2021-04-11

افريقيا ما بين العسكرة الأميركية والمديونية الصينية (الجزء الثالث)

العميد م. ناجي ملاعب
باحث في مؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري
عضو الهيئة العلمية لمجلة “الدراسات الأمنية”

ثالثاً: أوجه التنافس الأميركي الصيني والدور الروسي

1- المصالح الأمريكية في ضوء تنامي الوجود العسكري الصيني

نظرًا لقرب القارة الإفريقية من كل من أوروبا والشرق الأوسط، فإن الصين تسعى لتعزيز تواجدها العسكري في إفريقيا، وهو ما قد يؤثر على العلاقات التجارية الأمريكية وجهود مكافحة الإرهاب. وتكمن أكبر التهديدات الملموسة للمصالح الأمريكية على الصعيد العسكري في جيبوتي، وهي بلد صغير في القرن الإفريقي يدين للصين بنسبة 50% من دينه العام.

ورغم صغر حجم جيبوتي إلا أنها ذات أهمية كبيرة في العمليات العسكرية والاستخبارية الأمريكية، فجيبوتي تستضيف معسكر ليمونير الذي يعد أكبر قاعدة عسكرية دائمة للولايات المتحدة في إفريقيا، ومع إنشاء الصين قاعدة عسكرية في جيبوتي عام 2017، فإنها أصبحت على بعد ستة أميال فقط من معسكر ليمونير، بل ويرى بعض المحللين أن إنشاء بكين للقاعدة العسكرية في جيبوتي يُعزى إلى رغبتها في مراقبة القوات الأمريكية.

كما يتوجه المقال بالنقد الشديد للمسؤولين الأمريكيين في جيبوتي، نتيجة عدم علمهم برغبة الصين في إنشاء هذه القاعدة وقيامها باستئجار الأرض من جيبوتي وموافقة الأخيرة على هذا الأمر، وأن عدم توافر هذه المعلومات لدى واشنطن أعاق قدرتها على التدخل لمنع إنشاء هذه القاعدة. وذلك عكس ما حدث في السابق عندما علمت الولايات المتحدة بنية روسيا في إنشاء قاعدة عسكرية في جيبوتي، واحتجت بشدة على ذلك لدى المسؤولين في جيبوتي، وبالفعل لم يتم إنشاء القاعدة العسكرية الروسية.

 ويرى الكاتبان الأميركيان مارك لاجون وراشيل سادوف أن الصين قد ضغطت اقتصاديًّا على جيبوتي لكي تمنعها من عدم إخطار الولايات المتحدة بنيتها إنشاء قاعدة عسكرية، إلا أن هذه القاعدة ليست الخطر الوحيد الذي تمثله الصين على تواجد الولايات المتحدة في جيبوتي، فهناك مصدر قلق رئيسي آخر للجيش الأمريكي يتمثل في النفوذ الصيني على “محطة حاويات دوراليه” في جيبوتي، والتي تعتبر “نقطة الوصول الأساسية للقواعد الأمريكية والفرنسية والإيطالية واليابانية” هناك، حيث أثير أنه عندما لم يتمكن الرئيس الجيبوتي “إسماعيل عمر جيله” من سداد قروض صينية في إطار مبادرة “الحزام والطريق”، قام في عام 2017 بنقل ملكية “محطة حاويات دوراليه” إلى الصين بشكل غير قانوني كنوع من التعويض الجزئي لعدم سداد القروض الصينية، وهذا ما سيمكّن بكين من تعزيز وتوسيع قاعدتها الجديدة بسهولة أكبر، مما سيعني تأثيرها على دخول السفن المملوكة للولايات المتحدة أو حلفائها.[i]

2- القروض الصينية وازدياد العنف

لا يستبعد الخبراء فكرة وجود ارتباط بين تمويلات الصين في إفريقيا في إطار مبادرة “الحزام والطريق” وبين ارتفاع معدل العنف المدعوم من الدولة في إفريقيا، حيث يشير تقرير صدر في عام 2015 عن جامعة ساسكس أن “العنف السياسي من قبل الدولة يزداد مع تلقي المساعدات الصينية، وذلك مقارنة بتدفقات المساعدات الممولة من الولايات المتحدة”. 

ويؤكد موقع “المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة” أن الصراعات في البلدان الإفريقية قد تؤدي إلى تصاعد في الإرهاب على المستوى الدولي، حيث بدأت العديد من الجماعات الإرهابية التي تتخذ من إفريقيا مقرًّا لها في التعاون مع نظيرتها الدولية مثل تنظيمي “داعش” و”القاعدة”، وقد ارتبط بعضها بالفعل بـ137 هجومًا إرهابيًّا في بوركينافاسو وحدها في عام 2018. وهو معدل أكبر من العمليات الإرهابية التي حدثت في بوركينافاسو خلال الفترة من 2009 و2015. 

وفي هذا الإطار، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في كانون الأول/ ديسمبر 2018 أن “مواجهة التهديد من الإرهاب الإسلامي الراديكالي والصراعات العنيفة” ستكون واحدة من أهم أولويات إدارته في تعزيز علاقاتها مع إفريقيا، وهو ما يمثل اعترافًا أمريكيًّا صريحًا بأن تزايد العنف في القارة يمثل تهديدًا ملحًّا للأمن القومي الأمريكي والعالمي.

3- أين روسيا من التنافس بين الجبارين

يُعَدّ التنافس الروسي الصيني على القارة الإفريقية تنافسًا اقتصاديًّا بخلفية سياسية، ويظهر هذا من خلال رغبة الروس والصينيين بجعل القارة الإفريقية خط الدفاع الأول عن حدودهما الجيوستراتيجية، باعتبار أن القارة الإفريقية تتوسط العالمين القديم والجديد، فمع بداية الألفية الجديدة تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من الوصول إلى حدود الدولتين: روسيا والصين، عبر أفغانستان، وأوكرانيا، وجورجيا، وهو الخطر الذي استشعره الروس [ii].

ويمكن وضع سيناريوهينِ لمستقبل الوجود الروسي في إفريقيا: أولهما سيناريو التعاون والمصالح، حيث ستصبح إفريقيا مجالًا جديدًا لزيادة التعاون الروسي– الإفريقي في شتى المجالات، وتطور العلاقات بين روسيا ومعظم دول القارة؛ لأن هدف روسيا هو المصالح الاقتصادية والعسكرية. وربما ستتجه روسيا إلى زيادة المساعدات والمعونات العسكرية لبعض الدول الإفريقية، وسيزداد الاهتمام بالشؤون السياسية للدول الإفريقية، وربما ستقوم روسيا أيضًا ببناء قاعدة جديدة لها على غرار قاعدة الأفريكوم الأمريكية، والقاعدة البحرية الروسية في طرطوس على البحر المتوسط، ويذهب السيناريو الثاني إلى إمكانية اعتماد روسيا على سياسة التنافس وتبادل المصالح، خصوصًا مع زيادة القوى الدولية والإقليمية في القارة، وهي حاليًّا الصين والولايات المتحدة الأمريكية، لذلك من الممكن أن تصبح القارة الإفريقية مجالًا للتنافس بين هذه الدول، وربما مجالًا للصراع، كما كان في السابق بين بريطانيا وأمريكا وفرنسا، وهو السيناريو الأكثر واقعية وأقرب احتمالًا للحدوث، فيما يطرح سيناريو المخاطر حضورًا قويًّا في السنوات الأخيرة لروسيا في بعض القضايا الدولية في ظلّ التعددية القطبية، واتضح هذا الدوّر من خلال الوجود الروسي في إفريقيا، لذلك هناك حاجة مُلحّة لدى القادة الروس للعودة من جديد إلى إفريقيا؛ لاستعادة أمجاد الاتحاد السوفييتي من جديد .[iii]

ولكن،هناك عدد من المشكلات والعقبات التي تعيق إقامة العلاقات بين روسيا والدول الأفريقية، ومنها :

1 عدم وجود الإستقرار السياسي والعسكري في معظم الدول الأفريقية، حيث لا تملك روسيا خططاً لمساعدة هذه الدول في تحقيق الإستقرار السياسي والتكامل، فروسيا تولي إهتمام فقط بالتعاون الإقتصادي والعلاقات الإقتصادية الفعالة.

2 الأولوية بالنسبة للدولة الروسية هي إعادة بناء الدولة وإستعادة المجد السوفيتي من جديد والإهتمام بالمشكلات الداخلية، وتحسين العلاقات مع دول الجوار، لذلك تبقي مشاركة روسيا في الشؤؤن السياسية الأفريقية ضعيفة جداً، مقارنة بالدور الأمريكي أو الفرنسي لهذه الدول .

3 غياب الإستراتيجية الروسية تجاه أفريقيا عامل كبير سيؤثر علي التواجد الروسي في افريقيا.

4 الإختلاف في التنمية الإجتماعية والإقتصادية والسياسي في أفريقيا ربما يسبب عدم توازن للسياسة التي تتبعها روسيا مع هذه الدول.

5 إختلاف الثقافة بين الأفارقة ورجال الأعمال الروس يسبب مشكلات كبيرة جداً.

6 قلة وسائل الإعلام الروسية التي تم إرسالها لأفريقيا وأيضاً قلة المنظمات غير الحكومية الروسية داخل القارة.

7 الوجود الكبير للقوى الكبرى في أفريقيا، وعلي رأسها الولايات المتحدة الأميركية والصين وغيرهما، لذلك غيرت روسيا سياستها من المواجهة إلى المنافسة وتبادل المصالح [iv].

     خاتمة

في ظل الحرب الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة، وانشغال كل منهما بالآخر، وعدم الاكتراث بالدول النامية الإفريقية، فإن هذه فرصة مواتية لتحقيق مزيد من التعاون والاعتماد الإفريقي المتبادل. هذا لا يعني أن الطريق معبَّد للتعاون؛ فمازالت الحكومات الإفريقية تهتم بالسلع الصينية الرخيصة التي توفِّر نوعًا من الدعم والاستقرار الاقتصادي الهشّ. أضف إلى ذلك، فإن فتح الحدود وإسقاط الحواجز بين البلدان الإفريقية، سيؤدي إلى انتقال سهل للأيدي العاملة، مما سيخلق منافسة شرسة بين الأيدي العاملة المحلية والوافدة مما سيخلق مشاكل متعلقة بالبطالة وتوفير الوظائف [v]

ليس لدى القارة الإفريقية رفاهية الانحياز أو الحياد بين طرفي النزاع الاقتصادي؛ إذ إنه نتيجة اعتمادها في السنوات الأخيرة على الصين تنمويًّا واقتصاديًّا قد ضَيَّق من قدرتها الاقتصادية على المناورة بين الدول الكبرى، وأوقعها في ديون سيادية لم تكن أبداً بديلاً للإستعمار الأوروبي أو الهيمنة الأميركية.


Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.