحتاج إلى تحسين مستمر للمهارات، علمًا بأن جودة التدريب لا تُقاس إلا بجودة النتائج العملياتية التي يُحققها، وهو ما يعني ضرورة استخلاص الدروس المستفادة من جهود التصدي للوباء وتطبيقها على خطط الاستجابة المستقبلية.

ومن المهم للغاية أن يغطي نموذج الحوكمة منهج مشاركة القدرات العسكرية الأخرى في جهود التعافي بعد انتهاء حالة الطوارئ. ومن المجالات الواعدة لصناعات الدفاع المتنامية في دول مجلس التعاون الخليجي إنتاج السلع الأساسية محلياً. ففي المملكة المتحدة، على سبيل المثال، أتاح صندوق تسريع الأعمال الأمنية والدفاعية مليون جنيه إسترليني لتسريع الأفكار المبتكرة لمساعدة تصدي الجيش للوباء. وفي الولايات المتحدة، يقوم الجيش بإنتاج معدات الوقاية الشخصية بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد للعاملين في مجال الرعاية الصحية.

تستطيع المؤسسات العسكرية في دول مجلس التعاون الخليجي، من خلال التنسيق المتواصل والإدارة الفعالة على مختلف المستويات، أن تكون جزءاً لا يتجزأ من جهود التصدي لفيروس كوفيد-19 والتعافي من آثاره إضافةً إلى دعم السلطات المدنية ومساعدة أوطانها على تحقيق التعافي الكامل.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.