2021-10-25

من مواجهات القدس الى حرب غزة: الصّراع الفلسطيني – الإسرائيلي بين خيار الحجر والصّاروخ

رياض قهوجي

 أظهرت المواجهات المشتعلة في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ أكثر من أسبوع، كم تغيّر وجه الحرب في العقدين الأخيرين وتغيّر معها مفهوم الأمن. فلم تعد هناك حاجة لطائرات هجومية لضرب الجبهة الخلفية، ولم تعد هناك حاجة لاستيراد الصواريخ من الخارج للحصول على قدرة نارية، ولم تعد هناك حاجة لأقمار اصطناعية لاستطلاع مواقع العدو الخلفية، ولم تعد هناك حاجة لطواقم صحافية كبيرة لتغطية الأخبار وحشد دعم الرأي العام الدولي.

فـ”حماس”، هي منظمة فلسطينية تنافس منظمة التحرير على تمثيل الفلسطينيين، وبالتالي لا تعتبر الممثل الشرعي لهم. بل هي تنظيم مسلح له ارتباطات خارجية مع قوى إقليمية، تحديداً إيران، ويعتبر نفسه جزءاً من محور المقاومة الذي تقوده طهران. والإعلام اليوم لا يتحدث عن حرب بين الفلسطينيين وإسرائيل بل بين “حماس” وإسرائيل في غزة.

هذه ليست اتهامات بل وصف لواقع يعترف به قادة “حماس” أنفسهم. وبناءً عليه، فإن هذه المجموعة غير الحكومية تمكّنت من إنتاج كميات كبيرة من الصواريخ، مستخدمة تكنولوجيا نقلت اليها من جهات إيرانية وطورتها محلياً. كما طوّرت أيضاً طائرات من دون طيار للاستطلاع والهجمات الانتحارية. وبالتالي، هي ليست بجيش نظامي، بل تطبق استراتيجية الحرب الهجينة بنجاح كبير أحدث إرباكاً واضحاً في صفوف المسؤولين الإسرائيليين الذين يتعاملون مع هذا الخطر، في وقت يواجه رئيس وزرائهم معركة سياسية داخلية. وعليه، فإن أولوية بعض قادة إسرائيل ليست هزيمة الخصم، بل تسجيل مكتسبات سياسية والحد من الخسائر للفوز في انتخابات تشريعية جديدة باتت حظوظ إجرائها كبيرة اليوم نتيجة فشل قادة المعارضة في تشكيل حكومة.

الحرب الهجينة هي مزيج من استخدام وسائل لحرب العصابات والحرب النظامية للجيوش بأسلحة تقليدية، مصحوبة مع هجمات إلكترونية وحرب إعلامية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لتضخيم حجم الإنجازات ومعها قدرة الجهة التي تشنها، ومنع الطرف الأقوى عسكرياً من تحقيق مكاسب تكتيكية أو سياسية مهمة. استخدمت “حماس” أسلوب الهجمات المشبعة أو هجمات الأسراب من الصواريخ بهدف اختراق منظومة القبة الحديدة الإسرائيلية، وتمكّنت من ذلك يومياً. والأهم من ذلك أنها زادت من مدى صواريخها لتطال العمق الاستراتيجي لإسرائيل. وأظهرت الهجمات إدراكاً مسبقاً لمقاتلي “حماس” بإحداثيات المناطق المستهدفة، وحاولت استخدام طائرات من دون طيار لجمع المعلومات. كما تمكنت من نصب بعض الكمائن للدوريات الإسرائيلية. ونجحت في نقل مشاهد المعارك الى الخارج بطريقة تظهرها على أنها قادرة على الاستمرار والمواجهة، وربما الانتصار. لكن هل فعلاً تستطيع الانتصار؟

الانتصار السياسي لـ”حماس” وارد جداً في ظل انقسام القيادة الإسرائيلية وتضارب أولوياتها بين الوطني والشخصي والحزبي. فالقادة العسكريون يعلمون جيداً موازين القوى، ويدركون أن بإمكان الجيش الإسرائيلي اجتياح غزة والقضاء على “حماس”. لكن هذه العملية ستخلف دماراً هائلاً ينتج منه تشريد عشرات الآلاف، وستؤدي الى مئات أو ربما آلاف القتلى في صفوف المدنيين الفلسطينيين، بالإضافة الى خسائر بشرية معتبرة في صفوف الإسرائيليين. والأهم من اقتلاع “حماس” من غزة بالنسبة الى الإسرائيليين هو ماذا يلي ذلك؟ هل ستعود إسرائيل لاحتلال غزة، وبالتالي تصبح مسؤولة مباشرةً عن مصاريف إيواء وإغاثة المدنيين وتوفير حاجاتهم من طبابة وخدمات أخرى؟ من يستطيع أن يتسلم زمام الأمور في غزة بعد تدميرها؟ هذه أسئلة لا يبدو أن القيادة الإسرائيلية تملك أجوبة عليها، ولذلك هي تستخدم سياسة مبنية على توجيه ضربات لإضعاف “حماس” والتنظيمات الجهادية الأخرى، وفي الوقت نفسه تدمير البنية التحتية لزيادة حجم الضغوط الداخلية على قيادة الحركة وحلفائها من أجل استنزافهم وتقليب الرأي العام الداخلي ضدهم. وتظهر الوقائع أن إسرائيل تستطيع تحقيق مكاسب عسكرية عديدة، لكن تبقى نتائجها السياسية والاقتصادية غير مضمونة. أضف الى ذلك عامل التهديد للجبهة الداخلية الذي أحرج الجانب الإسرائيلي من دون أن يفاجئ العسكريين الذين كانوا يدركون أن منظومة الدفاع الصاروخي لن تمنع كل الصواريخ من الوصول الى أهدافها.

وفي موازاة ما يجري في غزة، هناك المواجهات في القدس الشرقية والضفة الغربية والمدن الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل عام 1948. وهذه المواجهات بدأت قبل أن تدخل “حماس” المعركة بصواريخها وتختطف الأضواء من حوادث كانت نالت تعاطفاً دولياً كبيراً ومهماً قلّ نظيره. فبين معادلة الحجر والصاروخ، ربح أو خسارة دعم رأي عام دولي فلسطين هي بأمسّ الحاجة له. وفي مراجعة موضوعية لتاريخ الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وفصوله، يظهر أن أهم دعم دولي للقضية الفلسطينية حدث خلال الانتفاضة الأولى، والتي حققت مكتسبات لم تتوقعها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت حينها في عزلة في تونس، ومن ثم وجدت نفسها في مدريد تصافح قادة العالم الذين أجبروا الإسرائيليين على الحضور والاعتراف بالمنظمة كممثل شرعي للفلسطينيين. لم يؤد العمل الفلسطيني المسلح لتحرير أي جزء من فلسطين، بل أدى الى حروب بين المنظمات الفلسطينية في ما بينها وضد المؤسسات الأمنية في الأردن ولبنان.

الهبة الأخيرة لما يُعرف بفلسطينيي 1948 وأهالي القدس الشرقية أحدثت صدمة كبيرة داخل الرأي العام الإسرائيلي والدولي. فإسرائيل التي يتبجح مسؤولوها باستمرار بأنهم الدولة الديموقراطية الليبرالية الوحيدة في الشرق الأوسط، وجدوا أنفسهم يحاولون تبرير أعمالهم العنصرية والقمعية ضد مواطنين يحملون الجنسية الإسرائيلية. حتى أن اقتراح نتنياهو إرسال الجيش الى المدن الإسرائيلية جوبه برفض شديد من المؤسسة العسكرية ومسؤولين آخرين، لأن ذلك غير مسموح به دستورياً ولا في أعراف الدول الديموقراطية الليبرالية. وبالتالي، فإن انتفاضة فلسطينيي 1948 كان لها وقع كبير سُمعت أصداؤه في منابر تلفزيونية وقاعات برلمانات دول عدة حول العالم، وتحديداً في أوروبا وأميركا. وسلبت صواريخ “حماس” الأضواء بسرعة وهمّشت الحدث الأساسي وهو عمليات تهجير سكان القدس وسلب حقوق الفلسطينيين والعنصرية الإسرائيلية ضدهم. 

على القادة الفلسطينيين إجراء مراجعة شاملة لاستراتيجيتهم، إن كان هناك من واحدة. وفي هذه المراجعة يجب أن يكون هناك كم كبير من الوعي الوطني والواقعية في مقاربة الوقائع المعيشية والاقتصادية والسياسية والعسكرية للبناء عليها وتحديد خطواتهم. فعندما يكون هناك تحرك شعبي ناجح يؤتي ثماره في المحافل الدولية، يجب على الجميع دعمه وتركه يأخذ مجراه لتحقيق المكتسبات المرجوة منه، لا أن تدفع العواطف والمصالح الخاصة والخارجية لعمليات عسكرية تفقد الانتفاضة زخمها وفعاليتها. فهل هناك فعلاً منافسة بين من يحبّذ الانتفاضة الشعبية السلمية ومن يريد المقاومة المسلحة فقط على الساحة الفلسطينية؟ فإن كان هذا هو الواقع، فإن القيادة الفلسطينية لن تتمكن من تحقيق أي مكاسب تذكر سوى بطولات على أشرطة فيديو وصور على وسائل التواصل الاجتماعي. الأهم من إطلاق صاروخ هو منع تهديم منزل في القدس وتهجير فلسطينيين، وتعرية إسرائيل في المحافل الدولية كدول عنصرية تغتصب أرض شعب يجب تحريره.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.