2021-10-16

مكاسب التدخل العسكري الروسي في ليبيا

العميد ناجي ملاعب

تميز حكم الرئيس فلاديمير بوتين بإعادة ترتيب الاولويات الروسية ما بعد زوال الإتحاد السوفييتي. وتحديداً في وضع استراتيجية واضحة لتنمية الاقتصاد اعتماداً على موارد الطاقة، وإعادة تموضع روسيا كقوة عالمية في الساحة الدولية، والنظام الدولي. وتجسد كل ذلك بالتدخل الروسي في سوريا ومساندة الحكومة السورية في إعادة السيطرة على قسم كبير من المساحات التي خسرها لصالح المعارضة، ثم التدخل الروسي في أوكرانيا واحتلال جزيرة القرم، ثم التدخل مؤخراً في الصراع الليبي عسكرياً وسياسياً، ويندرج هذا التدخل باعتبار ليبيا منطقة نفوذ روسي قديم منذ حقبة الإتحاد السوفيتي.ومن البديهي أن يحقق هذا التدخل للروس مكاسب سياسية، وجيو سياسية، واقتصادية.

نحاول في هذه المقالة توضيح المقاربة الروسية لتدخلها العسكري في ليبيا والمكاسب التي حققها، في زمن التردد الأميركي وتداخل أهداف سياسات الدول الأوروبية.

 تدخل عسكري “مموه”:

بعد تمكين الحكومة السورية من السيطرة على مساحات واسعة من سوريا، أصبحت أعين موسكو على ليبيا، وبدأت بإرسال الأسلحة والمعدات العسكرية، والمرتزقة المعروفين بمجموعة “فاغنر” لمساندة قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر، الذي يسيطر على شرق ليبيا.

وشكلت مجموعة فاغنر حضوراً واسعاً في تصريحات القادة في دول عديدة، أداة من أدوات التدخل الروسي “المموه” في ليبيا. وقد قال الجنرال توماس فالدهاوزر، قائد القيادة الإفريقية (أفريكوم)، “إن روسيا تستخدم فاغنر من خلال توظيف مستشارين عسكريين مرتزقة، وخاصة في البلدان التي يسعى فيها القادة إلى حكم استبدادي، من أجل تحقيق المصالح الروسية بشروط مواتية”.

ومجموعة فاغنر الروسية مملوكة لـ Yevgeny Prigozhin ، يغفيني بريغوزين، وهو رجل أعمال له صلات وثيقة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وبحسب موقع يورونيوز، فإن أولئك المرتزقة ، والذين يقاتلون الآن على خط المواجهة في ليبيا لديهم خبرة ميدانية سابقة في أوكرانيا.

وفي بداية العام الجاري، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن أكثر من 2000 من مرتزقة فاغنر يقاتلون حاليا في ليبيا. بينما حددت الأمم المتحدة عديد مجموعة فاغنر الروسية بما لا يقل عن 1200 عنصراً في ليبيا.

ووفقاً لبيان القيادة العسكرية الأمريكية الإفريقية (أفريكوم) إنه ” يوجد طائرات عسكرية روسية قادمة من سوريا، وأعيد طلاؤها بهدف التمويه، لدعم المرتزقة الروس الذين يقاتلون إلى جانب قوات المشير خليفة حفتر. ومن المرجح أن تلك الطائرات سوف تقدم دعمًا جويًا قريبًا”. وهناك ايضاً قاعدتان عسكريتان روسيتان تعملان بالفعل في طبرق وبنغازي. ويعتقد الآن أن صواريخ الدفاع الجوي S300 الحديثة موجودة على الأرض في ليبيا. وصرح دبلوماسيون غربيون لصحيفة “نيويورك تايمز” بأنه من أجل إصلاح المعدات العسكرية وحل المشكلات اللوجستية أنشأت روسيا قاعدة عسكرية في غرب مصر.

من ليبيا الى أوروبا

موقع ليبيا الرئيسي يضعها على مفترق طرق الساحل في جنوب أوروبا وشمال أفريقيا، فهي تقع في الجزء الأوسط من شمال أفريقيا، تبعد حوالي 390 ميلاً بحريًا من مالطا، و 486 ميلًا بحريًا عن جزيرة لامبيدوزا الواقعة في أقصى جنوب إيطاليا، وهي دولة صحراوية يسكنها 6.5 مليون نسمة، ولها آلاف الكيلومترات من الحدود المشتركة، يسهل عبورها مع الدول الإفريقية المجاورة (للجزائر، مصر، تشاد، النيجر، السودان، وتونس) لذا فإن تأثير ليبيا الجيوسياسي على التطورات خارج حدودها وداخلها مهم جدا.

ومن الناحية التاريخية، كان الوصول إلى موانئ المياه الدافئة في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​ذات أهمية كبيرة لصانع القرار الروسي، كجزء من تعزيز حضورهم كقوة عظمى في النظام العالمي. فخلال مؤتمر بوتسدام لعام 1945، حاول جوزيف ستالين، من دون جدوى، المطالبة بالوصاية على مقاطعة طرابلس في ليبيا، وعلى الرغم من فشل تلك المحاولة، إلا أنه في سبعينات القرن الماضي اختار معمر القذافي الإنفتاح على موسكو، التي وفرت له الآلاف من المستشارين العسكريين، وكميات ضخمة من المعدات العسكرية لتعزيز أنشطته بما في ذلك بناء قواعد صاروخية.

أن الحضور الروسي في ليبيا سيكسبها نفوذًا كبيرًا على أوروبا على المدى الطويل، وسيتحكم الروس بملفين استراتيجيين بالنسبة للأوروبيين، الاول ملف الطاقة، والثاني ملف اللاجئين، الذي لا يزال مصدر قلق كبير لكثير من الدول الأوروبية، ما يعني أن أي أزمة أخرى للاجئين تنبثق من ليبيا يمكن أن تعيد التوترات، وتعزز من تصاعد اليمين المتشدد ويزعزع استقرار الاتحاد الأوروبي الهش بالفعل.

وسيكون بإمكان الروس الضغط على دول الاتحاد الأوروبي من خلال هذين الملفين لتحقيق مكاسب فيما يخص قضايا انتشار الصواريخ في دول أوروبا الشرقية، وملف احتلال جزيرة القرم، والدفع من أجل إنهاء العقوبات المفروضة عليهم.

ومن ناحية أخرى، ستستغل روسيا إخفاقات الأوروبيين في ليبيا وتباين سياساتهم في الملف الليبي، كون فرنسا تدعم الجيش بقيادة المشير حفتر، بينما تدعم إيطاليا حكومة الوفاق سياسياً، وألمانيا تعنى بتنظيم عملية تسوية سياسية. وهكذا تصبح روسيا أكثر تأثيراً في الملف الليبي، بحكم تشتت الدول الاوروبية المجاورة. ويبدو أن الروس حريصون على إرسال رسالة للأوربيين والأمريكيين من بعد تدخلهم في ليبيا، مفادها أن الروس لن يتوقفوا عند سوريا وأوكرانيا، وأن نجاحهم في سوريا ليس مصادفة.

.. ومن ليبيا إلى القارة الافريقية

في أواخر عام 2018، أعلن مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق جون بولتون عن استراتيجية أمريكية جديدة تهدف إلى مواجهة كل من الصين وروسيا في أفريقيا بعد أن بات واضحا أن موسكو تريد زيادة وجودها في أفريقيا، بعد تصريح الرئيس فلاديمير بوتين حين قال: ” إن إفريقيا هي إحدى أولويات السياسة الخارجية لروسيا، وتحدث عن الدعم السياسي والدبلوماسي، وعن مساعدات الدفاع والأمن، و المساعدة الاقتصادية للدول الأفريقية”.

وخلال الأعوام من 2014- 2019، شكلت القارة الأفريقية، باستثناء مصر 16٪ من صادرات الأسلحة الروسية، وفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI).. وكانت لروسيا عامي 2017-2018، صفقات أسلحة مع أنغولا ونيجيريا والسودان ومالي وبوركينا فاسو وغينيا الاستوائية. وشملت تلك الصفقات، الطائرات المقاتلة، وطائرات الهليكوبتر المقاتلة، والنقل والصواريخ المضادة للدبابات، ومحركات الطائرات المقاتلة.

دوافع روسيا الاقتصادية واضحة للدخول إلى أفريقيا، في حلجة ماسة للمواد الأولية من المعادن، مثل المنغنيز والبوكسيت والكروم، وكلها مهمة للصناعات الروسية. كما أن لدى روسيا خبرة في قطاع الطاقة يمكن أن تقدمه للدول الغنية بالبترول في أفريقيا. وتفيد التقارير أن شركة لوك أويل العاملة في قطاع الطاقة لديها مشاريع في الكاميرون وغانا ونيجيريا وتتطلع إلى الاستحواذ على حصة في جمهورية الكونغو. وتعرض روسيا أيضًا تكنولوجيا الطاقة النووية للعديد من البلدان الأفريقية، بما في ذلك بناء أول محطة نووية في مصر، بتمويل قرض بقيمة 25 مليار دولار .

لذلك تسعى روسيا لأن تكون جزءاً من المعادلة في ليبيا، وتثبيت قواعد عسكرية لها على سواحلها، لتكون نقطة انطلاق إلى العمق الإفريقي وحجر أساس لحماية مصالحها.

تقارب المواقف في ليبيا انعكس إيجابا مع مصر ودول الخليج

الخيار الروسي بالوقوف الى جانب الجيش المدعوم من مصر والسعودية والإمارات المتحدة، أفسح المجال لموسكو لتأسيس علاقات دبلوماسية جيدة بانت في تحسن العلاقات الروسية السعودية، والتي تطورت من خلال زيارة بوتين للرياض، عام 2019، وترأسه مع الملك سلمان مراسم التوقيع على سلسلة من المشاريع بمليارات الدولارات، من عقود الاستثمار بين البلدين، تستهدف قطاعات مثل الطيران، الثقافة، الصحة، والتكنولوجيا المتقدمة، حسبما أفادت وكالة فرانس برس. وأشار بيان على موقع الكرملين، خلال اجتماع مع ولي العهد محمد بن سلمان، إلى أن الصندوق السعودي العام خصص 10 مليارات دولار لمشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر المشتركة في روسيا.

وبعد السعودية، انعكست المواقف الروسية على العلاقة مع دولة الإمارات العربية المتحدة واتفق الجانبان على مجموعة من الصفقات في مجالات الطاقة، والطاقة النووية والطيران والبيئة. ووقعت شركة بترول أبوظبي الوطنية اتفاقية مع شركة غازبروم الروسية للتطوير في الإنتاج والذكاء الاصطناعي وتقنيات استخراج النفط من الحقول الحالية. وقد حصلت شركة لوك أويل الروسية على امتياز الاستثمار بنسبة 5 في المائة من حقول أبوظبي للغاز. وهذه هي المرة الأولى التي تشارك فيها شركة روسية في مجال الطاقة في الإمارات. وفي مقارنة لقيمة الصادرات بين البلدين بين عامي 2017، و 2018 فقد قفزت من 2.5 مليار دولار، الى 3.5 مليار، أي بزيادة نسبتها 36%.

أما مع مصر فقد ارتفعت قيمة الاستيراد من روسيا، من 1.88، مليار دولار في عام 2015، إلى 4.575 مليار دولار في عام 2019. ووفقًا لـ SIPRI، فقد كانت روسيا خلال الفترة بين 2014-2018 من أكبر موردي الأسلحة الى مصر، بحيث وصلت نسبة الاسلحة التي استوردتها مصر من روسيا 30٪ من مجموع الصفقات المصرية للسلاح.

وأشار أحد المعلقين الروس، بإن “ليبيا عرضت قيمة مضافة مقارنة بسوريا من حيث أن مشاركة موسكو في شمال إفريقيا جعلتها أقرب إلى دول الخليج، وكذلك مصر”.

المكاسب السياسية الروسية

ويروج المسؤولون الروس بانتظام الى أن الفوضى التي تعيشها ليبيا هي بسبب تدخل الناتو عام 2011. والذي أدانه بوتن بشدة آنذاك باعتباره المثال الواقعي لعدم الاستقرار الذي تسببه التدخلات التي تقودها الولايات المتحدة. وبذلك تكون روسيا قد أثبتت أنها تستطيع تشكيل نتائج سياسية إيجابية في الخارج من دون عمليات عسكرية مكلفة أو حملات جوية. وبذلك، تسعى روسيا لإثبات أحدى استراتيجياتها المركزية التي اعلنتها للعالم ولمواطنيها في السنوات الأخيرة، إذ قالت إن ما تخربه الولايات المتحدة، يمكن لروسيا أن تصلحه.

ومن جانب آخر، فقد انخرطت روسيا بشكل منتظم مع القادة الأوروبيين في عملية السلام الليبية، في سعيها لتوسيع قيادتها في مبادرات حل النزاعات في منطقة الشرق الأوسط. وتأمل روسيا أيضًا بأن ترضي مساهماتها في عملية السلام مسؤولي حكومة الوفاق الوطني، الذي وصفتها بأنها تقوم بإثارة عدم الاستقرار في ليبيا.

فقد استقبلت موسكو رئيس حكومة الوفاق الليبية فايز السرّاج، للمرة الأولى، في بداية العام الحالي، وساعد الضغط الروسي في عقد اجتماع بين حفتر والسراج، وزارها، كذلك، خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبي، بدعوة من المجلس الاتحادي الروسي، لمناقشة العلاقات الثنائية وسبل معالجة الأزمة السياسية الجارية في ليبيا. وزيارة مشري، بصفته رئيس الهيئة التي تتخذ من طرابلس مقراً لها والمكلفة بتقديم المشورة لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، ينبغي اعتبارها دليلاً على أن روسيا تريد الحفاظ على سياسة متوازنة بشأن لليبيا تحقق لها مكسب سياسي. وفي النهاية استطاعت روسيا الحصول على مقعد على طاولة المفاوضات في برلين.

الخلاصة

في فترة حكم أوباما وسياسته المترددة في الشرق الاوسط، واعلانه لعدة مرات عن نيته تخفيض الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وتوقيع الاتفاق النووي مع إيران، لوحظ تراجع للدور الأمريكي في كثير من القضايا على الساحة الدولية، مما سمح لدول مثل روسيا والصين وتركيا أن تأخذ دوراً أوسع في دائرة التاثير على النظام الدولي، وجعلهم أقدر على التدخل في الصراعات الاقليمية والدولية، وتحقيق تواجد عسكري في دول مثل سوريا وليبيا، والتوسع في القارة الافريقية.

التراجع الامريكي أعطى روسيا دفعة أكبر في التواجد في ليبيا وتحقيق مصالحها وتثبيت تواجدها في الشرق الاوسط وشمال افريقيا، وتحقيق مناورة أكبر تجاه الدول الأوروبية في ملفات الطاقة واللاجئين. وبسبب عدم التوافق في الرؤى السياسية لدول الاتحاد الأوروبي تجاه الأزمة الليبية، أستغل الروس هذا الاختلاف في التوجهات لصالحهم، مما يقوي موقفهم في ليبيا، ويضعف موقف دول الاتحاد الأوروبي.

إن وقوف موسكو إلى جانب قوات حفتر في الأزمة الليبية جعلها أقرب إلى دول الخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وكذلك مصر. وهكذا سوف تعزز روسيا موقفها وتواجدها في الشرق الأوسط، من خلال كسب تأييد ثلاث دول مهمة في المنطقة. وسوف تحقق مكاسب في كافة المجالات من خلال مشاركتها العسكرية والدبلوماسية النشطة في شؤون المنطقة.

وتسعى روسيا من تدخلها في ليبيا لتحقيق عدة مصالح اقتصادية، في قطاعات البترول والبنية التحتية، وإعادة الاعمار مستقبلاً. وعليه، فإن تمكن الروس من تعزيز حضورهم في ليبيا سيمنحهم قدرة أكبر على الوصول إلى الشرق الأوسط وأفريقيا، وستكون موانئ ليبيا العميقة في طبرق ودرنة مفيدة للبحرية الروسية لوجيستياً وجيوستراتيجياً، لا سيما بالاشتراك مع قاعدتهم في طرطوس السورية.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.