2021-05-09

محادثات فيينا والحرب الاستخباريّة الإيرانيّة – الإسرائيليّة: هل تنجح الدبلوماسيّة؟

محادثات فيينا
محادثات فيينا

رياض قهوجي  

تتجه أنظار المجتمع الدولي نحو المحادثات غير المباشرة في فيينا بين الأميركيين والإيرانيين، بحضور الأطراف المشاركين بالاتفاق النووي الذي وقّع مع طهران عام 2015، والذي انسحبت منه إدارة الرئيس دونالد ترامب عام 2018.

فبرغم التصريحات الصادرة عن المشاركين حول الأجواء الإيجابية، إلا أنه لم تظهر أي نتائج ملموسة حتى الآن توحي بفكفكة مجموعة العقد الكبيرة التي تقف في طريق المساعي لإحياء الاتفاق السابق، والبناء عليه لاتفاقية جديدة تريدها واشنطن أن تشمل ملفي الصواريخ البالستية وتصرفات إيران الإقليمية. لكن الحرب الاستخبارية التي تشمل استخدام وسائل عنف بين إيران وإسرائيل تؤثر في مجريات الأمور. فتل أبيب كانت وما زالت ضد اتفاق يتيح لإيران امتلاك القدرة على تخصيب اليورانيوم ولا يحد من قدرات صواريخها البالستية ولا يشمل مصير الميليشيات التابعة للحرس الثوري والمتمركزة اليوم على حدودها الشمالية، وتحديداً في سوريا. أما إيران فتأمل عبر الاتفاق أن تتغاضى أميركا عن سياساتها التوسعية في المنطقة وتتجاهل تنامي قدراتها الصاروخية، كما كانت الحال خلال إدارة الرئيس باراك أوباما.

من المستغرب وجود منافسة كهذه بين عدوّين لدودين، أحدهما حليف استراتيجي للطرف المعني الأول، أي أميركا، والآخر يعتبر نفسه في عداء تاريخي – ديني مع الشيطان الأكبر – أميركا. المستغرب في الأمر أن أميركا تسعى الى التقارب مع الخصم من دون إغضاب الحليف. فبحسب مصادر أميركية عدة، فإن إسرائيل مصممة على منع إيران من اقتناء القدرة على تصنيع سلاح نووي مهما كلف الأمر. حتى الآن، تتجنب إسرائيل، كما إيران، الإقدام على خطوات قد تؤدي الى نشوب حرب إقليمية. فكل منهما يبقي هجماته على الآخر في إطار العمل الاستخباري، ولا يعترف أي منهما رسمياً بعملياته ضد الجانب الآخر. لكن طبعاً يقوم بتسريب الأخبار لوسائل إعلامه لإيصال رسائل في شتى الاتجاهات، وهذه حركة لها تداعياتها الخطيرة. 

الضربة الإسرائيليىة الأخيرة ضد مفاعل نطنز تظهر مجدداً مدى الاختراق الإسرائيلي للأجهزة الأمنية وللمنشآت الاستراتيجية الإيرانية. فسلسلة الهجمات التي بدأت منذ أكثر من عام على منشآت عدة في إيران تمثلت في تفجيرات وحوادث حريق كبيرة، وشملت أيضاً اغتيال كبير العلماء النوويين، أثبتت قدرة الاستخبارات الإسرائيلية على ضرب أي هدف ومتى شاءت داخل إيران. وحتى الأهداف الإيرانية خارج الجمهورية الإسلامية، وتحديداً على الساحة السورية، فهي كانت وما زالت عرضة لغارات شبه أسبوعية تشنّها الطائرات الإسرائيلية ضد مخازن للصواريخ والأسلحة التابعة للحرث الثوري. والأهداف الواضحة للاستراتيجية الإسرائيلية هي كالآتي:

• احتواء قدرات إيران العسكرية في سوريا ولبنان ومنعها من نشر صواريخ دقيقة.
• تقليل قدرة إيران على تمويل “حزب الله” والنظام السوري عبر إرسال شحنات من النفط الخام والمشتقات النفطية الى المرافئ السورية.
• عرقلة المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران، أو أقله التأثير في مجرياته بحيث يخدم المصالح الإسرائيلية ولا يعارضها.

يرى بعض المراقبين أن الهجوم على نطنز والذي يعتقد أنه أدى الى وقف عمليات التخصيب أشهراً عدة، سيساعد المفاوض الأميركي في الضغط على الجانب الإيراني. فأداة الضغط الأساسية لطهران على طاولة المفاوضات كانت مسألة سرعة تخصيبها لليورانيوم، إذ كان المفاوض الإيراني يهدد، ولا يزال، بمضاعفة حجم التخصيب إذا لم تقدم أميركا سريعاً على رفع العقوبات بالكامل عن إيران كشرط للعودة لتنفيذ بنود الاتفاق القديم. لكن مع تضاؤل قدرة إيران اليوم على التخصيب نتيجة الهجوم الأخير، فإن المفاوض الأميركي بات في موقع أفضل بكثير من قبل ويستطيع التشدد أكثر في فرض شروطه.

لكن هل ستذعن إيران؟ 

برغم وضعها الاقتصادي الصعب واستمرار انهيار عملتها وارتفاع نسبة التضخم، لا تزال إيران مصرّة على المكابرة والمضي قدماً في سياساتها من دون إظهار النية أو الاستعداد للمساومة على أي من مكتسباتها في الملفات الأساسية، بدءاً بالبرنامج النووي، ومروراً بتطوّر صواريخها البالستية ونشرها في المنطقة، وصولاً الى سياستها التوسعية وتنامي نفوذها في دول تنتشر فيها ميليشيات حليفة لها مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن. حتى أن الدول الأربع المذكورة الخاضعة لسيطرة إيرانية تعاني جميعها أوضاعاً اقتصادية مزرية ومتشابهة، وتعاني أيضاً انقسامات سياسية ومشكلات أمنية جمة. لكن طهران غير معنية بمأساة سكان هذه الدول التي هي بالنسبة اليها مساحات للصراع مع خصومها ولتوسيع دائرة نفوذها بغضّ النظر عن التكلفة على شعوبها. 

تتعرض اللعبة الاستخبارية الإيرانية – الإسرائيلية لخطر انزلاقها نحو حرب إقليمية غير مقصودة نتيجة “تبجح” قيادات فيهما من أجل مكاسب سياسية. فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تعرّض أخيراً لانتقادات من مسؤولين إسرائيليين لتسريبه معلومات عن هذه العمليات من أجل تحسين وضعه السياسي الداخلي بسبب الانتخابات التشريعية المتكررة هناك خلال السنتين الماضيتين. كما أن قرب الانتخابات الرئاسية في إيران يزيد من حجم التنافس، ما يدفع بمسؤولين لتسريب معلومات عن هجمات إيرانية على سفن إسرائيليىة. هذه التسريبات تسبب إشكالاً لدى الطرف الآخر الذي يجد نفسه مضطراً لعمل انتقامي يرفع من روح الوطنية، ويعزز دوره كمدافع عن أمن الوطن وحقوقه ومصالحه. كما أن هيبة الردع، وتحديداً لإسرائيل، تكون على المحكّ في كل مرة تتعرض لأي هجوم عسكري. استخدام هذه الهجمات لمكاسب سياسية داخلية قد يؤدي لردود فعل غير محسوبة، الأمر الذي قد يشعل حرباً إقليمية. 

الحلول الدبلوماسية تبقى الأسلم والأجدى في منطقة شهدت ما يكفيها من نزاعات عسكرية. ولذلك، يأمل المجتمع الدولي أن تؤتي محادثات فيينا ثمارها، وتؤدي ليس فقط الى حل في الملف النووي، بل الى حلول تشمل مشكلات إقليمية أخرى مثل الأوضاع في الدول الأسيرة للنفوذ الإيراني. فلبنان على حافة انهيار شامل غير مسبوق نحو ما وصفه الرئيس اللبناني بـ”جهنم”، واليمن يشهد دماراً يومياً نتيجة الحرب المستعرة فيه، وسوريا تشهد حروباً مختلفة على ساحتها بانتظار الاتفاق على آلية الانتقال السياسي، والعراق يواجه منافسة بين ميليشيات السلاح وقوى الشرعية على من سيسطر على قرار الدولة. الرهان والأمل أن يؤدي أي اتفاق أميركي – إيراني الى حلول سياسية لمشكلات المنطقة، لا الى تصعيد في هذه المشكلات وتغاض عن سياسة إيران التوسعية كما جرى بعد اتفاق عام 2015.     

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.