لبنان وعواقب الرهان على الانتخابات الأميركية ضمن معادلة المصالح الإيرانية

رياض قهوجي

لبنان وعواقب الرهان على الانتخابات الأميركية ضمن معادلة المصالح الإيرانية

الجميع حول العالم ينتظرون نتائج الانتخابات الأميركية لمعرفة كيف يحددون خطواتهم التالية في مواضيع وشؤون عديدة تشغل الساحة الدولية. لكن في لبنان الموضوع يأخذ بعداً يتخطى شؤوناً دولية ليصل الى مستوى داخلي مصيري. فلقد بات واضحاً أن بعض القوى السياسية اللبنانية تنتظر نتائج هذه الانتخابات لتقرر كيف ستتعامل مع الأزمات الداخلية اللبنانية، بدءاً بتشكيل الحكومة. حتى أن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ذكر ذلك في مؤتمره الصحافي الأخير، وعليه مدد الفترة الزمنية لمبادرته لفترة أربعة الى ستة أسابيع، وهي الفترة المتبقية لإجراء الانتخابات الأميركية والمقررة في 3 تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل. ومع أن ماكرون وزع الملامة على الجميع في تعطيل مهمة تشكيل الحكومة اللبنانية، إلا أنه خص بالذكر “حزب الله”. 

الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون

يلاحظ المراقبون أن إيران وحلفاءها من مجموعات مسلحة في كل من سوريا والعراق ولبنان تتجنب خلال الأسابيع الماضية أي خطوات تصعيدية أو استفزازات من جانب إسرائيل أو أميركا، قد تجرّها الى حرب معهما. وتعتقد بعض الجهات الاستخبارية في الغرب أن هذه التهدئة تعود لمحاولة جادة من طهران لحرمان إدارة الرئيس ترامب أو الحكومة الإسرائيلية من أي فرص وحجج لتصعيد الوضع والدخول في مواجهة عسكرية كبيرة تعزز حظوظ ترامب الانتخابية التي تبدو في تراجع نظراً لسوء إدارة أزمة جائحة كورونا وعواقب ذلك السلبية على الاقتصاد الأميركي.

ولذلك، تتابع المصادر، لم يكن هناك أي ردود أفعال أو حتى اتهامات اعتيادية من جانب طهران “للشيطان الأكبر” ولا حتى “الأصغر” بعد حوادث التفجير والحرائق التي شهدتها مواقع استراتيجية عدة في إيران، ومنها منشأة نطنز النووية ومنشأة لتصنيع الصواريخ البالستية. كما أن حليف إيران الاستراتيجي في لبنان وسوريا، “حزب الله”، فهو يتجنب التعليق أو الرد على هجمات إسرائيلية ضد أهداف تابعة له في البلدين، ما يظهر تناغماً واضحاً مع الموقف الإيراني.

من غير المعروف حتى الآن كيف ستتعامل إيران مع الوضع إذا فاز ترامب أو منافسه الديموقراطي جو بايدن. لكن من الواضح أن طهران تراهن وتأمل أن يفوز بايدن الذي كان نائب الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي تقارب كثيراً مع إيران ووقع الاتفاق النووي الشهير معها عام 2015. وكان بايدن قد صرح بأنه ينوي إعادة إحياء الاتفاق النووي مع إيران الذي كان الرئيس ترامب قد انسحب منه عام 2018، وأعاد فرض العقوبات، وينفذ منذ حينها سياسة “الضغط الأقصى” ضد إيران لإجبارها على تقديم تنازلات تشمل، إضافة لبرنامجها النووي، برنامجها لتطوير الصواريخ الباليستية، ولتقوم بتغيير سياستها التوسعية في المنطقة. لكن هل سيستطيع بايدن العودة الى الاتفاق كما هو وكأن شيئاً لم يحصل خلال فترة إدارة ترامب؟ معظم المحللين الأميركين لا يعتقدون أن ذلك سيكون ممكناً، وسيتطلب وقتاً وجهداً كبيرين من فريق بايدن للوصول الى آلية لاستئناف العمل بالاتفاق، لكن بعد إدخال تعديلات. فعملية التطبيع مع إسرائيل التي فتحت الباب واسعاً أمام مرحلة جديدة في المنطقة، إضافة الى التطورات التي شهدتها وتشهدها الساحات اللبنانية والسورية والعراقية واليمنية، وبلوغ العقوبات الأميركية على طهران مرحلة متقدمة جداً ضمن قرارات إدارية، جميعها عوامل ستجعل طريق بايدن لإحياء العلاقات والاتفاق مع إيران صعبة ومليئة بالتحديات.

ماذا لو فاز ترامب؟

أما السؤال المهم: ماذا لو فاز ترامب؟ فيبدو أن خيارات طهران محدودة جداً في هذا الإطار، إذ  إنه سيكون من شبه المستحيل أن تصمد لأربع سنوات إضافية تحت عقوبات تتصاعد شهرياً، ما يستنزف جزءاً كبيراً من احتياط خزينتها بالعملة الصعبة بسبب انخفاض الواردات انخفاضاً كبيراً وغير مسبوق. كما أن ترامب سيكون مستعداً أكثر للدخول في مغامرة عسكرية ضد إيران، خصوصاً أنه لن يعود قلقاً على مصير أي انتخابات مقبلة، لأنه لن يكون مرشحاً، عملاً بالدستور الأميركي. لكن طهران ستستعد للدخول في مفاوضات مع إدارة ترامب تعلم أنها ستكون صعبة، وقد تضطرها لتقديم تنازلات كبيرة. وعليه، فهي ستعمد لتقوية أوراق التفاوض في يدها أو حتى زيادتها، مستغلة مناطق النفوذ التي تملكها في المنطقة وبمساعدة ميليشياتها الحليفة. كما أنها ستعمد الى رفع مخزونها من اليورانيوم المخصب كثيراً وتزيد من عدد أجهزة الطرد المركزي وتسرع تطوير صواريخها البالستية لتكون قادرة على الاحتفاظ ببعض المكتسبات المهمة، بعد أن تنهي عملية التفاوض والمقايضة مع الجانب الأميركي. من غير الواضح ماذا سيعني ذلك للدول التي تؤثر على أوضاعها ومنها لبنان، ولكن من الأكيد أن إيران ستبحث عن وسائل عديدة لتحافظ على وجود “حزب الله” مع دور فاعل له، على الأقل لبنانياً، إن لم يكن إقليمياً. وعليه، ستستمر التجاذبات على الساحة اللبنانية الى أن يكون هناك اتفاق بين واشنطن وطهران، وربما أطراف دولية وإقليمية أخرى مثل فرنسا والسعودية.

لكن ماذا لو حصل نزاع سياسي – دستوري في واشنطن نتيجة نتائج انتخابات متقاربة جداً قد يرفض ترامب الاعتراف بها إن لم تكن لمصلحته؟ هذا أمر وارد جداً، وبدأت وسائل الإعلام الأميركية تتحدث عنه، وحتى الرئيس ترامب تحدث عن هذه الإمكانية، وكل من الطرفين المتنافسين يحضّر فريقه القانوني ترقّباً لمواجهة دستورية في المحاكم لم تشهد أميركا مثيلاً لها في تاريخها. وقد يستغرق الأمر ما لا يقل عن شهرين كاملين لمعرفة نتيجة الانتخابات الأميركية، ما يعني أن من ينتظر نتيجتها سيضطر لأن يعلق قراراته وتحركاته الى أن تتضح الصورة. وفي دولة مثل لبنان حيث لا مكان لترف الوقت، والأوضاع المعيشية والاقتصادية شبه كارثية، واحتياط البنك المركزي قد شارف على نهايته، وانقسام القوى السياسية على أشده، ما يزيد تهديد الحرب الأهلية، فإن انتظار نتائج الانتخابات الأميركية هو مضيعة لوقت ثمين قد لا يمكن تعويضه. وعليه، فإن الساحة اللبنانية مقبلة على فترة مراوحة قد يطول وقتها أكثر مما يتوقع البعض، ما سيزيد من حجم الأخطار المحدقة بالبلد، وقد يدفع بباريس لسحب مبادرتها أو تجميدها، الأمر الذي قد يسرّع انهيار الوضع وانتشار الفوضى التي يخشاها الجميع. 

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate