2021-07-31

خفايا الدّعم الدّولي للجيش اللبناني: الخوف من الانهيار الكبير وتداعياته الأمنية… واللاجئين

معدات عسكرية للجيش اللبناني
معدات عسكرية للجيش اللبناني

رياض قهوجي  

يثير موضوع اهتمام المجتمع الدولي بدعم الجيش اللبناني العديد من التساؤلات داخل لبنان وخارجه، وتحديداً لماذا تتصدر دول غربية قائمة الجهات الداعمة له، بخاصة أن القيادة السياسية الممسكة بزمام السلطة فيه حالياً تتبع لمحور الممانعة الذي تقوده إيران ويتناغم مع روسيا. فالولايات المتحدة الأميركية تتصدر قائمة الدول المانحة للجيش بميزانية سنوية تقارب 200 مليون دولار، تليها بريطانيا وألمانيا وفرنسا. وكانت المساعدات سابقاً تقتصر على الأسلحة والمعدات والذخائر والتدريب.

أما اليوم ونتيجة الأزمة الاقتصادية الحادة وانهيار الليرة اللبنانية، فبات الدعم يشمل مساعدات غذائية وطبية لتمكين المؤسسة العسكرية من توفير الطعام والطبابة لنحو 84000 جندي وضابط باتت خزينة الدولة المفلسة عاجزة عن تأمين متطلباتهم المعيشية لممارسة مهامهم العديدة والخطرة. وشهد مطار بيروت أخيراً وصول طائرات نقل عسكرية تحمل مساعدات طبية وغذائية من جيوش عربية وغربية للجيش اللبناني، ويتوقع أن يأتي المزيد في وقت تسعى فرنسا لتنظيم مؤتمر دولي في باريس خلال الأسابيع المقبلة لدعم الجيش اللبناني لتمكينه من الاستمرار وتنفيذ مهامه كافة.

ويقول أرام نيرغيزيان، الباحث في مؤسسة الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، إن الحكومة الأميركية تميّز بين مؤسسة الجيش المحترفة والناجحة والحكومة اللبنانية ذات الأداء المتدني. فلقد أثبتت المؤسسة العسكرية نفسها بجدارة في أكثر من مناسبة، كان أهمها هزيمة “داعش” و”القاعدة” والقضاء على المجموعات المتشددة. ويضيف نيرغيزيان أن واشنطن تعتبر أن مؤسستي الجيش اللبناني والمصرف المركزي هما أهم ما يحافظ على وجود لبنان وكيانه كنظام ديموقراطي ذي اقتصاد حر، ويتم اليوم استهدافهما لإضعافهما لتسهيل السيطرة التامة على هوية الدولة ومقوماتها وقدراتها كافة، وإخضاعها كلياً لسيطرة قوى خارجية مثل إيران وروسيا. ولقد أعلنت السفيرة الأميركية في 28 أيار (مايو) الماضي عن قرار بزيادة المساعدات الأميركية للجيش هذه السنة 15 مليون دولار لتصبح 220 مليون دولار. كما أقرت وزارة الدفاع الأميركية هبة 59 مليون دولار لمساعدة الجيش في مهام حماية الحدود، بالإضافة الى تقديم ثلاث سفن دورية طراز بروتكتر (طول 27 متراً) لتعزيز قدرات البحرية اللبنانية على حماية الحدود البحرية من عمليات التهريب بكل أشكاله. 

التركيز على مسألة أمن الحدود هدف أساسي ومحفز رئيسي للدول الغربية لمساعدة الجيش. فهذه الدول تراقب كيف ينهار الأمن الإنساني في لبنان نتيجة فشل الدولة والتدهور الاقتصادي. والأمن الإنساني في مكوّناته السبعة – الأمن الاقتصادي والأمن الصحي والأمن التربوي والأمن السياسي والأمن البيئي والأمن الشخصي والأمن الاجتماعي – يتفكك بسرعة في دولة بات أكثر من نصف سكانها تحت خط الفقر وتستضيف مليوناً ونصف مليون لاجئ سوري وفلسطيني. وبالتالي، فإن الانفجار الاجتماعي الكبير قادم مع انعدام الحلول السياسية لأزمات البلد المتعددة والمترابط بعضها مع أزمات المنطقة. وسينعكس الانهيار الكبير في لبنان مباشرةً على الأوضاع في سوريا، كون لبنان هو الرئة والمتنفس الاقتصادي لسوريا. تدهور الأوضاع في لبنان دراماتيكياً وانعكاسه على سوريا سيولد موجة نزوح كبيرة من لبنان ومن سوريا عبره باتجاه أوروبا. كما أن هذا الوضع سيوجد بيئة حاضنة للمجموعات الإرهابية المتشددة، بخاصة أن “داعش” لا يزال نشطاً في البادية السورية. 

تقديم العون للجيش اللبناني هو إذاً حركة استباقية من قبل الغرب لمنع تمدد المجموعات المتطرفة الى لبنان، ولوقف أي عمليات هجرة عبر البحر أو عبر الحدود اللبنانية باتجاه البحر للوصول الى شواطئ أوروبا. كما أن ذلك يساعد على تمكين الجيش من أن يحكم السيطرة يوماً ما على المنافذ البرية والبحرية والجوية لمنع دخول الممنوعات كافة، ومنها السلاح – بعد توفر الغطاء السياسي الدولي والداخلي لمثل هذه الخطوة التي تبدو صعبة في الوقت الراهن. ويلعب الجيش اللبناني اليوم أدواراً أمنية عدة ليست من مهامه الأساسية مثل مكافحة المخدرات وتهريب البشر. وطبعاً ستساهم عملية تعزيز البحرية اللبنانية من تنفيذ مهام حماية منشآت النفط والغاز مستقبلاً في المياه اللبنانية، بالإضافة الى عمليات البحث والإنقاذ البحري. ومن المتوقع أن يناقش المؤتمر الذي تعدّ له فرنسا خططاً واقتراحات لسبل دعم الجيش قد تتضمن منحاً مالية لتحسين الأوضاع المعيشية لعناصر الجيش وضباطه، وهو أمر أساسي لإبقاء معنويات جميع أفراده مرتفعة، ما يساعد على استمرارية الانضباط والتراتبية الهرمية داخل المؤسسة. فالجندي الجائع أو عائلته جائعة لا يقاتل.

مع استمرار فشل السلطة السياسية الحاكمة والانهيار الاقتصادي، سيزداد الاهتمام  بالمؤسسة العسكرية، إن كان من الجهة التي تريد تعزيز دوره وتقويته أو من الجهة التي تخشاه وتسعى إما خلف تدميره أو استغلاله والسيطرة عليه. ولذلك ستجد المؤسسة العسكرية نفسها تحت الأضواء بشكل متزايد في المراحل المقبلة، ما يضع قيادتها أمام مسؤولية كبيرة مقابل عناصرها والشعب اللبناني. فهي المؤسسة التي يراهن عليها كثر لاستمرارية لبنان بنظامه الديموقراطي المتعدد واقتصاده الحر. كما يجب أن تسعى قيادة الجيش بمساعدة القوى التي تساندها من أجل العمل مع مجلس النواب لاستصدار قوانين تمكنه من أن تكون له قدرة إنتاجية لتغطية بعض مصاريفه، كما الحال في الجيش المصري حيث تدخل المؤسسة في مناقصات حكومية ولدى القطاع الخاص لتنفيذ مشاريع بنية تحتية وبناء. كما تقوم بمشاركة مستثمرين في بناء مصانع لتصفيح السيارات وتصديرها وصنع الملابس والأحذية وغيرها. يمكن للجيش اللبناني الذي يملك كفاءة ومصداقية كبيرتين أن يوفر لصندوق الجيش أموالاً من خارج خزينة الدولة عبر مشاريع عدة، يفيد ويستفيد مالياً منها، ويوفر حاجات جنوده وضباطه ولا يكون مضطراً لطلب العون والإغاثة من الخارج. فالحكومات اللبنانية المتعاقبة منذ اتفاق الطائف لم تكن يوماً سخية مع الجيش اللبناني، بل كانت مجحفة بحقه في أفضل أيامها ولم تعط المؤسسة أكثر مما يكفيها لدفع الرواتب وتغطية مصاريف الغذاء والمكافآت العادية. لذلك، يجب التأسيس لآلية دائمة تؤمن مدخولاً مالياً للمؤسسة العسكرية بعدما باتت الدولة اليوم عاجزة عن تغطية أبسط متطلباتها.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.