هدوء ما قبل الانتخابات الأميركية… في دول نفوذ إيران

رياض قهوجي

قاعدة اميركية قصفها الحشد الشعبي في العراق
قاعدة اميركية قصفها الحشد الشعبي في العراق

تكثر التساؤلات عما إذا كان هناك شيء يجري في الكواليس بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، بخاصة مع التطورات الأخيرة التي شهدتها ساحات المواجهة، وتحديداً العراق وسوريا ولبنان. فبعد خطوات تصعيدية على مدى عامين، يبدو أن العاصفة هدأت هدوءاً ملحوظاً، مع استمرار صدور تصريحات متفرقة من هنا وهناك تشدّد على ثبات المواقف.وهناك تكهّنات أكثر منها معلومات تصدر عبر تقارير صحافية تتحدث عن صفقات ومحادثات سرية بين طهران وواشنطن. وهناك تحليلات تتحدث عن دور فرنسي خفف من حدة الاشتباك ويدفع باتجاه حلحلة الأمور. لكن قد تكون هذه المرحلة عبارة عن عملية تقطيع وقت للوصول الى ما بعد الانتخابات الأميركية في الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل ومعرفة نتائجها لتقرر طهران تحديداً كيف ستتعامل مع أميركا وحلفائها وملفات المنطقة. 

شهدت الساحتان العراقية واللبنانية تطوّرات متزامنة لا يمكن تجاهلها خلال الأسابيع القليلة الماضية. فقد أعلنت فصائل الحشد الشعبي المدعومة من إيران عن هدنة في عملياتها ضد القوات الأميركية  في العراق، بحجة فسح المجال لانسحاب هذه القوات من البلد. وترافق ذلك مع تسهيل عمل حكومة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، المقرّب من أميركا، والتي أعلنت خطتها للإصلاح المالي ومكافحة الفساد وإنعاش اقتصاد البلد النفطي بامتياز، والذي أوصلته سياسات الحكومات الفاشلة السابقة المدعومة إيرانياً لأن يصبح مفلساً ويستدين من الخارج ليدفع رواتب الموظفين. أما في لبنان، فقد شهدت الساحة تطوراً نوعياً تمثّل بموافقة “الثنائي الشيعي” (حركة أمل وحزب الله) على بدء المحادثات مع إسرائيل برعاية أميركية – أممية لترسيم الحدود البحرية بين الدولتين. كما تشهد الساحة حلحلة في الملف الحكومي تتمثّل بدعم تسمية الرئيس سعد الحريري مرشحاً وحيداً لتشكيل الحكومة. أما في سورية، فقد شهدت الساحة تراجعاً ملحوظاً في عدد الغارات الإسرائيلية على مواقع القوى التابعة لإيران هناك، نتيجة تراجع النشاطات العسكرية داخلها.

من غير المؤكد أن هناك محادثات سرية تجرى فعلاً بين واشنطن وطهران، ولكنّ هناك خفضاً لحدّة النزاع واضحاً بينهما عبر ما يسميه الدبلوماسيون “إجراءات رفع الثقة”، وهي عبارة عن خطوات يأخذها طرفا النزاع بهدف كسر الجليد بينهما وإظهار استعدادهما للتطرّق للأمور الخلافية الجدية بينهما.وتكون هذه الخطوات عادة إما عبر تبادل السجناء (أو أسرى) أو عبر فسح المجال للبدء بخطوات حلول لملفات عالقة، لكن من دون حسمها. فما جرى في العراق هو وقف للعمليات ضد القوات الأميركية من دون الإعلان عن إنهائها، كما أن خطة الحكومة العراقية يجب إقرارها في البرلمان العراقي حيث الكتل التابعة لإيران لها دور مهيمن. وفي لبنان، صحيح أن الاجتماعات بدأت مع الجانب الإسرائيلي، ولكنها لا تزال في بدايتها ويمكن رفع الغطاء عنها وإيقافها من قبل الثنائي الشيعي في أي وقت. كما أن تكليف الرئيس الحريري لا يعني تسهيل مهمته تشكيل الحكومة. وهناك تواصل وجهود يشارك فيها المدير العام للأمن العام اللبناني اللواء عباس إبراهيم تتعلق بسجناء أميركيين في سوريا وإيران يبدو أنها على نار حامية. وعليه، فإن ما تشهده ساحات المنطقة اليوم أشبه بهدنة وفسحة أمل مؤجلة نتائجها الى ما بعد الانتخابات الأميركية. وبرغم من أن المبادرة الفرنسية أحدثت أصداءً كبيرة على الساحة اللبنانية ونالت دعم جميع الفرقاء، إلا أنها تشهد عوائق على مفترق طرق يبدو أن هدفها التشويش من أجل التأخير من دون التعطيل، وكأن من يحرك هؤلاء الأطراف ينتظر شيئاً ما، وعلى الأرجح أن يكون أيضاً نتائج الانتخابات الأميركية.

تحاول فرنسا منذ عامين التقريب بين إدارة الرئيس دونالد ترامب والقادة الإيرانيين لكن من دون نتيجة. وفرنسا هي أكثر الدول معارضة للضغوط الأميركية – الإسرائيلية لإجبار الدول الأوروبية والاتحاد الأوروبي على تصنيف “حزب الله”، بشقيه العسكري والسياسي، على أنه تنظيم إرهابي. من الطبيعي أن تأمل باريس فوز خصم ترامب، المرشح الديموقراطي جو بايدن الذي أعلن صراحة عن نيته إعادة إحياء الاتفاق النووي مع إيران. وربما تراهن فرنسا على فوز بايدن، ما يفسّر تشجيعها الرئيس سعد الحريري على إعادة ترشيح نفسه لرئاسة الحكومة برغم استمرار تحفظ الرياض وأبو ظبي. وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد أعلن في مؤتمره الصحافي بعد اعتذار مصطفى أديب، أنه سيبقي مبادرته قائمة حتى فترة انتهاء الانتخابات في أميركا، ما قد يربط مصيرها بمصير جهود الحريري في تشكيل حكومته المقبلة.

ويبقى احتمال أخير لسبب التهدئة في ساحات المنطقة، وهو انصياع إيران لنصائح من أصدقاء في أوروبا وحول العالم بتجنّب ارتكاب أي أعمال استفزازية ضد أميركا وإسرائيل في الشهر الأخير ما قبل الانتخابات (أي الشهر الجاري)، حتى لا تعطي أي مبرر لترامب لشن عمليات عسكرية كبيرة ضدها لتحسين فرص فوزه في الانتخابات. فلقد تحدثت تقارير عدة خلال الشهرين الأخيرين عن سيناريوهات محتملة تحضّر لها بعض الجهات الأميركية لاستفزاز إيران وجرها الى مواجهة عسكرية ترفع من أسهم ترامب في الانتخابات. فتاريخ الانتخابات الأميركية يظهر أن الناخب الأميركي عادة ما يدعم الرئيس في أوقات الحرب. وعليه، فقد تكون التطورات الحالية في ساحات المنطقة، ومنها لبنان، عبارة عن خطوات تكتيكية إيرانية تهدف الى خفض النزاع وشراء الوقت بانتظار انتهاء الانتخابات لتقرر سياستها المستقبلية مع واشنطن وكيف ستستخدم أوراقها في المنطقة. 

لبنان اليوم هو ساحة مواجهة بامتياز، وجل ما تحاول المبادرة الفرنسية القائمة على الواقعية السياسية المجردة من العواطف عمله، هو تشجيع “الثنائي الشيعي” على فك (أو تخفيف) الارتباط بإيران مقابل تحسين حصته في النظام اللبناني، مع حزمة مساعدات تعيد إحياء الاقتصاد اللبناني لتمنع البلد من الانهيار ومواجهة خطر الحرب الأهلية والزوال. لكنها جميعها تخمينات وحسابات قد تنجح أو قد تفشل. فالمبادرات نحو لبنان اليوم ترتكز جميعها على مقاربة “التجربة والخطأ”، أي تجري تجربة سياسة معينة، فإن نجحت، كان به، وإن فشلت تجرى تجربة أخرى، على أمل أن لا تنفد التجارب واقتراحات الحلول لتبقى ذرة أمل للبلد.             

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate