نظام الفوضى العالمي: هل يصلح الرّئيس الأميركيّ الجديد أخطاء أسلافه؟

رياض قهوجي

صاروخ باليستي عابر للقارات من طراز DF-41 من صنع وتصميم جمهورية الصين الشعبية
صاروخ باليستي عابر للقارات من طراز DF-41 من صنع وتصميم جمهورية الصين الشعبية

يسود جو من الضّبابية الساحتين الدولية والإقليمية من ناحية الخريطة السياسية للتحالفات، بخاصة بين اللاعبين الأساسيين على ساحات المواجهة المتعددة عالمياً. فبعدما كان المشهد السياسي واضحاً الى حد كبير خلال الحرب الباردة بين معسكر شرقي شيوعي – اشتراكي يقوده الاتحاد السوفياتي، وآخر غربي ليبرالي – رأسمالي تقوده الولايات المتحدة الأميركية، أصبح المشهد اليوم معقّداً جداً نتيجة تطورات عديدة ناتجة من انهيار الاتحاد السوفياتي وصعود قوى جديدة وحدوث متغيرات في المجالات الاقتصادية والتجارية وتلك المتعلقة بالنفط والغاز. لم يعد سهلاً التمييز بين من مع من ومن ضد من. فالتحالفات باتت متعددة الأوجه، وأحياناً على “القطعة”. وهذا الوضع هو نتيجة تطورات عدة، أهمها عدم الاستمرارية في السياسة الخارجية للإدارات الأميركية المتعاقبة، فيما العالم يستعد اليوم لدخول رئيس جديد الى البيت الأبيض. 

بعد خروج المعسكر الغربي منتصراً من الحرب الباردة، طغت الليبرالية السياسية ببعدها المتمثل بالاقتصاد الحر والرأسمالية على الساحة الدولية، فتحوّل عرين الشيوعية، روسيا، دولة رأسمالية بامتياز، كغيرها من دول المعسكر الشرقي. حتى الصين التي لا تزال تحافظ على نظام شيوعي، اعتمدت النظام الاقتصادي الحر في مقاطعات مثل هونغ كونغ وشانغهاي، وباتت اليوم لاعباً مهماً على الساحة الاقتصادية العالمية، حيث تسود الأنظمة الرأسمالية. ولقد تمكنت عبر مشاريع شراكة مع كبريات الشركات الغربية من استيراد التكنولوجيا وتطوير صناعاتها تطويراً كبيراً، ما عزز قدراتها المالية ومكانتها الاقتصادية.

وخلال السنوات العشرين التي تلت سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1991، كان النظام العالمي الأحادي القطب تتربع على رأسه أميركا وتتبعها الدول الغربية، ما أنتج موجة العولمة بنكهة الليبرالية الديموقراطية التي استفادت كثيراً من الثورة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتغزو أرجاء الكرة الأرضية، محدثةً حركات غيّرت العديد من الأنظمة، بخاصة في المنطقة اليورو-آسيوية. وغدت أميركا في هذه الحقبة مركز الثقل في معظم الاتفاقيات الدولية المهمة والمنظمات الدولية الفاعلة مثل مجلس الأمن الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية. كما أن التحالفات العسكرية الدولية كانت دائماً بقيادة أميركا، كما كانت الحال في أزمة البوسنة والهرسك وحرب كوسوفو وحرب الخليج لتحرير الكويت. 

إلا أن أحداثاً دولية ضخمة مثل هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 وما تلاها من حرب على الإرهاب وغزو أميركي للعراق وأفغانستان، والانهيار المالي عام 2008، ومن ثم تدهور أسعار النفط، وانطلاق انتفاضات شعبية في الشرق الأوسط بما يُعرف “بالربيع العربي”، جميعها أثّرت في النظام العالمي وموازين القوى. فلقد استفادت الصين كثيراً من تحسن مكانتها الاقتصادية، ما وفّر لها الأموال التي تحتاجها لتطور قواتها المسلحة تطوّراً كبيراً وتتجه نحو توسيع قدراتها على فرض القوة من بعد، عبر بناء حاملات للطائرات وقوة بحرية مهمة. كما بدأت تطبيق مشروعها الطموح لإعادة إحياء طريق الحرير الذي تهدف عبره الى وصل مصانعها بالأسواق في آسيا وأوروبا وأفريقيا عبر خطوط برية وبحرية. ولقد رفع صعود الصين الاقتصادي – العسكري منسوب التوتر في جنوب شرقي آسيا بين الصين ودول أخرى حليفة لأميركا مثل اليابان وتايوان وسنغافورة وكوريا الجنوبية. 

أما الغزو الأميركي لكل من أفغانستان والعراق، ومن ثم فشل أميركا في إدارة الأوضاع هناك، فلقد أدّيا الى إزالة العوائق من أمام إيران لنشر نفوذها في العراق والتسلل من هناك الى دول أخرى في الخليج وبلاد الشام. وفي خضم ذلك انطلقت شرارة الربيع العربي لتجتاح دولاً عربية عدة، مخلّفة مناطق فراغ في السلطة، ما أفسح الطريق لظهور مجموعات إسلامية متشددة كان أهمها تنظيم “داعش” الذي سيطر على أجزاء كبيرة من أراضي سوريا والعراق، الأمر الذي استفادت منه كثيراً إيران لترسّخ وجودها العسكري في كلا البلدين، ومن ثم تشجّع روسيا على العودة الى ساحة الشرق الأوسط عبر سوريا. كما أن ضعف السلطات المركزية في سوريا والعراق وانتشار المجموعات المسلحة أعطى الذريعة لتركيا لتسيطر على أجزاء واسعة من شمال سوريا وتوجه ضربات للقوى الكردية في البلدين لإضعاف نفوذها. ولقد استقطبت تركيا القوى الإسلامية المرتبطة بجماعة “الإخوان المسلمين” في العالم العربي لتسهيل دخولها الساحة العربية، وهي عمدت الى استغلال الأزمة الخليجية بين الدوحة وبعض جيرانها في الخليج وخارجه لتعزيز علاقاتها بقطر وتنشئ قاعدة عسكرية فيها. وتستخدم تركيا علاقاتها بالقوى الإسلامية في ليبيا لبناء موطئ قدم لها هناك وحجز حصة لها من النفط الليبي وتوسيع منطقتها الاقتصادية في البحر الأبيض المتوسط، أملاً باكتشاف آبار للنفط أو الغاز. 

تبني إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب سياسة انعزالية والتركيز على مصالح أميركا الداخلية، بعيداً من المصالح المشتركة مع الحلفاء التقليديين في أوروبا وآسيا وجنوب أميركا، واستخدام سلاح العقوبات الاقتصادية بشراسة مع خصوم أميركا ومن ضمنهم الصين وروسيا وإيران، أفقد منظومة الحوكمة العالمية توازنها وأحدث فراغاً في منظمات عالمية شكلت واشنطن مركز الثقل فيها على مدى سنوات. فلم يعد حلفاء أميركا واثقين بأنهم يستطيعون الاعتماد على دعم “الأخ الأكبر” وحمايته لمواجهة تحديات متصاعدة وزاحفة من الشرق. كما أن الحالة غير التقليدية للسياسة الخارجية الأميركية التي أحدثها وجود رئيس شعبوي في البيت الأبيض سبّبت حالة من الضّياع لدى خصوم أميركا وحلفائها على حد سواء. فسياسات ترامب لا تحترم معايير الليبرالية الديموقراطية والعولمة، بل تضربها بالصميم، في حين أنها تبعث رسائل متناقضة للخصوم تجعلهم غير قادرين على تحديد آلية التعامل مع أميركا. وسياسة ترامب هذه أتت بعد إدارة باراك أوباما التي انفتحت انفتاحاً كبيراً على الإسلام السياسي – الشيعي والسني – عبر تحسين العلاقات مع إيران و”الإخوان المسلمين” في مصر، ما أضعف حلفاء أميركا التقليديين في العالمين العربي والإسلامي. ومن ثم جاءت إدارة ترامب لتعكس سياسة أوباما نحو الإسلام السياسي. وهكذا أحدث عدم ثبات السياسة الخارجية الأميركية بين إدارة وأخرى خلال العقدين الماضيين فوضى في العلاقات الدولية وشكل التحالفات. 

سترث الإدارة الأميركية الجديدة تحت إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن نظاماً عالمياً تسوده الفوضى، نتيجة، إما غياب، أو ضعف، أو تقلب، السياسة الخارجية لكل من أوباما وترامب. فكلاهما شكل حالة استثنائية في سياسة حزبه التقليدية. فلم يكن أوباما زعيماً يعكس سياسات الحزب الديموقراطي الخارجية التقليدية، كما أن سياسات ترامب لا تشبه أياً من سياسات قادة الحزب الجمهوري التقليديين. بايدن هو ابن المؤسسة السياسية الأميركية ويعكس بوضوح تطلعات قيادات حزبه. ولن يكون مشابهاً لشريكه السابق أوباما في العديد من المواضيع. فهو حينها كان نائباً للرئيس، أي لا سلطة له ولا دور له سوى أن يعطي مشورته للرئيس حين يطلبها وأن ينفّذ مهمات محددة يطلبها الرئيس منه. 

سيأخذ الوضع الداخلي المتأزم بسبب أزمة كورونا وتداعياته على الاقتصاد الأميركي حيزاً كبيراً من وقت بايدن، الذي سيحاول أيضاً أن يعيد الوحدة الى الشارع الأميركي المقسوم بين اليمين واليسار، وبالتالي سيكون زعيماً وسطياً. وقد ينعكس ذلك على سياسته الخارجية بحيث لا يجنح كثيراً نحو اليسار كما فعل أوباما ولا نحو اليمين كما فعل ترامب. ففي ما يخص الشرق الأوسط، لن يستطيع بايدن أن يتجاهل المستجدات على مسار التطبيع العربي – الإسرائيلي الذي انطلق من دولة الإمارات العربية المتحدة، ولن يستطيع تجاهل تنامي نفوذ إيران في دول عدة وانتشار صواريخها البالستية خارج حدودها وإعادة النشاط لبرنامجها النووي، ولا يستطيع أن يتجاهل انفلاش تركيا على ساحات عدة في المنطقة واعتمادها سياسة استفزازية تجاه دول حلف شمال الأطلسي. فهو سيكون بمواجهة الإسلام السياسي ببعديه السني والشيعي، في وقت سيسعى لإنجاح مسار التطبيع العربي – الإسرائيلي الذي يخدم مصالح أميركا الاستراتيجية. ومن أهم هذه الأهداف منع إيران من امتلاك سلاح نووي.   

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate