2021-10-16

ما إمكان التّوصل إلى اتّفاق نووي طويل الأمد مع إيران وما أساس المشكل معها؟

الاتفاق النووي الايراني
الاتفاق النووي الايراني

رياض قهوجي  

لم تخرج المحادثات التي تجريها إيران في فيينا مع الدول الموقعة على الاتفاق النووي معها عام 2015 بأي نتائج ملموسة معلنة، بعد ست جولات من الاجتماعات غير المباشرة بين مندوبي طهران وواشنطن، من أجل إعادة تفعيل الاتفاقية التي كانت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب انسحبت منها عام 2018. ويبدو أن الانتخابات الرئاسية الإيرانية حالت دون إحداث أي خروق مهمة، كون التيار المتشدد يسعى الى أن تكون له السيطرة التامة على أي اتفاقية بعد الانتخابات التي من المتوقع أن يفوز فيها مرشحه إبراهيم رئيسي. كما يبدو أن إدارة الرئيس بايدن باتت تدرك ذلك، وهي تقوم الآن بخطوات لتخفيف الاحتقان وبناء الثقة، تمثلت برفع العقوبات عن بعض المسؤولين الإيرانيين والسماح لكوريا الجنوبية بتحويل أموال للخزينة الإيرانية كانت سيول قد احتجزتها بسبب العقوبات الأميركية.

ويمكن اعتبار خطوة طهران تحويل مسار سفن حربية كانت تنقل أسلحة وزوارق هجومية الى فنزويلا، لتعود أدراجها نحو البحر الأبيض المتوسط على أنها رد بتخفيف الاحتقان وتجنب التصعيد مع واشنطن. وإذا ما استمرت خطوات بناء الثقة بين الطرفين، فقد تشهد المحادثات في فيينا تطوراً إيجابياً بعد الانتخابات الإيرانية قد يؤدي الى اتفاق نووي جديد خلال الصيف الحالي.

لكن بغضّ النظر عمن يكون في الحكم في إيران، هل يمكن لأي اتفاق جديد أن يستمر الى فترة طويلة ما لم يكن هناك تغيير في سياسية إيران التوسعية ووضع قيود على برنامجها للصواريخ البالستية؟ هل يمكن لأي اتفاق لا يحظى بدعم اللاعبين الإقليميين أن يبقى الى ما بعد انتهاء ولاية بايدن وانتخاب رئيس جمهورية جديد في البيت الأبيض؟ فأساس المشكل مع إيران لم يكن برنامجها النووي. فإيران تملك برنامجاً نووياً منذ أيام الشاه، أي قبل الثورة الإسلامية. إنما مشكلاتها مع جيرانها بدأت منذ السنوات الأولى بعد الثورة الإسلامية، بعدما بدأت تطبيق سياسة تصدير الثورة وما ترافق مع ذلك من تدخلات في شؤون جيرانها وبداية إنشاء مجموعات مسلحة لتوسيع نفوذها في المنطقة.

ولم ينل برنامج إيران النووي الاهتمام الدولي حتى عام 2003، عندما قام فريق من الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتأكيد تقارير استخبارية عن بناء إيران منشأتين كانتا سريتين في حينها، وهما نطنز لتخصيب اليورانيوم وآراك لتصنيع البلوتونيوم وتخصيبه. وتوالت بعدها مسألة برنامج إيران النووي فصولاً نتيجة خشية الغرب من امتلاك النظام الإيراني سلاحاً نووياً، ولعلمه أن ما لم يكن هناك من تحرك دبلوماسي فاعل، فإن إسرائيل ستقدم على عمل عسكري لمنع أي دولة إقليمية معادية لها من امتلاك سلاح يهدد وجودها. والهجوم الإسرائيلي سيشعل حرباً إقليمية لا يريدها الغرب. 

ارتفاع نسب التخصيب لأعلى من 20 في المئة يسرع من القدرة على تصنيع قنبلة نووية (أ ف ب)

لكن إيران ليست الدولة الوحيدة من خارج النادي النووي التي تملك تكنولوجيا تخصيب اليورانيوم، أو ما يُسمى الدورة النووية الكاملة. فهناك دول عدة مثل النروج والبرازيل واليابان وأفريقيا الجنوبية، تملك قدرات كهذه ولم يقدم المجتمع الدولي على أي تحركات ضد أي منها لإجبارها على التوقيع على اتفاقيات جديدة، فلماذا إيران؟ الجواب بسيط وهو النيات العدائية المعلنة. فلقد أعلنت طهران ولا تزال عن نيات توسعية وعدائية ضد جيرانها العرب وغير العرب منذ ثمانينات القرن الماضي، ولا تزال حتى هذا اليوم. بل في هذه الأيام باتت الأقوال تقترن بالأفعال، بعدما وسّعت طهران من مناطق نفوذها عبر ميليشياتها في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

في علوم الأمن الدولي، فإن التهديد من الدولة يقاس بأمرين أساسيين وهما امتلاك النية وامتلاك القدرة. فقد تهدد دولة ما دولة أخرى بحرب مدمرة، لكن تهديدها لا يعني شيئاً إن كان معروفاً عنها عدم امتلاكها أي قدرات عسكرية تذكر. وقد تملك دولة قدرات عسكرية كبيرة ومتنوعة، ولكن سياستها لا تتضمن أي نيات عدوانية لجيرانها، وبالتالي لا تصدر أي ردود فعل من جيرانها على قدراتها. وعندما تقوم دولة غير نووية لها سياسة عدوانية معلنة ضد بعض جيرانها بالكشف عن برنامج نووي متقدم لدرجة دورة التخصيب الكاملة، فهذا يثير المخاوف، لأن هذا البرنامج يمكن أن يتحول لاستخدامات عسكرية بسهولة وخلال فترة زمنية وجيزة، وهذا هو لب المشكل مع إيران الذي يجب التعامل معه. 

لقد أعلنت إدارة بايدن أنها تريد أن تحتوي برنامج إيران للصواريخ البالستية، بعدما زادت طهران من مدى هذه الصواريخ ودقتها. فالصواريخ الإيرانية باتت قادرة على تهديد حدود حلف الناتو الجنوبية والقواعد العسكرية الأميركية في أرجاء الشرق الأوسط. وهذه الصواريخ هي خير وسيلة لحمل رؤوس غير تقليدية، وتحديداً نووية. ولذلك يربطها المراقبون العسكريون ببرنامج إيران النووي. فما من دولة تستثمر ببناء صواريخ بالستية ما لم تكن تملك أو تنوي امتلاك أسلحة دمار شامل، وآخر الأمثلة على ذلك الهند وباكستان وكوريا الشمالية. ولذلك يصرّ البنتاغون، منذ أيام إدارة باراك أوباما، على تضمين الاتفاق النووي جزءاً حول برنامج إيران للصواريخ البالستية. لكن يومها رفضت إدارة أوباما ذلك، ما أبقى “لوبي” قوياً داخل البنتاغون ضد الاتفاقية، وساعد إدارة ترامب على القرار بالانسحاب منها لاحقاً. أما سياسة إيران العدوانية فلم تتوقف أو تخف بعد التوقيع على الاتفاق النووي، بل ازدادت بشراسة كبيرة، ما أوجد عدداً كبيراً من الدول المعارضة للاتفاق، وسهّل قرار ترامب بالانسحاب منه. 

إذاً، البرنامج النووي هو جزء مهم من المشكلة الكبيرة للمجتمع الدولي مع إيران، لكن ليس هو أساسها. فالأساس هو نيات إيران العدوانية. وإذا لم تقم الدول المجتمعة مع إيران بفيينا بتناول سياستها العدوانية لجيرانها وبرنامجها الصاروخي، فإن أي اتفاقية سيتم التوقيع عليها ستكون مرحلية وعرضة للانهيار مجدداً، وقد تبني لمرحلة أسوأ مستقبلاً، تكون حينها قدرات إيران العسكرية قد تضاعفت، ما يجعل أي محاولة لفرض حلول عسكرية تواجه بمخاطر حرب إقليمية مدمرة. وعليه، يجب أن تستمر الضغوط وتتوسع أجندة المحادثات لتشمل سياسة إيران في المنطقة، والنظر في إمكان تنظيم مؤتمر إقليمي كمحاولة لحل الخلافات بين طهران وجيرانها. فالاكتفاء باحتواء برنامج إيران النووي لن يؤدي الى تراجع التوتر في المنطقة. بل سيدفع ببعض الدول العربية للنظر بجدية لامتلاك برنامج متكامل لتخصيب اليورانيوم للتساوي مع قدرات إيران. بل يجب على الدول العربية أن تسعى الى هذا الهدف لكسر احتكار إسرائيل وإيران للتكنولوجيا النووية، من أجل الدفع نحو محادثات دولية جدية لجعل الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل. فلعل الخوف من نشوب سباق تسلح نووي في المنطقة سيدفع المجتمع الدولي للسعي بجدية الى اتفاقية تحظر هذه الأسلحة في الشرق الأوسط.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.