2021-01-16

إزاحة الجيش عن منظومة الاقتصاد السوداني: مبدأ إصلاحي دونه صعوبات

الثورة السودانية
منظومة الاقتصاد

العميد م. ناجي ملاعب

إبعاد الجيش عن الاقتصاد، كان أحد مطالب الثورة السودانية، والتي على أساسها تم الإطاحة بالرئيس عمر البشير، لكن إشراك العسكر داخل منظومة الحكم الجديدة عمق الخلاف بين المؤسسة العسكرية والحكومة المدنية حول هذا الملف الإصلاحي.

ولم يعد سراً أن يبادر رئيس الحكومة السودانية الى التفكير في تخفيض حجم الإنفاق العسكري بشكل كبير في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تواجهها البلاد، لاسيما وأن الجيش يستحوذ على أكثر من 80% من موازنة الدولة. وقد يمثل القانون الأميركي حول الرقابة على القوى العسكرية والأمنية في سودان ما بعد ثورة ديسمبر محفزاً للحكومة في التغيير المنشود.

سنعرض في مقاربة زمانية لكيفية انخراط الجيش في مؤسسات الإقتصاد السوداني، والمطالب الدولية لتأمين حسن “الانتقال الديمقراطي في السودان والمساءلة والشفافية المالية”، ومكمن المعوقات الحالية، والنتائج المتوقعة. 

مقاربة زمانية

في سبعينات القرن الماضي اعتمد الرئيس جعفر نميري (1969 – 1985) سياسة تغليب السلطة العسكرية، وقد فسّر بعض الخبراء ذلك “من باب التملق للقوات المسلحة وكسبها”، فأسس ما أسماه بـ “المؤسسة الاقتصادية العسكرية” التي دعمت العسكريين بتمليكهم المعدات والأجهزة الكهربائية والمواد التموينية والسيارات بالأقساط من خلال تحالف مع طبقة رجال الأعمال والتجار السودانيين، وبذلك سجل سابقة إقحام القوات المسلحة في النشاط الاقتصادي.

أما في مرحلة انقلاب الاسلامويين وتبوء عمر البشير سدة الرئاسة وحكم البلاد (1989 – 2019) فقد عانى السودان أسوء المخاطر على وحدته واستقراره؛ بدءاً بـ “الجنجويد” فقوات حرس الحدود، ثم “قوات الدعم السريع” عندما أصبحت أكثر القوى التي يأتمنها البشير على نفسه ونظامه .. قصتها من حيث التأسيس والتطور والتمدد والقدرات المالية الهائلة من خلال شركات الذهب والتصدير والارتزاق معروفة للجميع، إضافةً إلى تركيبتها العرقية والجهوية، طبيعتها البدوية العدوانية والتسلطية…الخ، وكيف أنها أصبحت عموداً فقرياً للجنة البشير الأمنية.

هيئة التصنيع الحربي

ونشط في ذاك العهد التصنيع العسكري الوطني، وأعلن وزير الدفاع السوداني، الفريق أول عبد الرحيم محمد حسين، أن بلاده تجاوزت مرحلة الاعتماد على الخارج في توفير احتياجات القوات المسلحة من الآليات والاسلحة. وشاركت هيئة التصنيع الحربي السودانية، لأول مرة، بعرض صناعاتها الدفاعية في معرض معدات الدفاع العالمي “أيدكس” المنعقد في العاصمة الإماراتية أبو ظبي ما بين 17-21 شباط/ فبراير 2013.

وكانت هيئة التصنيع الحربي قد انطلقت عام 1993 بأشراف وزارة الدفاع السودانية، وهي تعمل في 8 مجالات؛ كتصنيع قطع الغيار وتحديث خطوط الإنتاج وصناعة عربات النقل الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، بالإضافة إلى تصميم وصناعة الزوارق والقوارب والسفن النهرية، وبناء وتأهيل وصيانة السفن والقطع البحرية، وأنظمة التدريب والتأهيل.

وقال علي عثمان محمود مدير إدارة العلاقات الخارجية في الهيئة: “يتم، بأيادٍ وخبرات سودانية تصنيع الملابس والأحذية العسكرية، والمستشفيات العسكرية المتحركة، ودبابات القتال الرئيسية وناقلات الجند المدرعة والمجنزرة والمدولبة، والمدافع ذاتية الحركة، وعربات المهام الخاصة. كما يتم تصنيع البنادق الألية الخفيفة والمتوسطة وقواذف القنابل ومضادات الدروع مضادات الطائرات، والمدافع المتوسطة والثقيلة.

وأضاف محمود، أن الهيئة تنخرط بشكل فعلي في تصميم وتصنيع الطائرات الخفيفة، وصيانتها وتأهيلها وتدريب الطواقم الجوية والأرضية، وصناعة أجهزة الاتصالات العسكرية والأجهزة الكهرو بصرية وأجهزة تحديد المدى والتصويب بالليزر، وأنظمةالاستطلاع الأرضي والبحري والجوي، ومشبهات التدريب، وأنظمة الرادارات بمختلف أنواعها، وأنظمة القيادة والسيطرة والحرب الإلكترونية، وأنظمة الجنود القتالية والبرمجيات المستخدمة في الأنظمة الدفاعية.

هيكلة المؤسسة العسكرية ما بعد الثورة

وفقًا لإحصاء العام الحالي، فإن الجيش السوداني يضم قرابة 189 ألف جندي، بينهم 85 ألف جندي في قوات الاحتياط، بينما تتفاوت التقديرات لأعداد قوات الدعم السريع، لكن تقرير مراقبة الحدود الصادر في أبريل/نيسان عام 2017 عن مشروع كفى (مقره واشنطن) يحدد عددهم بـ30 ألف مقاتل. ويحتل الجيش المرتبة رقم 69 على قائمة أقوى جيوش العالم، ويأتي تصنيفه ضمن أقوى 10 جيوش في القارة الإفريقية. 

أضفت التغيرات المفاجئة والمتسارعة في صفوف الجيش السوادني، من إقالات واعتقالات بالجملة، حالة من القلق على الكثير من الضباط، خاصة فيما يتعلق بتراجع عديد قواته العاملة إلى أكثر من النصف. وتزامن ذلك مع وضع معظم السلطات في أيدي قيادات بعينها تدين بالولاء إلى قائد قوات الدعم السريع، وأبدت بعض المصادر السودانية قلقها بشأن الهيكلة التي يروج لها المجلس العسكري، المنحل مؤخرًا بعد تشكيل المجلس السيادي، حيث أن ما يروج له يذهب إلى الإبقاء فقط على 50 ألف مقاتل عامل، معظمهم سيكون من قوات الدعم السريع التي يرجح أن تندمج في صفوف الجيش، لتصبح عماد القُوة البرية المُقاتلة، وهو ما يعني الولاء الكامل لقائدها في إطار التشكيلة الإثنية والقبلية لهذه القوات، وهو ما يحمل الخطورة على وحدة واستقلالية القرار العسكري للدولة السودانية، على حد المصادر.

قانون أميركي يمهّد الى “الانتقال الديمقراطي في السودان”

صادق الكونغرس الأمريكي بتاريخ 11 ديسمبر 2020، على مشروع “قانون الانتقال الديمقراطي في السودان والمساءلة والشفافية المالية للعام 2020″، حيث يشدد القانون المقترح الرقابة على القوى العسكرية والأمنية في سودان ما بعد ثورة ديسمبر، كما يتضمن مشروع القانون ضرورة تقييم إنفاذ خطط إصلاحات القطاع الأمني وإعادة هيكلته بما يعزز سيطرة السلطة المدنية على كامل القطاع العسكري بمختلف تشكيلاته، واللافت أن مشروع القانون يحظى بدعم واسع من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، لهذا فقد تمَّ إدراجه ضمن مشروع التمويل الدفاعي الذي مرَّره الكونغرس بإجماع كبير من الحزبين.

ويتحدث القانون عن مراقبة أموال الأجهزة الأمنية والعسكرية، وأصولها، وميزانيتها، والكشف عن أسهمها في جميع الشركات العامة والخاصة، كما ينص أيضاً على ضرورة وضع لائحة بكل الأسهم في الشركات العامة والخاصة التي تديرها أو تملكها القوى العسكرية والأمنية، ونقل كل هذه الأسهم إلى وزارة المالية أو أي هيئة ذات اختصاص تابعة للحكومة السودانية.

يؤشر مشروع القانون إلى أهمية رسم وتطبيق خطة يمكن من خلالها للحكومة السودانية استرجاع أي ممتلكات أو أرباح للدولة تم تحويلها لحزب المؤتمر الوطني أو لأي مسؤول فيه. ويتضمن فرض عقوبات تتراوح بين تجميد الأصول وإلغاء تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة، وغيرها من عقوبات مما يطلق عليه مفهوم العقوبات الذكية، وهو مفهوم مغاير تماماً لما درجت عليه الولايات المتحدة في الثلاثة عقود السابقة من فرضها عقوبات شاملة تصب جام غضبها على الجميع

تصفية ديون السودان بالبنك الدولي ومنحه مليار ونصف دولار سنويا

تعتزم الحكومة الأمريكية تصفية متأخرات السودان لدى البنك الدولي البالغة مليار دولار أمريكي، والتي ستتيح للسودان الحصول على منح من المؤسسة الدولية للتنمية (IDA) بحوالي (1.5) مليار دولار سنوياً لأول مرة منذ (27) عاماً.

وأعلنت وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي السودانية، عن ترحيبها بقرار وزير الخزانة الأمريكي، ستيفن منوشين، عن نية الحكومة الأمريكية مساعدة السودان في إعفاء ديونه وتسوية المتأخرات للمؤسسات المالية الدولية.

وأوضحت الوزارة، في تصريح صحفي، أنَّه سيكون للمجتمع الدولي دور أساسي في مسيرة استقرار الاقتصاد السوداني خلال الفترة الانتقالية، خاصة بعد قرار إزالة اسم السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، والذي تمَّ إعلانه يوم 14 ديسمبر 2020، مبينة أنَّ ذلك يعتبر اعترافاً بالتقدم الذي أحرزه السودان في إقامة الحوكمة الرشيدة، ويفتح الطريق أمام المستثمرين الدوليين للمشاركة في نهضة السودان الاقتصادية.

وأكَّدت وزارة المالية التزامها بتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التي تتخذها الحكومة الانتقالية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي من خلال معالجة التشوهات الهيكلية، وتشجيع الاستثمار وتعزيز النمو، وبناء اقتصاد مزدهر لجميع السودانيين، خاصة المجتمعات المهمشة والشباب والنساء.

القانون الأميركي والإستجابة الحكومية السريعة

في خطوة تبدو مواكبة لصدور القانون الأميركي، لفت رئيس الوزراء السوداني “عبدالله حمدوك” الى تداعيات انخراط المؤسسة العسكرية في النشاط الاقتصادي الخاص، ومزاحمة الشركات الأهلية في المشروعات المدنية، معتبرًا الأمر “غير مقبول” وأنه على الشركات التي يشارك فيها الجيش أن تتحول إلى شركات “مساهمة عامة” تسمح للمواطنين بالمشاركة فيها.

هذه التصريحات، التي يتوقع أن تكون صادمة لجنرالات السودان، جاءت خلال مؤتمر صحفي عقده حمدوك بمناسبة رفع اسم السودان من قوائم الدول الراعية للإرهاب، ومن المتوقع أن يكون لها تداعياتها الإيجابية على الاقتصاد السوداني وإنهاء عزلته الدولية.

حمدوك أشار إلى أن كل جيوش العالم لديها علاقات استثمارية لكنها تتعلق بنشاطهم الدفاعي والعسكري، كالاستثمار في الصناعات الدفاعية والتسليحية، وأن هذا أمر مشروع ومهم بالنسبة للدولة ككل، مستدركًا أن الاستثمار في قطاعات الإنتاج ربما يأتي بنتائج عكسية، الأمر الذي سيعود بالنفع على الشعب السوداني بأكمله.

وحث رئيس الوزراء على ضرورة وضع إطار منهجي وخطة زمنية للمضي قدمًا في معالجة الوضع الحالي وإدراج المؤسسات المملوكة للجيش في بورصة الشعب بما يمكن الجمهور الاستثمار فيها، متسائلًا: “ما هي قدرتنا على تحقيق هذا الأمر؟! فالكلام والقول أسهل من العمل”.

إن سرعة تفعيل العمل بهذا القانون سوف يساعد الحكومة السودانية على مباشرة الخطوات اللازمة لإصلاح هياكلها ومؤسساتها المختلفة من أجل إحكام السيطرة المدنية اللازمة لتحسين الشفافية المالية، حتى يتسنى لوكالات الإدارة الأمريكية المساعدة ودعم خطوات التحول الديمقراطي كل في اختصاصه.

خطوات اصلاح القطاع الأمني

 إنَّ الأمن خدمة عامة مثل التعليم والصحة. والطريقة التي يُنظر بها إلى الأمن والتخطيط له وإدارته وتقديمه تحتاج إلى إشراك المواطنين وليس فقط الأجهزة الأمنية النظامية.

على الرغم من أن الثورة السودانية قدمت شعارات واضحة للمرحلة الانتقالية، فإن هناك حاجة إلى صياغة هذه الشعارات – المبادئ في رؤية وطنية متفق عليها بشكل عام يتم اعتمادها خلال المؤتمر الدستوري المرتقب. وستوجه هذه الرؤية جميع الإصلاحات خلال المرحلة الانتقالية، ولا سيما في قطاع الأمن.

لذلك، ينبغي أن يكون فهم الوضع من حيث الحجم والمهارات ومستوى الضرر المهني الذي لحق بالقطاع الأمني بسبب النظام الإسلامي الذي اعتمد على مدى 30 عاما، نقطة الانطلاق لأي إصلاح. كذلك يُعد بناء المشكلة وتفكيكها من خلال عملية استعراض شاملة وتشاركية أمرًا أساسيًا لإيجاد حل ذي طابع وطني. وبالتزامن مع استعراض الوضع الحالي لقطاع الأمن، ينبغي التسريع بتطوير استراتيجية الأمن الوطني، وفق المبادئ الأساسية التالية:

– عقيدة جديدة من شأنها أن تغرس الهوية الوطنية بديلا للإنتماءات القبلية، تمهد لإعادة اندماج الجماعات المسلحة المطلوب دمجها.

– تحديد التهديدات الأمنية الرئيسية التي تواجه السودان، وصياغة استراتيجية دفاعية تستجيب للاحتياجات الأمنية للتصدي للتهديدات.

– اعادة هيكلة قوام الأمن الوطني، وفق استشارة دولية، تتمكن السلطة السياسية بموجبها، من تحديد حجم القطاع، واستيعاب متطلبات كل مقومات الأمن من تسليح وتجهيز وتدريب وفق امكانيات الموازنة العامة للدولة.

– فصل مهام القوى العسكرية عن مهام قوى الأمن الداخلي، وقوننة تقسيم العمل بين الجيش والكيانات الأمنية الأخرى.

في المعوقات

إن الإستجابة لمتطلبات الإنتقال الديمقراطي وفق القانون الأميركي والذي كاد أن يتبنى ذات مواضيع وقضايا الانتقال التي توافقت قوى الثورة حول ضرورة إنفاذها، وأوضحها جلياً رئيس الحكومة في مؤتمره الأخير، هو الطريق الأمثل للعبور الى بناء الثقة بالدولة. وكما رسم رئيس الوزراء في مؤتمره، فإن ألف باء استعادة الثقة تبدأ بتقليص اضطرادي لتدخل المؤسسة العسكرية في الإقتصاد السوداني.

وكانت وكالة “بلومبيرج” الأمريكية قد نشرت قبل فترة تقريرًا استعرضت فيه أبرز الشركات التي تقود استثمارات الجيش، والمملوكة في الأساس إلى أسماء بارزة في القوات المسلحة السودانية، أو على الأقل مملوكة لأشخاص من ذات العائلة أو من أقارب الدرجة الأولى. وبحكم الطبيعة الجغرافية للسودان فإن أبرز موردَين اقتصاديين للبلاد هما الزراعة والتعدين، وهما الموردين المُسيطر عليهما من قبل عائلات على علاقة قوية بأباطرة المال داخل الجيش والنخبة الفاسدة في الحكومة، أو كما يطلق عليهم في السودان “عصابات المافيا”، وذلك بحسب تقرير للقناة الألمانية الأولى (ARD).

في الخلاصة

لم يكن لهذا الإهتمام الأميركي في دعم السلطة الجديدة في السودان لولا الإعتبارات الإستراتيجية  لواشنطن، وأهمها استباق التدخل الصيني القوي في جنوبي ووسط القارة السمراء ومحاولة صده من الولوج شمالا، من جهة، واستغلال الوضع الإقتصادي المزري الذي وصلت اليه البلاد في حكم الإسلاميين والعقوبات برهن انفكاك القعوبات الدولية بتسهيل قيام تطبيع علاقات مع اسرائيل. لقد لاقت الخطوات الأميركية الكثير من الإنتقاد المحلي والعربي، ما يعنينا ليس الشأن السياسي الذي نعتقد جازمين من أن قوى الثورة قادرة ومعنية بما تخطط له وتلتزم به، ما يعنينا في الشق الأمني تحديداً، أن لا يقوى أي مشروع لمناهضة هذا القانون بدعوى استقلال القرار الوطني وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، طالما أنه سوف يعيد كل قطاعات الدولة – بما فيها القوى الأمنية والعسكرية – الى صيغتها الصحيحة الخاضعة للمراقبة والشفافية والمساءلة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*