2021-09-24

افريقيا ما بين العسكرة الأميركية والمديونية الصينية (الجزء الثاني)

العميد م. ناجي ملاعب
باحث في مؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري
عضو الهيئة العلمية لمجلة “الدراسات الأمنية”

ثانياً: آليات الإستراتيجية الأميركية في افريقيا

كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عازما على تحقيق وعوده التي تقدم مصلحة أمريكا العليا على ما عداها، وهو ما دفعه إلى تبني سياسة العزلة والتركيز على الداخل. ولكن يظل هاجس الأمن – في الوقت نفسه – محوريًّا وحساسًا وفقًا لمنطق المدرسة الواقعية في السياسة الخارجية. وعليه فإنه لم يتردد في التدخل العسكري في حالة الشعور بالخطر أو التهديد المباشر. ويعني ذلك أن “ترامب” لا يرى إفريقيا سوى أنها ساحة لكسب النفوذ والسيطرة واحتواء النفوذ الصيني والروسي المتصاعد. وانطلاقًا من هذه الرؤية تصبح الأولوية هي مواجهة صراع القوى العظمى وليس الحرب على الإرهاب.

1- الإستراتيجية الأمنية في مكافحة الإرهاب

استنادًا إلى شعار” أمريكا أولًا” ووعود الرئيس “ترامب” المتكررة بوضع حدٍّ لحروب الولايات المتحدة التي لا تنتهي، وافق البنتاجون على خطة لتقليص عدد القوات الأمريكية التي تقوم بمهام مكافحة الإرهاب في إفريقيا بنسبة 25٪ تقريبًا. وطبقًا لبعض الخبراء فإن العدد الإجمالي للقوات الأمريكية المخصصة للقيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم” سوف ينخفض بنحو 10٪. وإذا كان عددُ القوات المتأثرة غير معروف على وجه الدقة، فإن هناك ما يقرب من 7200 من أفراد وزارة الدفاع المكلفين تابعين للقيادة الإفريقية في الوقت الحالي. ومن الواضح تمامًا أن الاستراتيجية الأمنية لإدارة الرئيس “ترامب” تبتعد تدريجيًّا عن دوامة الحرب العالمية على الإرهاب، كما يظهر في الانسحاب من سوريا، والدخول في عملية تفاوضية مع حركة طالبان الأفغانية، وذلك لصالح التركيز على احتواء النفوذ المتنامي لكلٍّ من الصين وروسيا. ومع ذلك فإن تقليص الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الساحل وغرب إفريقيا -تحديدًا- يواجه انتقادات واسعة من جانب الكونجرس وخبراء مكافحة الإرهاب داخل أمريكا وخارجها.

لا أحد يعلم على وجه الدقة ما إذا كانت واشنطن قد بلورت بالفعل استراتيجية جديدة تجاه إفريقيا، أو ما هي تفاصيل حساباتها هناك في ضوء تلك المعطيات، إلّا أن عددًا من التقارير، تم تسريبها مؤخرًا، تلقي الضوء على تحركات غير مسبوقة، وخصوصًا في غربي وشمال غربي القارة، بخلاف تركيز واشنطن السابق على منطقة القرن الإفريقي، حيث توجد قاعدتها العسكرية، الوحيدة المعلنة، في جيبوتي، لقربها من منطقة الشرق الأوسط.

ومن ناحية أخرى فقد كشفت وكالة “سبوتنيك” الروسية عن ضغوط أمريكية تمارس على الجزائر لدفعها التدخل عسكريًا في ليبيا، والتعاون معها في عمل عسكري بالنيجر لمواجهة مجموعات مسلحة، وسط تمنُّع جزائري، لتجنّب الانزلاق في فخ الاستنزاف في حروب خارجية، وهي القوة العسكرية الأهم على مستوى شمال غرب القارة السمراء، والمحطة المهمة لنفوذ الشركات الصينية في المنطقة.

ونهاية سبتمبر/ أيلول 2016، نشرت مجلة “ذي إنترسبت” وثيقة سرية لقيادة القوات الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم”، تشير إلى عملها على إنشاء قاعدة للطائرات من دون طيار في النيجر، على أن يشمل نطاق عملها دول المنطقة، وذلك بتكلفة تناهز 100 مليون دولار. ونقلت المجلة في تقريرها عن الخبير الأمريكي في الوجود العسكري لواشنطن بإفريقيا، آدم مور، قوله إن ذلك ليس نشاطًا معزولًا، بل جزء من “توجه نحو تدخل أكبر، ووجود دائم في غرب إفريقيا، بما في ذلك أجزاء من المغرب (العربي) والساحل”، وذلك لتدارك الضعف في النفوذ الأمريكي بالمنطقة مقارنة بالنفوذ الفرنسي، ولاستباق التغلغل الصيني القادم من شرقي القارة.

في إطار نظرة أشمل لاستراتيجية “احتواء الصين” الأمريكية، فإن التوجه نحو تثبيت الأقدام في الغرب الإفريقي قد يُقرأ في سياق سياسات واشنطن الجديدة في الشرق الأوسط، التي بدأها الرئيس السابق، باراك أوباما، وظهرت عمليًا في أزمات ما بعد تفجر “الربيع العربي”. فقد انسحبت “القوة العظمى” من المنطقة عسكريًا، واكتفت بمتابعة مجريات الأحداث، كما استغنت، إلى حد كبير، عن نفط المنطقة، للمرة الأولى منذ عقود، وسط مخاوف من أن تضمن تلك السياسة الجديدة ترك المنطقة ضحية للصراعات لعرقلة استغلال الصين لنفطها وأسواقها ومعابرها البحرية ومواقعها الاستراتيجية، إن لم يكن تأجيج تلك الصراعات.

وفي هذا السياق، فإن وجودًا عسكريًا كبيرًا ودائمًا في الغرب الإفريقي كفيل بتوفير برج مراقبة آمن وقريب من الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، ومركزٍ للتدخل السريع في حال تغيرت الحسابات، ونقطة انطلاق لمواجهة التمدد الصيني في القارة، وقاعدة تأسيسية لنفوذ أمريكي حقيقي فيها، يحل محل السطوة الأوروبية.

من جانب آخر، فإن الخطوة الأمريكية “التاريخية”، برفع العقوبات عن السودان، في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، قد تفسَّر جزئيًا في إطار مساعي خلق جدار يحجز النفوذ الصيني في الجنوب الشرقي، وهو الذي أخذ بالتغلغل في مفاصل دول المنطقة بشكل لابد أنه “مقلق” لواشنطن والعواصم الغربية.

وقد ظهرت على السطح مؤخرًا مؤشرات بتجاوز النفوذ الصيني دائرة الاستثمارات والتجارة إلى التأثير المباشر في السياسة الداخلية، وذلك بعد تأكيد عدة تقارير صحفية، من بينها ما نشرته “الغارديان” البريطانية، منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بوجود تدخل صيني في إزاحة رئيس زيمبابوي السابق، روبرت موغابي، عن كرسي الحكم، الذي تشبث به لعقود.

وأوضحت التقارير أن قائد جيش زيمبابوي، كونستانتينو تشيونغا، الذي قاد الانقلاب “الخاطف” على موغابي، كان في زيارة لبكين، قبيل الانقلاب، حيث تلقى ضوءًا أخضر للقيام بتلك الخطوة، الأمر الذي وصفته الصحيفة البريطانية بالسابقة في تاريخ النفوذ الصيني حول العالم، وما خفي لدى أجهزة الاستخبارات الغربية، وخصوصًا الأمريكية، هو بالتأكيد أعظم.

2- سلبيات إدارة “ترامب” للملف الإفريقي

لم تحقق مبادرة الرئيس “ترامب” (إفريقيا تزدهر)، التي تهدف إلى توفير 60 مليار دولار لتشجيع الاستثمار الخاص، نجاحًا كبيرًا وملموسًا بعد، وربما تكون ردًّا على المبادرة الصينية التي خصصت نفس المبلغ لإفريقيا. وعليه فإن الشكوى الأمريكية المستمرة من الصين تزعج الحكومات الإفريقية التي ترى أن إدارة “ترامب” تبدو غير راغبة أو غير قادرة على تقديم بدائل قابلة للتطبيق.

يرى الكاتبان الأميركيانمارك لاجون وراشيل سادوف أن الصين من خلال تمويلاتها واستثماراتها استطاعت أن تملأ بنجاح الفراغ الناجم عن فك الارتباط الدبلوماسي بين الولايات المتحدة والدول الإفريقية. فوفقًا لـ”روبن بريجيتي”، سفير الولايات المتحدة السابق لدى الاتحاد الإفريقي، فإن هناك شعورًا عامًّا بين النخب السياسية الإفريقية بأن علاقات الولايات المتحدة غير الوطيدة معها يعني أن واشنطن باتت تهتم بعلاقتها مع دول ومؤسسات أخرى خاصة الصين والاتحاد الأوروبي، على حساب علاقتها بالدول الإفريقية.

ويؤكد الكاتبان أن ادارة الرئيس ترامب قد عززت التباعد الأمريكي-الإفريقي، فقد أعلنت عن خطة “ازدهار إفريقيا” التي تتضمن أهدافًا مثل تعزيز الطبقة الوسطى في إفريقيا، وتضمنت بشكل علني بأنه تم تصميمها لخدمة مصالح الشعب الأمريكي في المقام الأول. كما تصدّر الرئيس “ترامب” عناوين الصحف الدولية في أوائل عام 2018 لإشارته مرارًا وتكرارًا إلى الدول الإفريقية باسم “الدول القذرة”. كما أن “ترامب” ترك الزيارات الرسمية للقارة الإفريقية لتتولاها زوجته وابنته، ولم يعمل على توطيد العلاقات السياسية مع الدول الإفريقية.

كما أن الدول الإفريقية قد تأثرت بشكل كبير بالحرب التجارية بين بكين وواشنطن، حيث أدان رؤساء غانا ونيجيريا وجنوب إفريقيا والرأس الأخضر تأثير التعريفات الجديدة التي تفرضها الولايات المتحدة على الاقتصادات الإفريقية. وذلك نتيجة ازدياد الترابط التجاري بين دول جنوب الصحراء والصين، فقد ازدادت صادرات بكين لدول جنوب الصحراء بنسبة 233% خلال الفترة من 2006 إلى 2016، في حين أنه خلال الفترة ذاتها ازدادت صادرات الولايات المتحدة لدول جنوب الصحراء بنسبة 7% فقط. حيث صرح مسؤولو بنك التنمية الإفريقي بأن الناتج المحلي الإجمالي لبلدان جنوب الصحراء يمكن أن ينخفض بنسبة 2,5% بحلول عام 2021 بسب الحرب التجارية، مما عزز المشاعر المناهضة للولايات المتحدة في إفريقيا.

4- الدبلوماسية الصحية آلية واعدة لتعزيز النفوذ الأميركي

 ينظر موقع “المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة” في تقريره الى “أن إنشاء مؤسسة (DFC) ليس كافيًا لاستعادة الدور الأمريكي في القارة الإفريقية، وأنه يتعين على واشنطن العمل على تعزيز آليتين، الآلية الأولى هي ما يسمى بالدبلوماسية الصحية، بمعنى أن يتم استثمار مزيد من الأموال في مجال تحسين الصحة العامة في الدول الإفريقية، مما يجعل واشنطن تعزز من نفوذها وتواجدها في إفريقيا بدون الصدام مع بكين، وفي الوقت ذاته سيعمل ذلك على التأكيد على دعم واشنطن لصعود إفريقيا. كما أن ذلك سيعمل على ترميم الصورة الدولية للولايات المتحدة، وتقليل مشاعر مناهضة لها، ناهيك عن استفادة الدول الإفريقية من خلال مكافحة بعض الأمراض كالإيدز والملاريا، وبالتالي تحسن صحة مواطنيها، وزيادة قدرتهم على العمل بشكل أفضل، مما سينعكس إيجابيًّا على مستويات التنمية في إفريقيا، وبالتالي تقليل إمكانية حدوث انهيار للدول الهشة، ومن ثمّ الحفاظ على الاستقرار السياسي في إفريقيا.

ويوضح التقرير أن اثنتين من أكثر الشراكات الصحية انتشارًا ونجاحًا في الولايات المتحدة والعالم هما خطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز (PEPFAR)، والصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا. كما أصدر البيت الأبيض في مايو 2019، أول “استراتيجية للأمن الصحي العالمي”، والتي تؤكد على التزام الولايات المتحدة بمكافحة الأمراض المعدية.

أما الآلية الثانية فهي زيادة حجم المساعدات الإنمائية المقدّمة لإفريقيا، لأنه من الطبيعي أن تقديم المساعدات سيضمن توطيد علاقات التحالف والصداقة بين الولايات المتحدة والدول الإفريقية، ويجب أيضًا التركيز على زيادة المساعدات في مجال الصحة، والذي سيميز برامج مساعدات الولايات المتحدة عن غيرها من الدول المانحة خاصة الصين، كما تشير الدراسات إلى أن المستفيدين الأفارقة من برامج الصحة العالمية الأمريكية يطورون رؤية وصورة إيجابية للغاية للولايات المتحدة.

وتشير الإحصائيات إلى أن كل دولار يتم استثماره في الوقاية والعلاج يعمل على تحقيق 19 دولارًا في صورة مكاسب وعوائد اقتصادية، وأن أكثر من 60% من هذه العوائد في السنوات الأربع المقبلة ستكون في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. 

وختامًا، أكد الكاتبان أنه يتعين على الولايات المتحدة إعادة النظر بشكل جدي وجذري في استراتيجيتها تجاه القارة الإفريقية، والمفتاح الرئيسي لذلك هو التوسع في التمويل الأمريكي في مجال الصحة العامة ومكافحة الأمراض في إفريقيا، مما سيحافظ على خصوصية وتميز المساعدات الأمريكية لإفريقيا عن نظريتها الصينية، فضلًا عن تسهيل دخول الولايات المتحدة في شراكات وتحالفات اقتصادية وعسكرية مع الدول الإفريقية لترميم صورتها في إفريقيا ومجابهة النفوذ الصيني المتنامي في القارة.


Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.