2021-05-18

افريقيا ما بين العسكرة الأميركية والمديونية الصينية (الجزء الأول)

العميد م. ناجي ملاعب
باحث في مؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري
عضو الهيئة العلمية لمجلة “الدراسات الأمنية”

مقدمة

تُحقق الدول الإفريقية معدلات نمو اقتصادي وسكاني مرتفعة، ما يُنبئ بإمكانية صعودها كقوى اقتصادية عالمية كبرى، الأمر الذي دفع القوى العظمى للتنافس المحموم حول تعزيز وجودها في القارة السمراء من خلال عدة آليات على رأسها الاستثمار في مجالات كالبنية التحتية واستغلال الموارد الطبيعية، وكذلك العمل على تعزيز روابط الصداقة بين الدول الإفريقية المختلفة.

وفي هذا الشأن، نشرت مجلة “المصلحة القومية” مقالة للباحثين “مارك لاجون” و”راشيل سادوف” بعنوان “الولايات المتحدة الأمريكية والانتشار الصيني المكثف في إفريقيا” في مايو/أيار الماضي، وفيها ينطلق الكاتبان من مقولة رئيسية مفادها أن سباق القوى العظمى داخل إفريقيا من خلال زيادة المساعدات الإنمائية أو الاستثمارات والقروض المقدمة للدول الإفريقية، ستكون له انعكاسات ليس على القارة الإفريقية فحسب، بل سيكون له تأثير كبير على المشهد السياسي والاستراتيجي والاقتصادي العالمي، وبالتالي سيتعين على الولايات المتحدة أن تعيد النظر في استراتيجيتها الاستثمارية والاقتصادية، بل وجهودها الدبلوماسية أيضًا في إفريقيا لاحتواء الدور الصيني المتنامي في إفريقيا.

وبالرغم من ضعف النفوذ الأمريكي في المنطقة، اقتصاديًا مقارنة بالصين، وسياسيًا وعسكريًا مقارنة بفرنسا ودول الاتحاد الأوروبي، فإن واشنطن لا تُخفي اهتمامها بتدارك هذا الوضع، فالقارة تضم أكبر تجمع للدول النامية في العالم، ذات الأسواق المتعطشة للاستثمارات، والنمو السكاني الأسرع عالميًا، والثروات الهائلة، والحكومات المفتقرة لأدوات فرض الأمن والاستقرار وتحديث البنى التحتية وتوفير الخدمات الأساسية. ومما يزيد من أهمية القارة في هذه المرحلة، حاجة الصين الملحة لتنويع مصادر واردات الطاقة، وهي التي احتلت عام 2016، صدارة قائمة مستوردي النفط عالميًا، لأول مرة في تاريخها، بعد تخلي الولايات المتحدة عن ذلك الموقع، إضافة إلى حاجة بكين لأسواق جديدة لمنتجاتها، تساهم من خلالها في تنويع شركائها التجاريين

وتُعد الصين النموذج الأبرز للدول التي استطاعت أن تجعل لها موطئ قدم ثابتًا ومتشعبًا في القارة الإفريقية، ولا تستطيع أي قوة عظمى أخرى أن تضاهي الوجود الصيني في إفريقيا حتى الآن. فمنذ عام 2003 تضاعفت الاستثمارات الصينية في إفريقيا ثلاثين مرة أكثر مما كانت عليه قبل ذلك.ولكن، وبالرغم من التسهيلات التي تواكب آلية التمويل “الجذابة” للدول الإفريقية – بحيث أنها لا تتضمن أي رقابة من الجانب الصيني على أوجه صرفها – فما الذي يمنع الدول المقترضة من تبديد هذه الأموال دون إقامة المشروعات، ما سوف يوقعها في فخ تراكم ديونها.

من هذا المنطلق، وبعد أن كانت القارة السمراء مسرحاً لدول الإستعمار الأوروبي – والذي بدأ بالإنحسار لصالح النفوذ الأميركي ما بعد الحرب العالمي الثانية – لابدّ من إعادة رسم خطوط التماس الجديدة، ويُعَدّ القرن الإفريقي، والساحل الإفريقي غرب إفريقيا – ويمكن ترشيح منطقة البحيرات الكبرى كذلك – أرضية خصبة للتغلغل في القارة الإفريقية؛ لما تشهده من توترات ونزاعات محتدمة، وهو الأمر الذي تستثمر فيه الصين بقوة، مع عوائد ضئيلة جدًّا، مقارنة بما تقدّمه القارة من امتيازات متعدّدة للصين.

تبحث هذه الدراسة في معاناة القارة السمراء جرّاء التحول من الإستعمار الأوروبي الى النفوذ الأميركي تحت مسمّى مكافحة الإرهاب، وتنظر في آليات الوجود الصيني وعبئ المديونية التي ترهن سيادات الدول، وتعرّج في مساحة صغيرة على الدور الروسي ومعوقات تقدمه في المنطقة، لتخلص الى التساؤل حول مستقبل القارة ومصلحتها في استبدال النفوذ الأميركي بالهيمنة الصينية.

أولاً: آليات الوجود الصيني في القارة الإفريقية

يصنف النظام الدولي الحالي بأنه “نظام متعدّد الأقطاب”، وتتجه الأنظار للبحث عن المنافسين للقوة المهيمنة على النظام الدولي، ويسود إجماع عام على أن الصين وروسيا هما الدولتان اللتان تمتلكان المقوّمات التي تؤهلهما إلى تَبوُّؤ هذه المكانة، لكن أنظار العالم في عصر الهيمنة الأمريكية تنصب على البحث عن منافس للقوة الأمريكية، وثَمّة شبه إجماع على أن الصين هي الدولة المؤهلة لتبوء هذه المكانة.

 فمن الناحية البشرية يبلغ عدد سكان الصين مليارًا وثلاث مئة مليون نسمة، وهذا يوازي أربعة أضعاف عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية؛ لذا تُعرَف الصين باسم القوة الشعبية، ومن الناحية العسكرية يُعَدّ الجيش الصيني من أكبر الجيوش في العالم، إذ يُقدّر عدده بمليونين ونصف المليون جندي، كما أن الصين تتبوَّأ المرتبة الثانية في الإنفاق العسكري بعد الولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى أنّ الصين تتمتع بحدود جيوسياسية مهّمة، فهي تجاور شمالاً روسيا وعددًا من جمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقًا، إلى جانب جمهورية منغوليا، ومن الغرب تجاور أفغانستان وباكستان، ومن الجنوب تحدها بورما وتايلاند ولاوس، ومن الشرق فهي على تماس مع الكوريّتين الشمالية والجنوبية، وتقابلها من ناحية الشرق اليابان.

ومن الناحية الاقتصادية تبنّت الصين ما يُعرَف بسياسة الباب المفتوح، وهذا يعني تسخير الدبلوماسية الصينية لمصلحة علاقات التعاون الاقتصادي والتجاري الأمني والتقني مع مختلف دول العالم، ولاسيّما إفريقيا .

قال نابليون بونابرت عن العملاق النائم قبل مئة عام: إنّ العالم سيهتز عندما تستيقظ الصين!  فالنظام السياسي الصيني يؤمن أن التكامل في العالم يكون بغزو الصين للسوق العالمية، إذ بحثت العديد من الدول الإفريقية عن النموذج البديل، ووجدت أن النموذج الصيني جذاب وواضح لها؛ لأن إفريقيا والصين مرتبطتان بتاريخ مشترك بينهما؛ لكونهما من ضحايا الإمبريالية والكولونيالية الاستعمارية.

ويرى الخبراء أن للسياسة الصينية في إفريقيا بعدًا مهمًّا يدخل في إطار إستراتيجيتها لإضعاف القوى الغربية، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، بشكل يخلق وضعًا دوليًّا ملائمًا للمصالح الصينية العالمية، فإستراتيجية الصين في إفريقيا هي لأجل خلق بيئة تعددية، إذ تعتمد بكين على خطاب (جنوب- جنوب)، وهو ما يلقى صدى إيجابيًّا لدى دول القارة الإفريقية، وتؤدّي الصين دور الناطق باسم الدول النامية التي تدعو إلى خلق بيئة دولية تعددية، وإعادة النظر في الاقتصاد الدولي الذي تراه غير عادل، وينهب حقوق الفقراء.

ونشير هنا إلى أن هناك ثلاثة صفوف من المشاركين الفاعلين الصينيين في إفريقيا، وهي: الحكومة المركزية، والحكومة المحلية، والشركات المتعددة الجنسيات الصينية، وهذه الفواعل الثلاث تعدّ بمثابة الانتقال الكبير في الاستثمارات الصينية الإفريقية، وهو ما يُعرَف بالقوة الناعمة الصينية في إفريقيا. والصين تحترم التكامل الإقليمي لدول القارة، فهي تمزج بين الاقتصاد والقوة الناعمة، وتسعى بذلك إلى إيصال رسالة للعالم مفادها أن العلاقات الصينية- الإفريقية عنوانها: الوحدة، والسيادة ومنطق رابح- رابح .

1- الإستثمار في قطاعي النفط والطاقة

إنّ الهدف من النزوح الصيني إلى إفريقيا هو تحقيق غاية واحدة، تتمثّل في الاستحواذ على آبار النفط والغاز واليورانيوم، والذهب، والماس…إلخ، فالصين تحصل على نسبة 9% من نفط إفريقيا جنوب الصحراء بينما يتجه 30% منه إلى أوروبا، ومن هنا تسعى الصين إلى الاستفادة من حصص أعلى وأكثر من نفط إفريقيا .

ومن الوسائل الدبلوماسية الصينية في إفريقيا الدعوة إلى تحسين الأوضاع القائمة في القارة، مثل ما تجلّى تجاه أزمة دارفور، إذ كانت السياسة الخارجية الصينية تدعو إلى مساعدة الحكومة السودانية في معالجة ومواجهة أوضاعها الأمنية الداخلية، وبحسب الصينيين فإن الغرب لا يزال يتعامل مع إفريقيا بوصفها مستعمرة، بينما يقوم اهتمام بكين على أساس التنمية الاقتصادية المتبادلة، وتوسيع حجم الاستثمارات، حيث استطاعت الصين من خلال شركاتها العملاقة الحصول على امتياز التنقيب عن النفط في مساحات واسعة من تشاد، ووقّعت شركات النفط الصينية عقودًا مع الكونغو (برازافيل) لبدء استكشاف النفط البحري وإنتاجه، ولبدء عمليات الاستكشاف النفطي في شمال ناميبيا، حيث تتطلع الشركات الصينية إلى إنشاء مصفاة لتكرير النفط هناك، كما تدعو الصين دومًا إلى التعايش السلمي، والإسراع في تقديم جملة من المساعدات الإنسانية؛ لذا برزت الصين في إفريقيا بنموذجها المتمثل في المساعدات المالية والدبلوماسية غير المشروطة، على أنّها قوّة حضارية تفضّلها الأنظمة الإفريقية بجوهر عدم التدخل في الشؤون الداخلية.

وتسعى الصين إلى اختراق خليج غينيا الذي يمثّل أهم منطقة مستهدفة من طرف الصين، فهو غنيّ بالنفط. كما أنّ الصين استثمرت في عام 2005 في السودان أكثر من نصف صادرات السودان النفطية، وتمكنت مؤسسة النفط الصينية من شراء 40 %من أسهم شركة النيل الأعظم في السودان، التي تنتج 300 ألف برميل يوميًّا، والصين مجبرة على استيراد 60 %من احتياطاتها من خليج غينيا والسودان بحلول عام 2020؛ وذلك بحسب التقديرات الأخيرة، إذ طالما كانت السودان بوابة الصين إلى القارة الإفريقية.

ويقوم أمن الدولة الصيني بتأمين تدفق الطاقة وضمانه، وترى الخبيرة الإفريقية دامبيسا موبو في مقال لها في صحيفة نيويورك تايمز بعنوان: بكين- هيبة إفريقيا أن تهافت الصين على الموارد الطبيعية أفضى إلى نشاط تجاري واستثماري كانت إفريقيا في أشدّ الحاجة إليه، وأوجد لصادرات القارة سوقًا كبيرة، وهو ما عاد عليها بنفع كبير في سعيها لتحقيق نمو اقتصادي سريع .

2- تفهم إفريقي للدور الصيني في الإستثمار ودعم التنمية الإقتصادية المتبادلة

من بين الإستراتيجيات الصينية في إفريقيا أنها تحترم سيادة الدول، ولا تقبل التدخلات في الشؤون الداخلية للدول الإفريقية، فهي لا ترغب في إزعاج القادة الأفارقة بطموحاتها في القارة، وفي ذلك يقول سفير سيراليون في الصين: “إن الصينيين يأتون وينجزون العمل المطلوب تمامًا، من دون أن يعقدوا اجتماعات حول تقويم الآثار البيئية، وحقوق الإنسان، والحكم السيِّئ والرشيد. ولا أقول إن هذا الأمر صائب، لكن الاستثمار الصيني ناجح؛ لأن الصينيين لا يضعون معايير صارمة”. وقد أكد هذه الحقيقة الرئيس السنغالي عبد الله واد حينما قال: “إنّ فهم الصين لاحتياجاتنا أفضل من الفهم البطيء، والتغطرس في بعض الأحيان للمستثمرين الأوروبيين، والمنظمات المانحة، والمنظمات غير الحكومية. ليست إفريقيا فقط هي التي يجب أن تتعلم من الصين، بل الغرب أيضًا لهذا عدّ رئيس البنك الإفريقي للتطوير دونالد كابروكا Donald Kaberuka  أن الصين يجب أن تكون النموذج الأول والمرجع الأساسيّ لإلهام الدول الإفريقية في تحقيق تقدمها، وبموجب ذلك انطلقت العلاقات التعاونية الصينية الإفريقية مطلع عام 1990، من خلال توسيع حجم الاستثمارات الاقتصادية الصينية المباشرة، وتقديم المساعدات التقنية، ومع بداية عام 2006م، انعقدت القمة الصينية – الإفريقية في بكين حيث أعلن الوزير الأول الصيني وان جيباو Wen Jiabao  عن التزام الصين وتعهدها بتحقيق الاقتصاد المتبادل مئة مليار دولار سنة 2010م، وأثّرت الصين في إفريقيا سنة 2005م من خلال اعتبار الصين الشريك الاقتصادي الثالث للقارة الإفريقية، إذ بلغ حجم التبادل الصيني الإفريقي سنة 2006 ما يزيد على 55 مليار دولار .

 وتبرز أهمية الدوّر السياسي للصين في إفريقيا من خلال امتلاكها حقّ النقض داخل مجلس الأمن، ومن ثمّ إمكانية تعطيلها صدور أي قرار صادر عن المجلس قد يكون ضارًّا بمصالحها، وعلى رأسها استمرار تدفّق النفط إليها؛ لذا تحرص الصين دومًا على تفعيل منتديات التعاون الصيني الإفريقي .

ومن بين السياسات التعاونية أيضًا للصين، التعاون في المجال الزراعي، حيث ركزت الاتفاقيات على الوعود بإنشاء استثمارات زراعية لتأمين الأمن الغذائي للدول الإفريقية، إلّا أن الوجود الأكثر إضاءة هو استفادة الصين من المحاصيل الإفريقية؛ لسدّ الفجوة الغذائية للقبيلة المليارية، إلى جانب التعاون في المجال السياحي، حيث عملت الصين على تطوير المنشآت السياحية في إفريقيا، وتنظيم الأفواج السياسية للصينيين لزيارة إفريقيا، والتعرف عليها. وقد بلغت حجم التبادلات التجارية الصينية الإفريقية ما يزيد على 170 مليار دولار سنة 2013م، وبلغت واردات الصين منها في الزراعة ما يقارب نسبيًّا 15.1% سنة 2014 . كما بلغت العلاقات الصينية الإفريقية مستوى تاريخيًّا جديدًا، فإفريقيا المليئة بالأمل لأجل التقدّم أصبحت واحدة من مناطق العالم التي تتطلع إلى التقدم، بينما تعد الصين واحدة من أهم الدول المتطورة التي حافظت على تقدّمها من خلال خلق مناطق مصلحة، واحتياجات متبادلة، لذا فلكلتيهما فرص لأجل تطوير التعاون الاقتصادي والتجاري بينهما.

وقد برزت السوق الإفريقية، إذ هناك توافق بين الإنتاج الصيني الاستهلاكي البسيط والقدرة الشرائية المتواضعة للمستهلك الإفريقي، فالإنتاج الصيني يقدر بـ12 %من الإنتاج المصنّع في العالم، وهي اليوم على سبيل المثال المزود الأول لجنوب إفريقيا بالأجهزة الكهرومنزلية. كما أنّ الصين تعتمد على شركاتها الخاصة والعمومية، التي تستثمر بقوة في إفريقيا، وتنجم عن التزاحم على الاستثمار في القارة الإفريقية فرصة لإفريقيا للمفاضلة بين مختلف الشركات.

على الجانب الآخر، تستفيد الصين من الدعاية الإعلامية والدبلوماسية التي تصاحب بدء تنفيذ مشروعات بنية تحتية في إفريقيا، مثل إنشاء الموانئ والقطارات السريعة، لتؤكد أن الهدف الأساسي من هذه المشروعات هو تعظيم استفادة الدول الإفريقية من هذه المشروعات التنموية، وليس بسط نفوذها في القارة الإفريقية.

3- معوقات تطور العلاقات الصينية الإفريقية

  إنّ العلاقات بين الصين ودول شمال إفريقيا قديمة، وقد ازدادت وتقوّت أكثر بعد التوجه نحو نظام متعدد الأقطاب، وانتقال مركز الاقتصاد العالمي من الولايات المتحدة الأمريكية إلى مراكز أخرى منافسة لها، وهذه العلاقات علاقات اقتصادية بالأساس، وهي تقوم على التخصص بين المورّدين للمواد الخام من جانب دول شمال إفريقيا، ومقدّمي السلع المصنعة والخدمات من الجانب الصيني،  كما يجري أيضًا العمل على تطوير الشراكة في المجال العسكري، وكلّ هذا من شأنه أن يخلق فرصًا للتنمية في دول شمال إفريقيا، لكن هذا لا يخلو من محاذير النفوذ الاقتصادي الصيني في دول شمال إفريقيا، كالمبادلات التجارية غير المتكافئة، فالصين تصدّر منتجات متنوعة للمنطقة، بينما تقتصر صادرات دول شمال إفريقيا على المعادن والنفط، ومن ثَمّ عدم إمكانية المنافسة، وتحويل دول شمال إفريقيا إلى مجرد سوق كبير لصرف المنتجات الصينية، وخلق إشكالية القدرة التنافسية للمستثمرين المحليين، ومنه سيطرة الشركات الصينية على المستوى البعيد على الاستثمارات الوطنية لدول شمال إفريقيا.

والمشكلة الأخرى هي توظيف العمالة الصينية من طرف المستثمرين الصينيين لما تتميز به الصين من مهارات السرعة والكفاءة في العمل، وهذا يؤثر في سوق الشغل في الدول المستضيفة، ويسهم في رفع معدلات البطالة، وهو ما يظهر في قطاع الأشغال العمومية، حيث تطرح مسألة الهجرة الصينية إلى دول شمال إفريقيا تحدّيًا كبيرًا أمام الدول المستقبلة، ولاسيّما الجزائر التي يوجد بها أكثر من 20 ألف مهاجر صيني، وهذا يطرح إشكالًا آخر يتعلق بالاندماج بين المهاجرين الصينيين وأهل البلد في ظلّ اختلاف القيم الثقافية بين المجتمعين، إلى جانب أن الحضور الاقتصادي المتزايد للصين في المنطقة قد يؤدي إلى تورطها في القضايا السياسية في القارة الإفريقية، خصوصًا في أوقات الأزمات والاضطرابات والحركات الاحتجاجية التي شهدتها المنطقة منذ عام 2010م، بدءًا بتونس ثم مصر فليبيا.

4-  مبادرة “الحزام والطريق” تنموية أم فخ لتراكم ديون؟

 ساهمت مبادرة “الحزام والطريق” في تعزيز العلاقات الصينية الإفريقية، حيث تحتاج الدول الإفريقية لتمويل وإنشاء مشروعات بنية تحتية، في حين أن بكين تمتلك عدة أذرع وآليات تمويلية، فضلًا عن أن المبادرة تهدف في الأساس إلى ربط أكثر من 70 دولة من خلال إقامة مشروعات بنية تحتية عملاقة.

ويشير الكاتبان مارك لاجون وراشيل سادوف إلى أنه لكي تحصل الدول الإفريقية على قروض حكومية صينية في إطار هذه المبادرة؛ فإنه يتعين عليها التوقيع على عقد مع الحكومة الصينية تتعهد بموجبه الدول الإفريقية بتقديم ضمانات سيادية فيما يتعلق بالأصول الاستراتيجية، مثل (النفط، والأراضي والمرافق التي سيقام عليها المشروع، ومطارات)، بمعنى أنه إذا لم تتمكن الدول الإفريقية من سداد هذه القروض، فيحق لبكين الاستحواذ على هذه الأصول، سواء بامتلاكها أو إدارتها إلى حين أن تقوم الحكومات الإفريقية بالوفاء بالتزاماتها المالية.

ولكنّ الكاتبين – في الوقت ذاته – يؤكدان أن هناك عددًا من الدول الإفريقية التي قد استفادت من المشروعات الممولة من الحكومة الصينية، وأصبح العدد الأكبر يرزح تحت نير الديون المتراكمة. فعلى سبيل المثال، تعادل قيمة الديون الكينية المستحقة للصين حوالي 60% من الناتج المحلي الإجمالي لكينيا، فضلًا عن أنه كان من الممكن أن تسلم الدولة الإفريقية أكبر موانئها لبكين لتسديد هذه الديون. ورغم نفي الرئيس الكيني ما أثير حول استحواذ الصين على الميناء، إلا أنه في أوائل عام 2019 تم تسريب عقد صيني-كيني ينص على أن كينيا ليست لديها حصانة حتى “على أساس السيادة على أصولها الاستراتيجية”.

وفي السياق ذاته، شكلت الاستثمارات الصينية 30% من الدين الخارجي العام لإثيوبيا، و90% من ديونها الثنائية الجديدة منذ عام 2015. كما تواجه جيبوتي، التي تستضيف أول قاعدة عسكرية تنشئها الصين في الخارج، مخاطر عالية من الديون المحتملة نتيجة الانخراط في مشروعات البنية التحتية في إطار مبادرة “الحزام والطريق”.

كما أشار الكاتبان إلى أن القروض الصينية تعد آلية تمويل جذابة للدول الإفريقية، وذلك لأنها لا تتضمن أي رقابة من الجانب الصيني على أوجه صرفها، مما يعني أنه إذا تم تبديد هذه الأموال دون إقامة المشروعات، فستجد الدول الإفريقية نفسها في فخ تراكم ديونها. في حين أن المتابعة الصينية الوحيدة تكون لعمليات سداد هذه القروض بشكل منتظم، وهو ما يتناقض بشكل صارخ مع النماذج التقليدية للمساعدات الإنمائية خاصة القروض، فالولايات المتحدة -على سبيل المثال- تعطي الأولوية للشفافية، وتطلب موافاتها بوثائق تفصيلية للمشروع، وكذلك تقارير للتقييم البيئي والاجتماعي لآثار المشروع، كما تتم مراقبة مشتريات المشروع ومعدلات التنفيذ.


تابع

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.