القدرات العسكرية الصينية على طريق الريادة العالمية – الجزء الأول – 1

العميد م. ناجي ملاعب*

الجيش الصيني
الجيش الصيني

في المجال الدفاعي، أصبحت الصين في المركز الثاني عالمياً من حيث الإنفاق العسكري، وباتت تحتل المركز الثاني، كذلك، على قائمة الدول المنتجة للأسلحة، بعد الولايات المتحدة ومتقدمة بذلك على روسيا، حيث حققت أربع شركات أسلحة صينية، على الأقل، مبيعات كافية لتصنيفها بين أكبر 20 بائع للأسلحة في العالم، وذلك بعد أن كانت قبل عشرة أعوام تعتمد على استيراد الأسلحة، وتتراوح قيمة مبيعات الأسلحة الصينية بين 70 و80 مليار دولار سنويا، وهي تذهب بغالبيتها إلى مختلف قطع جيش التحرير الشعبي الصيني.

جانب من جناح شركة صناعة الطيران الصينية (أفيك) في المعرض الصين الدولي للطيران

وحققت الشركات الأربعة، بما فيها أكبر شركة لصناعة الطائرات في الصين “شركة صناعة الطيران الصينية” (أفيك)، مبيعات بقيمة 54,1 مليار دولار في عام 2017. واحتلت شركة أفيك وحدها المركز السادس بين بائعي الأسلحة في العالم، حيث وصلت مبيعاتها من الأسلحة في عام 2017 إلى 20,1 مليار دولار. فيما احتلت شركة لوكهيد مارتن الأمريكية في ذلك العام المركز الأول، كأكبر بائع للأسلحة في العالم حيث بلغت مبيعاتها نحو 43,9 مليار دولار. ويصعب الحصول على بيانات دقيقة عن صناعة الأسلحة في الصين. ويحذر تقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري) من أن التكتم الذي يحيط بـ”أرقام مبيعات الأسلحة للشركات الصينية لا يزال عائقا أمام الفهم الشامل” لقطاع صناعة الأسلحة في البلاد.

لن نخوض في هذا البحث في المقاربة الإقتصادية أو السياسية للعملاق الصيني وسنحاول فقط التوسع – في الجزء الأول منه – في الميدان العسكري بما توفره المعلومات عن أسلحة الجو والبر ( في فصل اول) والإهتمام الهادف بإحداث قفزة نوعية في أسلحة البحرية الصينية (الفصل الثاني) وسنخوض في الجزء الثاني من البحث في طريق الريادة العالمية التي تصبو اليها القيادة الصينية ونحاول في الفصل الأخير الإضاءة على القلق الغربي عموما والأميركي خصوصاً لنجيب على التساؤل هل يتسبب الصعود القوي للعملاق الصيني باحتمال تصادم القوتين.

الجزء الأول – 1

تمهيد

لا يقتصر التطوّر الصيني، إذاً، على الجوانب الاقتصادية والتكنولوجية فحسب، بل إنه يمتدّ، كما يليق بأي دولة تريد المنافسة على الزعامة العالمية، إلى النواحي العسكرية. وفي هذا المضمار، لم تكتفِ الصين بتصنيع عتاد عسكريّ وفق المعايير التي وضعها العالم الغربي، بل إنّها وضعت لنفسها ولغيرها أصنافا ومعايير جديدة في التصنيع العسكري.

ولمقاربة هذا الواقع بشكل مفصل، وفي ظل ندرة المعلومات العسكرية الممكن الحصول عليها من الشركات أو المؤسسات العسكرية الصينية، سوف نستعين بالتقرير الشامل من مجلة “الدبلومات”، الذي أعده الكاتب في شؤون التسلّح العسكريّ الصيني “ريك جو” (اسم مستعار – والإستنتاج لمترجم التقرير) بالدخول الى دهاليز أبرز التغييرات التي أدخلتها الصين، لا على العتاد العسكري فحسب، بل أيضا على العقيدة العسكرية والتصنيفات والرُّتب.

يعرض التقرير أبرز التحسينات التي أُدخلت على الصناعة العسكرية الصينية والجيش الصينيّ خلال الفترة التي تلت عام 2010، وحتى بداية العام الحالي 2020 ويعالج بصورة غير تفصيلية: القوات الجوية الصينيّة  (PLAAF)، الجيش الصيني بقوّاته البريّة (PLAA/GF)  إلى جانب الميادين التنظيمية والمؤسسية،

أولاً – القوات الجوية

أ – تشينغدو (J – 20 ) وبداية مقاتلات الشبح

كان تطور القوات الجوية الصينية الأكثر ظهورا في عناوين الصحف هو ذلك المتعلق بمقاتلة الشبح (J-20)، وظهر النموذج الأوّلي من تلك المقاتلة في أواخر عام 2010 وقامت بجولتها الأولى مطلع عام 2011. ومنذ ذلك الحين، أتمّت مراحل التطور الرئيسية لتستقر في النهاية عند شكلها الحالي وتصبح قيد الخدمة العسكرية برفقة الوحدات المقاتلة عام 2018.

اعتبارا من أواخر عام 2019، قد يكون من السهل النظر إلى مئات من مقاتلات (J-10) ومقاتلات نوعيّة “فلانكر” أو المجنّحات في خدمة الجيش الصيني والافتراض أنّ الأمور دائما ما كانت على هذا النحو. لكن منذ بداية العقد 2010، بدأت طائرات الجيل الرابع من أصناف (J-10) و(J-10A)  و(J-11B)  ومقاتلات (Su-27) و(Su-30)  التي تزوّدت بها الصين من الجيش الروسي تُشكِّل جزءا أصغر بكثير من إجمالي الأسطول الجوي المقاتل للجيش الصيني. آنذاك، كانت هناك نحو 400 مقاتلة جويّة فقط قيد الخدمة، ويمكن القول إن نصف هذه المقاتلات إلى ثلثيْها كانت جاهزة للمعركة وتمتلك قدرات “تجاوُز المدى البصري” (BVR).

بطبيعة الحال، فإن إدخال مقاتلة من الجيل الخامس، وقيام الجيش الصيني بإرسال أولى مقاتلاته من طراز الشبح، يُسجّل قطع شوط هائل في القدرات العسكرية المادية والتقدم الصناعي العسكري كذلك.

مقاتلة تشينغدو “J-20” الصينية

ب – الأسطول الجوي الثاني أو الثالث في العالم

لقد شهد العقد 2010 إنتاجا وفيرا من أصناف (J-10A) و(J-11B)، تبعه انتقال محدود إلى أصناف (J-10B/C) و(J-16)  من “الجيل الرابع + ” المحسَّنة التي قدَّمت إلكترونيّات طيران أكثر عصريّة وأسلحة محسنة بشكل إضافي تمتلك ميزة “تجاوز المدى البصري”. وشهد حجم الإنتاج أيضا ازدياد الأسطول الجوي حتى 900 إلى 1000 مقاتلة جويّة من طرازَيْ الجيل الرابع والجيل الرابع بلس، فيما يعتبر تقدما متواضعا، حيث يمكن اعتبار أن أكثر من نصف أسطول المقاتلات الجويّة من الجيل الرابع فأعلى.

وحجم هذا التغيير يحوّل الأسطول الجوي الحديث للجيش الصيني، إذا ما اقتصرناه على مقاتلات الجيل الرابع فأعلى، ليصبح ثاني أو ثالث أكبر أسطول جوي في العالم بعدد من المعايير، ويصبح الأضخم آسيويا بلا شك. كما أن حجم الأسطول الجوي من مقاتلات الجيل الرابع والجيل الرابع + يعني أيضا أن قدرة “تجاوز المدى البصري”، التي كانت فيما مضى سلعة أقرب للندرة، هي الآن قدرة مألوفة في الطيران المقاتل الصيني. وبطبيعة الحال، يعتبر جيش التحرير الشعبي من أجرأ الجيوش فيما يتعلق بتكنولوجيا أسلحة “تجاوز المدى البصري” بأنظمة مثل (PL-15) و(PL-X).

بزرت إشارات عديدة تظهر دخول الصين في مشروع تطوير قاذفة استراتيجية، تبدو نسخة طبق الأصل عن القاذفتين الأميركيتين بي 2 سبيريت وبي 21، وربما تستخدم في ضرب أو تهديد مصالح أميركية.

وقال موقع “ناشونال إنترست” الأميركي، إن الجيش الصيني  يطور حاليا طرازين من القاذفات الإستراتيجية واحد منها يشبه في مجسمه القاذفة الأميركية “بي 2 سبيريت”، وذلك وفقا إلى تقرير أصدرته وكالة استخبارات الدفاع الأميركية.

وأضاف الموقع أن تفاصيل متزايدة بدأت تظهر بشأن القاذفة الصينية “جي إتش إكس إكس” مثل أنها تطير لمسافات بعيدة فضلا امتلاكها أسلحة داخلية وليس مثل بقية المقاتلات التي تضع الصواريخ خارج جسمها، إلى جانب أجهزة تقنية مضادة للرادارات وأخرى للاستشعار عن بعد.

وتعتبر المخابرات الأميركية هذه الطائرة الحربية نظير القاذفة الأميركية “بي 2 سبيريت”، وتعتقد أن الطائرة الحربية لا تزال في مرحلة التصنيع.

ج – الطائرات بدون طيار (UAV)

شهدت الطائرات بدون طيار العسكرية الصينية تقدُّما ملحوظا على جبهتين خلال فترة العقد 2010. أولا، شهدت هذه الفترة تطور التكنولوجيا المحليّة من هذه الطائرات، بما فيها أنظمة “ميل” للتحليق متوسط الارتفاع للمسافات الطويلة، وأنظمة “هيل” للتحليق عالي الارتفاع للمسافات الطويلة، ويتضمن النموذج الأول عددا من الطائرات بدون طيار ذات المحركات المروحية لأغراض المراقبة وتنفيذ الاغتيالات، في حين أن النموذج الثاني مخصص للمراقبة والاستطلاع حصرا. وأُدخلت كلتا النوعيتين إلى الخدمة في الجيش الصيني، بالأخص في النصف الثاني من العقد، على شكل طراز (GJ-1) و(GJ-2)  متبوعة بأصناف (WZ-7).

طائرة مسيرة من طراز “WZ-7”

وكان اختبار وتطوير المزيد من الطائرات بدون طيّار التي تستخدم تقنيّة التخفي ومقاتلات الشبح الجويّة غير المأهولة، لا سيما طراز (GJ-11) الذي يُعرف أيضا باسم السيف البتّار، لا يزال جاريا خلال النصف الثاني من العقد. وقد سعت دول أخرى رائدة في مجال الفضاء الجوي خلف مشاريع مماثلة في أثناء ذلك، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وأوروبا وروسيا، لكن حضور (GJ-11) في احتفالية ذكرى الاستقلال عام 2019 مؤشر إلى أنها قد تكون أول مقاتلة جوية غير مأهولة من هذا النوع تدخل حيّز الخدمة بشكل من الأشكال. 

نجد المجال الآخر من التطور على جبهة الطائرات بدون طيار في نجاح الصادرات الصينية من هذا المنتج في سوق السلاح الدولي، حيث وجد عدد من الطائرات بدون طيار الصينية مثل (وينغ لونغ -1) و(وينغ لونغ -2)، وهُما النموذج الأصل لنسختَيْ (GJ-1) و(GJ-2)  في الجيش الصيني، زبائن متحمّسين في الشرق الأوسط وأفريقيا وأجزاء من أوروبا الشرقية. وهذا الحضور المتزايد للطائرات بدون طيار الصينية في سوق السلاح الدولي قد وُثِّق على نحو جيد سابقا، وبالتالي فلن نخوض به كثيرا هنا، لكن من الجدير القول إن هذا التطوّر كان مستبعدا بدرجة كبيرة في بداية العقد.

ثانياً – القوات البرية والتنظيم داخل جيش التحرير الشعبي

أ – تحديث حثيث للجيش

تمتعت القوات البريّة بتطوّرات أقل مقارنة بالأفرُع الأخرى للجيش، حيث وضعت التحديات الإستراتيجية للجيش الحديث أهمية أكبر للحرب الجوية والبحرية والصواريخ، وبالتبعية كان لا بد من أن تُهيَّأ الموارد المحدودة باتجاه أكثر المتطلبات إلحاحا أولا. هذا لا يعني أن القوات البريّة لم تشهد تطورات على صعيد التكنولوجيا والأنظمة، بما أن هناك عددا من مدرعات المعارك الجديدة، وأنظمة الصواريخ الموجّهة، ومركبات المشاة القتالية، وأنظمة المدفعيات، والأنظمة الفرعية الخاصة بالأسلحة المشتركة والمعركة الإلكترونيّة البريّة إلى جانب جهود الإدماج والتكامل التي تجعل القوات البرية لجيش التحرير الشعبي في أواخر عام 2019 مختلفة جدا عن تلك التي كانت عام 2010. 

مع ذلك، لا يمكننا أن ننكر أن حجم التغيير الذي طال هذه القوات في العقد 2010 كان أقل مما تمتعت به القوتان الجوية والبحرية. وبالتالي يعتبر التحديث الحثيث المدروس للقوات البرية تحديثا أهم من حيث أنه كان أسرع تحديث مرّ به فرع من أفرع جيش التحرير الشعبي.

ب – اصلاحات عام 2015 

عام 2015 أُعلِن عن إعادة تنظيم مؤسسيّة واسعة النطاق داخل الجيش الصيني كله. هذا الإصلاح عيَّن للقوات البريّة لجيش التحرير الشعبي خدمة مكافئة للقوات البحرية والجوية، في حين ترقّت فرق المدفعية الثانية لتصبح خدمة مكتفية بذاتها تحت اسم “قوة صواريخ الجيش الصيني”. كما أن هذا الإصلاح قد غيّر “المناطق العسكرية” السبع للجيش الصيني لتصبح خمسا تتألف من قوّات مسارح العمليّات التي تعمل تحت بنية قيادية مختلفة، وهو ما سيؤدي إلى إنتاج قوة ذات استعداد وقدرة أكبر على أداء المهام المشتركة أيضا.

لقد أُعيدت هيكلة سلسلة القيادة لجيش التحرير الشعبي بشكل تام، من خلال “لجنة عسكرية مركزية” تحظى اليوم بسلسلة قيادة إدارية واضحة إلى جانب سلسلة قيادة عمليات واضحة أيضا ضمن خدماتها. وفُكِّكت الأقسام العامة القديمة المتضخمة داخل الجيش وإعادة تنظيمها. وأُعلِن عن خفض في قوة المشاة بمقدار 300.000 مجند، يقال إنهم جاؤوا في المعظم من القوات البرية إلى جانب قوات سياسية وأجهزة دعم غير قتاليّة.

غني عن القول إن إصلاحا بهذا الحجم لا توفّيه حقّه بضع فقرات، لكنها، على الأرجح، كانت كفيلة بإيصال أهم التغييرات والتطورات من بين كل التطوّرات التي جئنا على ذكرها في هذا المقال.



Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate