التطبيع بين إسرائيل والإمارات يسلك منحى سريعاً، لكن العملية لا تزال هشة

مقاتلة أف-35
طائرة مقاتلة طراز أف-35 تُحلّق فوق البيت الأبيض في 12 يونيو 2019 في واشنطن العاصمة (AFP)

رياض قهوجي – مدير عام الأمن والدفاع العربي

تخطو الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل خطوات أكبر وأسرع في تطبيع العلاقات مما توقعه الكثيرون، وإن حجم التقدم يُقزّم بالفعل حجم التطبيع المحدود الذي تم التوصل إليه بين مصر وإسرائيل – على الرغم من توقيعهما على معاهدة السلام في عام 1979.

بمجرد التصديق على الاتفاقية الإماراتية الإسرائيلية، شرعت الدولتان في خطوات تنفيذية سريعة تضمنت خطوات رئيسة مثل رفع متطلبات تأشيرة الدخول على مواطني كلا البلدين، تسيير رحلات تجارية منتظمة بين البلدين وإنشاء صندوق استثمار مشترك. حتى أن هناك تقارير تحدّثت عن خطط لطريق سريع ومسار قطار يربط بين البلدين وخط أنابيب نفط من الإمارات العربية المتحدة إلى إسرائيل.

ومع ذلك، يّحذّر الخبراء من أن هذه العملية برمتها يمكن أن تنحرف عن مسارها بسرعة إذا أدت سياسات المنافسة الحزبية الإسرائيلية إلى محاولات التعدي على سيادة الإمارات أو عرقلة بيع طائرات حربية من طراز أف-35 للإمارات العربية المتحدة.

وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة وقّعت معاهدة السلام مع إسرائيل في 15 أيلول/سبتمبر الماضي، وبالتالي تقود الطريق في عملية توسطت فيها الولايات المتحدة تُعرف باسم اتفاقيات أبراهام، والتي شهدت حتى الآن انضمام دولة عربية أخرى، البحرين، والتزام دولة أخرى، هي السودان، بتوقيع اتفاقية سلام تطبيع مع إسرائيل.

لا يفاجأ معظم الخبراء المصريين بالحجم الكبير للتطبيع من قبل الإمارات وإسرائيل ويعزون ذلك إلى عدة عوامل. وقال جمال سلطان، زميل بارز في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بالقاهرة إن “إسرائيل خاضت ثلاث حروب مع مصر واحتلت جزءًا من أرضها، في حين لم تخوض أي حروب مع الإمارات أو دول الخليج العربية الأخرى”، مضيفاً أن “الحكومة المصرية كانت مهتمة آنذاك بشكل أساسي بتحرير أراضيها وإنهاء حالة الحرب مع إسرائيل، لكنها لم تسعى إلى تطبيع العلاقات لأن مجموعات المجتمع المدني كانت تعارض ذلك.”

وأشار سلطان إلى أن هناك إجراءات من جانب الحكومات الإسرائيلية أدت إلى زيادة عرقلة جهود التطبيع، لا سيما رفض إسرائيل الانسحاب من طابا ومستوطنتين أخريين في سيناء، مما أدى إلى سعي الطرفين إلى تحكيم دولي حُكم لصالح مصر وإنهاء الاحتلال. وأضاف أن “المحاولة الإسرائيلية للاحتفاظ بالأراضي المصرية عززت الشعور بعدم الثقة وقضت على فرص التطبيع على المستوى الشعبي.”

الوضع مختلف في الإمارات. تُعد الدولة الخليجية مركزًا عالميًا للأعمال التجارية الدولية موطنًا لعشرة ملايين مغترب من جميع أنحاء العالم، وتستقبل ملايين السياح ورجال الأعمال من جميع الأعراق والانتماءات الدينية كل عام. يوجد بها مساجد وكنائس ومعابد يهودية ومعابد للأديان الأخرى. بالتالي، إن رؤية اليهود الإسرائيليين لن يشكل صدمة للمجتمع.

من جهته، يرى الدكتور عبد الخالق عبد الله، أستاذ العلوم السياسية في الإمارات العربية المتحدة، أن الإمارات هي بوتقة تنصهر فيها العديد من الثقافات، وقد اتخذت خطوات حقيقية نحو التطبيع على المستويين العام والخاص. “لكن على الإسرائيليين أن يدركوا أن الإمارات لن تتهاون في أي محاولات تجسس على أراضيها ولن تقبل تحركات لعرقلة صفقة أف-35”.

وكان عبد الله يشير إلى اغتيال مسؤول حركة حماس محمود المبحوح على يد عملاء الموساد في دبي عام 2010. وقال مصدر مسؤول إماراتي طلب عدم الكشف عن اسمه إن التطبيع الإماراتي الإسرائيلي كان من الممكن أن يحدث قبل ذلك بكثير لولا هذا الاغتيال.

وأضاف عبدالله: “إذا حاولت إسرائيل في المستقبل، بشكل مباشر أو غير مباشر، من خلال لوبيها القوي في الولايات المتحدة نسف صفقة أف-35، فمن المرجح جدًا أن ترد الإمارات بشكل سلبي بطريقة تعيق عملية التطبيع.” وفتحت الإمارات الباب أمام اتفاقات إبراهيم، وأي انتكاسة من جانبها ستؤثر على الأرجح على مسارات التطبيع في دول أخرى.

وقدّمت الإمارات العربية المتحدة بالفعل طلبًا رسميًا إلى الحكومة الأميركية لشراء 24 مقاتلة شبح من طراز أف-35 من الجيل الخامس. لقد بدت إدارة ترامب موافقة مبدئياً على الصفقة، لكن لا يزال يتعيّن عليها الحصول على موافقات من العديد من دوائر الحكومة الأميركية، بما في ذلك الكونغرس. وتتوقّع مصادر إماراتية أن تسرع الإدارة في العملية للحصول على موافقة مجلس الشيوخ قبل نهاية العام.

بعد أن أبدت وسائل الإعلام والمسؤولون الإسرائيليون مشاعر متضاربة بشأن صفقة المقاتلات، خرجت الحكومة لاحقًا للتعبير عن “عدم ممانعة”. وصرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وشريكه في التحالف، وزير الدفاع بيني غانتس، في 23 تشرين الأول/أكتوبر أن إسرائيل لن تعارض بيع الولايات المتحدة “أنظمة أسلحة محددة” إلى الإمارات العربية المتحدة، في إشارة واضحة إلى مقاتلات أف-35.

ومع ذلك، فقد أعاد المسؤولون الأميركيون والإسرائيليون التأكيد على الحاجة إلى الحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط. وكانت إسرائيل حتى الآن الدولة الشرق أوسطية الوحيدة التي تشغل هذا النوع من الطائرات وعندما تتم الموافقة على طلب الإمارات، ستكون أول دولة عربية تحصل على الطائرة الحربية المتقدمة.

تشترك إسرائيل والإمارات في تصور مشترك لإيران باعتبارها تهديدًا أمنيًا كبيرًا لهما وللمنطقة. من المرجح أن تعزز معاهدة السلام مستوى التعاون الأمني والتعاون الصناعي الدفاعي بين البلدين.

ونصح عبد الله قائلاً: “من المهم جدًا للمسؤولين الإسرائيليين عدم جعل الإمارات العربية المتحدة موضوع حملاتهم السياسية الداخلية، وهدف الدعاية الشعبوية لكسب الأصوات في أي انتخابات، لأن هذا بالتأكيد سيُقوّض الثقة وعملية التطبيع برمتها. إن التعلّم من أخطاء الماضي أمر بالغ الأهمية لنجاح واستمرارية عملية اتفاقيات أبراهام التي لديها القدرة على تغيير المشهد الجيوسياسي للمنطقة.”

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate