2021-04-11

لبنان بين الحياد المستحيل والتّدويل المنشود: المشكلة كانت وما زالت بالسّلاح غير الشّرعي

اسلحة مدرعة وصاروخية لدى "حزب الله"
اسلحة مدرعة وصاروخية لدى "حزب الله"

رياض قهوجي  

كثر الحديث في لبنان في الآونة الأخيرة عن موضوعي الحياد والتدويل. وفي حين أن الأول هو أمل مرجو يصعب تحقيقه في لبنان، إلا أن الأخير هو واقع اختبره لبنان ولا يزال يعيش تداعياته. الحياد في لغة العلاقات الدولية هو أن لا تدخل أي دولة في أي تحالف أو محور تقوده قوى دولية أو إقليمية مهما كلف الأمر. سويسرا هي المثال الذي يحتذى، إذ إنها وقفت على الحياد طوال حربيين كبيرتين شهدتهما القارة الأوروبية في القرن الماضي، بالإضافة الى الحرب الباردة. لكن الحياد ليس خياراً تأخذه الدولة المعنية فقط، بل يجب أن يساعدها الواقع الجيوسياسي على ذلك، وتحترم دول الجوار ذلك. فلقد وجدت العديد من القوى فائدة في دور سويسرا الحيادي والذي أهلها للعب دور الوسيط في الكثير من النزاعات الدولية. كما أن الدول المتصارعة في الحرب العالمية الثانية احترمت سيادة سويسرا وتجنّبت اختراقها.

لم يجد لبنان القدرة على التزام خيار الحياد عندما أراد ذلك، فهو يقع على حدود فلسطين، وشارك في الصراع العربي – الإسرائيلي منذ اليوم الأول

لم يجد لبنان، حتى في أيام عزه، القدرة على التزام خيار الحياد عندما أراد ذلك. فهو يقع على حدود فلسطين، وشارك في الصراع العربي – الإسرائيلي منذ اليوم الأول. ونزوح عشرات آلاف الفلسطينيين الى أراضيه جعله جزءاً من تداعيات الأزمة الفلسطينية والمستمرة حتى يومنا هذا. لكن لبنان استطاع الحفاظ على مكانته ودوره كدولة مستقلة تدافع عن سيادتها برغم الحروب العربية – الإسرائيلية حتى آخر ستينات القرن الماضي. والفضل بذلك يعود لقوة المؤسسات فيه حينها، ولوجود طبقة سياسية تتمتع بحس وطني ولا يخترقها الفساد كما الحال اليوم. موافقة لبنان على اتفاق القاهرة عام 1969 والذي شرّع عمل المنظمات الفلسطينية ضد إسرائيل، هي الخطوة التي ضربت المؤسسات اللبنانية الأمنية والعسكرية بالصميم، لأنها سمحت بوجود قوى مسلحة على الأرض اللبنانية من خارج القوى الشرعية. وهذا واقع لم يتغير حتى هذه اللحظة. ففي حين أن المنظمات الفلسطينية لم تعد اليوم الجهة الرئيسية التي تملك ميليشيات مسلحة ومسيطرة في لبنان، فإن مجموعات أخرى تملك ميليشيات مسلحة تسيطر على قرار الحرب والسلم. 

ولقد شهدت ما كانت تعرف سابقاً بدول المواجهة (أي التي تقع على حدود إسرائيل مثل الأردن وسوريا ومصر) تحركات للمنظمات الفلسطينية المسلحة. لكن الحكومات في هذه الدول، باستثناء لبنان، أدركت الخطر على مؤسساتها الأمنية والعسكرية مبكراً وتحركت بسرعة لإنهاء وجود هذه المجموعات خارج بعض المخيمات المحددة، ولم يسمح لها بشن أي عمليات عسكرية من دون موافقة الحكومة المركزية. وعندما تمردت هذه المنظمات المسلحة على قرار الدول قُمعت بقوة كما جرى في الأردن. النظام السوري لم يسمح للمنظمات الفلسطينية بإطلاق رصاصة واحدة من الجولان منذ حرب 1973، وبقي حاملاً راية “الصمود والتصدي” والعمل العسكري المقاوم ضد إسرائيل، لكن من داخل لبنان فقط. 

وعليه، فإن مشكلة لبنان ليست بقرار الحياد، بل بوجود السلاح غير الشرعي الذي أضعف دور المؤسسات العسكرية والأمنية، وأنهى دور الدولة كصاحبة القرار الحصري في استخدام القوة وحماية أراضيها. الجامعة العربية كانت أول من ضرب خيار لبنان في الحياد، إن كان موجودا حينها، وبالتالي على الدول العربية اليوم أن تساهم مساهمةً كبيرة في المساعدة على استمرارية لبنان كدولة محايدة لا تنتمي الى أي من المحاور الإقليمية. كما أن على القوى اللبنانية المحلية التي دعمت اتفاق القاهرة حينها أن تحدد موقفها اليوم، إن كانت تريد أن يبقى لبنان الساحة الوحيدة في العالم العربي للمواجهة العسكرية المفتوحة مع إسرائيل. فلم يعد هناك مكان للوجود في المنطقة الرمادية: إما مع العمل العسكري بواسطة مجموعات مسلحة ضمن دولة فاشلة لا تملك أي مؤسسات فاعلة، أو مع عودة دولة المؤسسات التي تحتكر حمل السلاح، واستخدام القوة، وقراري الحرب والسلم. فالخيار ليس بالحياد أو عدمه، بل في وجود دولة ذات سيادة كاملة، أو لا دولة مع سيطرة السلاح غير الشرعي. وليس في لبنان اليوم أي تنظيم أو حزب يعارض حق الشعب الفلسطيني في أرضه ويؤيد التزام قرارات جامعة الدول العربية بما يخص ذلك، وبالتالي فإن لبنان بمكوّناته كافة ليس محايداً بتأييده للقضية الفلسطينية. 

لكن واقع لبنان هو أنه اليوم في نفق طويل مظلم يبحث الجميع فيه عن بصيص نور في نهايته. كيف يمكن للبنان أن يخرج من الواقع الحالي، حيث القوى غير النظامية المسلحة فيه هي جزء أساسي من المحور الذي تقوده إيران والذي يستهدف إسرائيل ودولاً عربية أخرى؟ وكيف يمكن إقناع جهة تمتلك فائضاً كبيراً من القوة على التخلي عن سلاحها والسماح بعودة المؤسسات الى العمل بفعالية في لبنان؟ هنا يأتي خيار التدويل، وهو الخيار الأقل ضرراً، وليس بجديد على لبنان. فالحرب الأهلية اللبنانية انتهت عبر اتفاق الطائف، أي نتيجة رعاية ودعم دوليين. اتفاق الدوحة هو شكل من أشكال التدويل بصيغة مصغرة. كما أن حرب تموز (يوليو) 2006 انتهت بقرار دولي (1701). فمن أجل أن يستعيد لبنان سيادته وتكون فيه دولة فاعلة في كل مؤسساتها، يجب إنهاء ظاهرة السلاح غير الشرعي، بخاصة المرتبط بمحور خارجي. ولإنهاء هذا الواقع هناك أربعة سيناريوات فقط، هي:

  •  إما أن يتخلى “حزب الله” عن سلاحه طوعاً ضمن سياسة دفاع وطنية تحظى باتفاق غالبية اللبنانيين.
  • أو ضمن تسوية مع إيران تأتي نتيجة إما اتفاق سياسي أو حرب إقليمية تنهزم فيها طهران. وهذا الخيار وفي وجهيه هو حل عبر التدويل.
  • أو حرب أهلية لبنانية جديدة بين قوى محلية مدعومة ومسلحة من جهات خارجية تؤدي الى التدويل واتفاق جديد مثل الطائف.
  • أو تدخل دولي يكون عبر تحرك للدول الخمس الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن لفرض قرارات تحت البند السابع تنهي وجود السلاح غير الشرعي في لبنان وتؤدي الى قيام دولة فاعلة. لكن هل يمكن لهذه الدول أن تقدم على خطوة كهذه من دون سبب أو عامل ضغط كبير؟ 

 لا سوابق على تحرك لمجلس الأمن بقرارات ملزمة لإنهاء نزاعات داخل الدول من دون وجود سفك دماء وحروب. وبالتالي، فإن لبنان بحاجة الى معجزة أو حدث كبير يؤدي الى خطوة كهذه. كان يمكن لانفجار المرفأ أن يؤدي الى ذلك. لكن المبادرة الفرنسية قتلت هذه الفرصة، وشلّت التحركات الدولية كافة، وأعادت الوضع في لبنان الى أسوأ ما كان عليه قبل ثورة 17 تشرين الأول (أكتوبر) 2019. وقد تشكل الانتفاضة الجديدة في الشارع اللبناني، إذا ما تصاعدت واستمرت، الفرصة لفرنسا وغيرها من الدول للتحرك عبر مجلس الأمن لإيجاد حل جذري للواقع المزري في لبنان. آن الأوان للبنانيين أن تكون لهم دولة تتمتع بسيادة كاملة وتحتكر المؤسسات الأمنية والعسكرية فيها حمل السلاح على الأرض.   

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.